علي بوزردة يكتب: المندوبية السامية للتخطيط.. هل تُعلن منهجية بنموسى الجديدة نهاية البطالة “التي تُزعج كثيراً” عزيز أخنوش؟

منذ 2 ساعات 4
ARTICLE AD BOX

بائع النعناع في المدينة العتيقة بالرباط: رمز للعمل الذاتي أم للاقتصاد الهش والبطالة غير المرئية؟

هذا السؤال، الذي يندرج ضمن النقاش السوسيو ـ اقتصادي، يقودنا إلى العمل الذي أنجزه زملاؤنا في “لوديسك”، الذين تمكنوا، في بداية هذا الأسبوع، من كشف “أرنب” ليس بالهين، كصيادين مترصدين منذ الإحالة غير المتوقعة على التقاعد لأحمد الحليمي. هذا الأخير قام بتنظيم وتحديث وإدارة المندوبية السامية للتخطيط بتفان واستقلالية، رغم العواصف المتتالية التي شنها خصومه السياسيون داخل حزب العدالة والتنمية وغيرهم، وذلك لمدة 21 سنة إلى غاية 22 أكتوبر 2024.

وفي تحليله المفصل والغني بالأرقام والمعطيات، أخضع “لوديسك” آخر بحث للمندوبية السامية للتخطيط حول التشغيل بالمغرب للتدقيق، وكشف أن “نسبة البطالة المنشورة ضمن البحث الجديد حول اليد العاملة خلال الفصل الأول من سنة 2026 والبالغة 10,8 في المائة تبدو مطمئنة، خصوصاً مقارنة بـ13,7 في المائة المسجلة خلال الفصل الأول من سنة 2024 وفق النظام القديم. غير أن جزءاً من هذا الفارق يعود إلى تغيير في التعريف لم ترَ المندوبية السامية للتخطيط ضرورة لقياس أثره بشكل دقيق”.

وأضاف المصدر ذاته أن الإصلاح الذي باشره المدير الجديد للمندوبية السامية للتخطيط، شكيب بنموسى، لا يقتصر على مجرد تحديث تقني لأدوات الإحصاء المغربية، بل يمثل تحولاً عميقاً في طريقة تعريف التشغيل والبطالة والخمول بالمغرب.

ورسمياً، يتعلق الأمر بملاءمة مع المعايير الدولية لمنظمة العمل الدولية وتوصيات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. لكن سياسياً، يأتي هذا التحول بعد سنتين من المواجهة المباشرة بين حكومة أخنوش والمندوبية السامية للتخطيط بقيادة أحمد الحليمي، التي كانت أرقامها تناقض بشكل مباشر الرواية الرسمية بشأن “الإحداث المكثف لمناصب الشغل”.

فما بين سنتي 2023 و2024، نشر الحليمي معدلات بطالة قياسية بلغت 12,9 في المائة ثم 13,7 في المائة، وهو أعلى مستوى خلال العقد الأخير. وقد أضعفت هذه الأرقام جوهر الخطاب الحكومي القائم على برنامجي “أوراش” و”فرصة”، وعلى وعد حزب التجمع الوطني للأحرار، وخاصة زعيمه، بإحداث مليون منصب شغل.

وكان عزيز أخنوش ووزيره يونس السكوري قد طعنا علناً في معطيات المندوبية السامية للتخطيط، مفضلين الاعتماد على أرقام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فيما رد الحليمي بعبارة ذات دلالة قوية: “هناك حرب ضد المندوبية السامية للتخطيط”.

واعتبر “لوديسك” أن الخلاف لم يعد يقتصر فقط على السياسات العمومية، بل بات يتعلق بالتحكم في الرواية الإحصائية الوطنية نفسها.

وفي هذا السياق المتوتر، جاء في أكتوبر 2024 تعويض الحليمي على رأس المندوبية السامية للتخطيط وأحمد رضا الشامي بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وهما المؤسستان اللتان قدمتا تشخيصات قاسية حول البطالة وفئة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل.

وظهر تعيين بنموسى، وفق المصدر ذاته، كعملية لإعادة الاستقرار: فهو وزير سابق محسوب على التجمع الوطني للأحرار، وتكنوقراطي يحظى باعتراف دولي، وقريب من شبكات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والبنك الدولي، ما يجعله الشخصية المثالية للتوفيق بين الحكومة والمؤسسات الدولية، مع تحييد التوتر الإحصائي الداخلي.

والمفارقة هنا، أن بنموسى لم يخترع إصلاحاً “مزيفاً”. فالتحديث المنهجي حقيقي ومتوازن تقنياً. لكنه يُحدث أيضاً أثراً سياسياً كبيراً، يتمثل في خفض معدل البطالة الظاهر بشكل آلي.

أي أن انخفاض البطالة تحقق عبر إعادة التعريف الإحصائي أكثر منه عبر تحسن اقتصادي فعلي، بحسب المصدر نفسه.

ويكمن جوهر الجدل في الانتقال من “بطالة واسعة” إلى “بطالة صارمة”. ففي النظام السابق، كان الشخص المحبط الذي توقف عن البحث النشط عن عمل يُعتبر ضمن العاطلين. أما وفق منهجية “إيمو 2026” الجديدة، فإن الشخص نفسه يختفي من البطالة الرسمية ليُصنف ضمن فئة هامشية تسمى “اليد العاملة المحتملة”.

بمعنى آخر: الإحباط الاجتماعي خرج من البطالة الإحصائية.

والنتيجة كانت لافتة؛ إذ انتقلت البطالة الرسمية من 13,7 في المائة سنة 2024 إلى 10,8 في المائة مطلع 2026، أي بانخفاض يقارب ثلاث نقاط. غير أن المندوبية نفسها أقرت بأنه لا يمكن مقارنة السلسلتين مباشرة بسبب وجود “قطيعة مفاهيمية”.

