قفزة نوعية »، « نتائج مبهرة »، « تقدم استثنائي ».. هكذا وصفت وزارة التربية الوطنية تجربة « مدارس الريادة » التي انطلقت في إطار رؤيتها الإصلاحية للولاية الحكومية 2021-2026. صرفت عليها الميزانيات، رُصدت لها الأجهزة اللوحية، وتلقى أساتذتها تكوينات مكثفة. وكان الهدف السياسي الطموح: رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في الكفايات القرائية الدنيا من 41% إلى 82% في خمس سنوات فقط.
لكن قبل أن يحين موعد اختبار بيرلز الدولي في ماي-يونيو 2026، أجرت الوزارة نفسها اختباراً إعدادياً على عينة وطنية، ونشرت تقريراً وطنياً حول النتائج. هذا المقال ليس مجرد قراءة سطحية للتقرير، بل هو تفكيك منهجي ونقدي لآليات احتساب الأرقام، وكشف لبعض المفارقات التي ينطوي عليها.
دأب المغرب على المشاركة في التقييمات الدولية للتحصيل الدراسي منذ أكثر من ربع قرن لكن مشاركته هذه السنة في بيرلز 2026، وهي الدراسة الدولية لتقييم الفهم القرائي، تكتسي أهمية خاصة نظرا بالخصوص لتزامنها مع نهاية خارطة الطريق 2022-2026 التي جعلت أحد أهدافها الثلاثة مضاعفة نسبة التلامذة الذين يتحكمون في التعلمات الأساس، وعلى رأسها القراءة التي تعد مجال تخصص دراسة بيرلز. وبما أن نسبة المتعلمين المغاربة الذين برهنوا على إتقانهم للحد الأدنى للكفايات في الدراسة نفسها سنة 2021، موعد بداية الولاية الحكومية الحالية، بلغ 41 في المائة فمن المنتظر حسب وعود خارطة الطريق أن ينتقل هذا الرقم إلى 82 في المائة هذه السنة. لتحقيق هذا الرهان عملت وزارة التربية الوطنية تطبيقا للمذكرة رقم 25×095 الصادرة في 6 أكتوبر 2025 على تخصيص على الأقل حصة تدريبية أسبوعية من 90 دقيقة لفائدة تلميذات وتلاميذ العينة التي ستشارك في الاختبار الدولي لتدريبهم على استعمال الحاسوب في الاختبارات الرقمية عبر محاكاة عملية للوضعيات الاختبارية. وقد أعدت لهذا الغرض تطبيقا يحاكي الروائز التي يتعاطى معها التلاميذ في هذه الدراسة التقييمية. وقد توجت هذه التدريبات التي امتدت لستة أشهر بإجراء اختبار وطني تجريبي شاركت فيه 278 مؤسسة ممثلة لجميع الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين منها 102 مؤسسة عمومية رائدة و136 مؤسسة عمومية غير رائدة و40 مؤسسة خصوصية.
شرعية تدريب التلاميذ على اختبار بيرلز
إن تدريب التلاميذ بشكل مكثف على نماذج اختبار بيرلز قبل اجتيازه يثير إشكاليات أخلاقية ومنهجية مهمة. فمن الناحية المنهجية تم تصميم اختبار بيرلز لقياس المهارات القرائية الحقيقية للتلاميذ في ظروف طبيعية، وليس قياس قدرتهم على اجتياز اختبار معين بعد تدريب خاص. عندما يتم تدريب عينة محددة من التلاميذ على شكل الأسئلة وآليات الإجابة، فإن النتائج لم تعد تعكس المستوى الحقيقي للمنظومة التربوية، بل تعكس قدرة تلك العينة بالذات على التعامل وفق قواعد الامتحان. أما من الناحية الأخلاقية فإن الغرض من المشاركة في بيرلز هو الحصول على صورة صادقة عن أداء النظام التعليمي لتحديد مواطن الضعف ومعالجتها. الهدف التربوي ليس الفوز بمركز متقدم قد لا يعكس حقيقة التحصيل الدراسي للتلامذة المغاربة، بل تحسين التعلم الفعلي لجميع التلاميذ، وليس فقط للعينة التي تخضع للاختبار.
نعم، توجد دول تقوم بتعليم تلامذتها استراتيجيات تقييمية مشابهة لتلك المستخدمة في اختبار بيرلز، ولكن هناك فرق جوهري بين التدريب التربوي العام الذي يروم دمج مهارات الفهم القرائي في المناهج الدراسية بشكل طبيعي مما يعتبر ممارسة سليمة ومعتمدة عالمياً، وبين التدريب من أجل الاختبار أي تخصيص حصص تدريبية مكثفة للعينة التي ستخضع للتقييم في بيرلز، مع تدريبها على نماذج أسئلة سابقة وآليات الإجابة.
إن معظم الدول المشاركة في بيرلز تحرص على عدم تدريب العينة العشوائية للاختبار حفاظاً على نزاهة النتائج، لأن التدريب المكثف للعينة تحديداً قد يؤدي إلى تضخم النتائج بشكل غير حقيقي، وفقدان المصداقية الدولية لنتائج البلد المشارك، والحصول على صورة مشوهة عن حاجة التلاميذ الحقيقية للدعم.
مؤشر الفهم القرائي
إن التقرير الخاص بالاختبار التجريبي الوطني الذي أعدته وزارة التربية الوطنية، لا يعتمد تنقيط بيرلز على سلم من صفر إلى ألف، بل يعتمد نسبا مئوية للنجاح، ومع ذلك نستطيع تقييم مدى الاقتراب من الهدف الحكومي المتمثل في جعل 82 بالمائة من التلامذة المغاربة يتحكمون في الحد الأدنى من مهارة القراءة.
لقد شارك في هذا الاختبار الإعدادي 8243 تلميذاً، وبعد إجراء الاختبار تم تصنيفهم حسب نسبة الإجابات الصحيحة في مؤشر الفهم القرائي إلى ثلاث فئات:
– الفئة الأولى في وضعية تعثر وتضم 3397 تلميذا أي ما يعادل 41.21 بالمائة من حجم العينة وهؤلاء حصلوا على أقل من 40 بالمائة إجابات صحيحة.
– الفئة الثانية في طور التمكن وتضم 3541 تلميذا أي ما يعادل 42.96 بالمائة من حجم العينة وهؤلاء حصلوا ما بين 40 و 70 بالمائة إجابات صحيحة.
– الفئة الثالثة في وضعية تمكن وتضم 1305 تلميذا أي ما يعادل 15.83 بالمائة من حجم العينة وهؤلاء حصلوا على أكثر من 70 بالمائة إجابات صحيحة.
علما بأن متوسط الإجابات الصحيحة وطنيا لم يتجاوز حسب التقرير 47 بالمائة، لكن هذا الرقم ينخفض إلى حوالي 38 بالمائة فقط إذا احتسبنا مؤشر الفهم القرائي باعتماد المهارات القرائية الأربع بأوزانها المتراوحة بين 0.2 و0.3. يمكن تفسير هذا التضارب في الأرقام باحتساب التقرير لمؤشر الأداء الكتابي، الذي سنتطرق إليه لاحقا، ضمن مؤشر الفهم القرائي. لكن في غياب معطيات دقيقة حول منهجية التنقيط التي اعتمدت في التقرير فإن تحليل هذه النتائج يمكن أن يتم انطلاقا من فرضيتين:
الفرضية الأولى تتمثل في اعتبار سلم التنقيط المعتمد مطابقا لسلم بيرلز وفي هذه الحالة تصبح عتبة 40 بالمائة المحددة كمعيار للتعثر تساوي 400 نقطة المحددة في بيرلز كعتبة للحد الأدنى للكفايات. وفق هذه الفرضية فإن أقل من 60 بالمائة من التلامذة يمتلكون الحد الأدنى للكفايات القرائية، وهي نسبة تظل بعيدة جدا عن الهدف الحكومي البالغ 82 بالمائة.، لكنها أفضل من المستوى الذي حققه المغرب سنة 2021. هذا طبعا إذا اعتبرنا المتوسط الوطني هو 46.9 بالمائة كما هو مدون في التقرير أما إذا اعتبرنا رقم 38 في المائة الذي حصلنا عليه باعتماد المهارات الأربع المشكلة للفهم القرائي فإن نسبة المتحكمين في الحد الأدنى للكفايات القرائية يتراجع إلى 43 في المائة وهو المستوى نفسه الذي كان عليه المغرب سنة 2021.