وعلى خلاف المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية بفرنسا أو مؤسسات دولية أخرى، لم يتم نشر أي إعادة احتساب للسلاسل السابقة لقياس ما يرتبط فعلياً بتحسن اقتصادي وما يرتبط فقط بتغيير التعريف. ومن هنا نشأ الشك السياسي: فحكومة أخنوش بات بإمكانها الآن الترويج لبطالة “في تراجع” دون إمكانية عزل الأثر المنهجي بدقة.

والأكثر إثارة، وفق “لوديسك”، أن المندوبية اختارت إبراز المؤشر الأكثر تقييداً في تواصلها العمومي، وهو “إس يو 1” بنسبة 10,8 في المائة، بينما يُظهر المؤشر المركب الأوسع “إس يو 4” واقعاً أكثر قتامة، يتمثل في 22,5 في المائة من ضعف استغلال اليد العاملة على المستوى الوطني، و31,1 في المائة لدى النساء، و45,3 في المائة لدى الشباب.

بمعنى أن شاباً مغربياً من أصل اثنين تقريباً ما يزال يعيش وضعية تشغيل ناقص أو إحباط أو إقصاء من سوق العمل، غير أن هذا الرقم يختفي خلف الواجهة الجديدة لـ”10,8 في المائة”.

كما أدخل الإصلاح قطيعة أخرى مهمة تتمثل في استبعاد العمل المرتبط بالاستهلاك الذاتي من دائرة التشغيل.

ويهم هذا بشكل مباشر مئات آلاف النساء القرويات العاملات في الفلاحة الأسرية دون دخل نقدي. ففي النظام السابق كن يُحتسبن ضمن النشيطات، أما الآن فقد أصبحن خارج التشغيل. وما يتوقف عن الوجود إحصائياً قد يخرج أيضاً من دائرة السياسات العمومية.

فهل أخطأ بنموسى بسبب “إفراط في الحماس” التقني؟ يصعب الجزم بذلك، لكن السؤال المركزي أقل تقنية وأكثر سياسية.

وقد يكون من المبالغة اتهام بنموسى بتقديم أرقام بعيدة عن واقع الميدان. فالمعايير الجديدة التي اعتمدتها المندوبية موجودة فعلاً وتتوافق مع أحدث المعايير الدولية. ومن الناحية التقنية، يبقى الإصلاح قابلاً للدفاع عنه، بل إنه يستجيب بدقة للانتقادات التي وجهتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى المغرب سنة 2024. لكن السؤال الجوهري ليس قانونية الإصلاح الإحصائي، بل استخدامه السياسي، يحذر “لوديسك”.

وفي هذا الإطار، تطرح عدة اختيارات للمندوبية علامات استفهام قوية:

• لماذا يتم إعلامياً التركيز على أضعف مؤشر للبطالة؟

• لماذا لم تُنشر فوراً معطيات الاقتصاد غير المهيكل رغم أهميتها المركزية بالمغرب؟

• لماذا لم تتم إعادة احتساب السلاسل القديمة؟

• لماذا يكاد يغيب أي تعليق تحليلي حول انفجار بطالة الشباب؟

• لماذا يتم التقليل من وزن “هالة البطالة” في بلد يعرف إحباطاً اجتماعياً واسعاً؟

• لماذا يتم تصنيف جزء من عمل النساء القرويات، الذي ظل تاريخياً غير مرئي، ضمن “الخمول”؟

وعليه، فالمشكلة ليست في التحديث الإحصائي بحد ذاته، بل في كونه جاء في اللحظة نفسها التي كانت فيها حكومة أخنوش بحاجة إلى رواية أقل قتامة بشأن التشغيل، خاصة مع اقتراب نهاية ولايتها وقبيل الانتخابات التشريعية لسنة 2026. فالتوقيت السياسي يصعب تجاهله.

وتسمح إصلاحات “إيمو” اليوم لحكومة أخنوش بإظهار معدل بطالة رسمي أقل، مع نقل أكثر أشكال الهشاشة قسوة ــ مثل الإحباط والتشغيل الناقص والعمل غير المرئي وإقصاء النساء ــ إلى فئات تقنية قليلة التداول إعلامياً.
ومن هذا المنطلق، هل ساهم بنموسى، بوعي أو دون وعي، في إعادة تشكيل الواقع الإحصائي بطريقة تخدم السلطة التنفيذية سياسياً؟ سؤال يطرحه المحللون ويعيد إشعال الجدل.

وللتذكير، فقد ظل الحليمي يدافع عن قلعة المندوبية السامية للتخطيط ضد كل الضغوط للحفاظ على استقلاليتها ومصداقية أرقامها. وهنا بالتحديد يكمن التحول الجديد: ففي المغرب، لم تعد معركة التشغيل تُخاض فقط على الأرض الاقتصادية، بل أصبحت تدور أيضاً حول تعريف من هو العاطل عن العمل. وكما تقول الحكمة الشعبية: “لا يمكن حجب أشعة الشمس بالغربال”.

وفي النهاية: بالنسبة لبائع النعناع في المدينة العتيقة بالرباط، سواء صُنّف اليوم كـ”عامل ذاتي” من طرف المندوبية السامية للتخطيط أو أُدرج غداً ضمن “اليد العاملة المحتملة”، فإن قسوة الحياة اليومية لم تتغير. لقد غيّرت الإحصاءات نظاراتها، لكن المشهد ما يزال ينتظر إصلاحاته الحقيقية.

ـ المصدر: عن موقع Article19.ma

المصدر