الفرضية الثانية مفادها أن التحكم في الحد الأدنى من الكفايات يقتضي التمكن التام من الدرجة الدنيا لسلم المهارات القرائية المتكون من أربع درجات هي أولا، استرجاع المعلومات الصريحة، ثانيا، الاستنتاج المباشر، ثالثا، تفسير ودمج الأفكار، ورابعا تقويم النص ونقده. لكن ما نستقيه من التقرير هو أن درجة التحكم في استرجاع المعلومات الصحيحة، وهي العتبة التي يحددها اختبار بيرلز لبلوغ الحد الأدنى من الكفايات القرائية، ظلت في حدود 40 بالمائة وهو ما يعني أن 50 بالمائة من تلامذة العينة مستواهم دون المتوسط، وبحساب إحصائي بسيط فإن 84 بالمائة منهم لم يتجاوزوا 70 بالمائة من الإجابات الصحيحة في هذه المهارة البسيطة التي من المفترض أن يتمكن منها أغلب التلامذة. وبالتالي فوفق هذه الفرضية فإن أقل من 20 بالمائة فقط من التلامذة هم من يتمكنون من الحد الأدنى من الكفايات القرائية وهو إن صح تراجع خطير عن 41 بالمائة التي حققها المغرب سنة 2021.
مؤشر الأداء الكتابي
دراسة بيرلز تهتم بالفهم القرائي وليس بالتعبير الكتابي. حتى عندما تطلب بيرلز من التلميذ كتابة إجابة عن الأسئلة مفتوحة، فإنها لا تقيم خطّه أو تركيب جمله أو مهارته الإنشائية، بل تقيم فقط مدى فهمه للنص من خلال محتوى إجابته. الكتابة هنا مجرد وسيلة وليست غاية. خلافا لذلك فإن الاختبار التجريبي الذي نظمته الوزارة استحدث مهارة الأداء الكتابي وذلك انسجاما مع أهداف مدارس الريادة التي تركز أساسا على تعليم التلميذ المغربي القراءة والكتابة والحساب. وقد بين التقرير بأن المتوسط الوطني للأداء الكتابي هو 56.4 بالمائة. لكن عندما يتم توزيع هذا الأداء حسب الوسطين القروي والحضري وحسب المؤسسات الرائدة وغير الرائدة تقفز النسب بشكل غير مفهوم إلى ما فوق 70 بالمائة.
يبدو أن التقرير لم يدمج الأداء الكتابي مع الفهم القرائي في تصميم أسئلة الاختبار رغم إدماجهما في تحليل النتائج. وهو ما يعني أنه ربما استبعد الأسئلة المفتوحة التي كانت ستظهر ضعفاً أكبر في الفهم من احتساب مؤشر الفهم القرائي، مما أدى إلى رقم أكبر من الحقيقة.
باعتماد الأداء الكتابي أصبح التحصيل الدراسي حوالي 47 في المائة أي 470 نقطة على 100 في سلم بيرلز وهو ما يوحي بربح التلامذة 100 نقطة على المستوى الذي بلغوه في بيرلز 2021. لو لم يحتسب الأداء الكتابي لكان الرقم في حدود 380 نقطة أي يعادل تقريبا حصيلة بيرلز 2021.
مقارنة مدارس الريادة بالمدارس العادية
وفقاً لهذا التقرير فإن مدارس الريادة لا تتفوق بشكل ذي دلالة إحصائية على المدارس العادية في الفهم القرائي. الفارق 0.88 نقطة مئوية فقط، وهو أقل من هامش الخطأ في معظم الدراسات التربوية. أكثر من ذلك فالمدارس العادية تتفوق ولو بشكل طفيف جدا على مدارس الريادة في نسبة التلامذة الموجودين في وضعية تمكن. وهو ما يطرح بحدة سؤال مصداقية الأرقام التي ما فتئت تعلنها الوزارة الوصية عن التفوق المذهل لمدارس الريادة على المدارس العادية والمتمثل أساسا في التقدم بمقدار 0.9 انحراف معياري، وهو ما يعادل من سنة إلى سنتين إضافيتين من التعلم. لكن بما أن هناك تكافؤا شبه تام بين المدارس الرائدة والمدارس غير الرائدة فإن النتائج المحصل عليها سواء أكانت إيجابية أم سلبية تعود إلى هذه الأخيرة لسبب بسيط هو أنها تشكل النسبة الأكبر من المدارس العمومية رغم أنها لم تحضر في العينة بنفس الحجم الذي هي عليه في الواقع، أي ضعف المؤسسات التعليمية العمومية.
خاتمة
إن التقرير الذي أعدته الوزارة حول الاختبار الإعدادي لتقييم بيرلز 2026 يعتبر وثيقة ثمينة، ليس بما تظهره من أرقام، بل بما تخفيه من حقائق. بعد تفكيك االأرقام المتضمنة فيه، تظهر صورة قاتمة: الفهم القرائي في المغرب في حالة انهيار صامت، والإصلاح الحالي المتمثل في مدارس الريادة لم يقدم الحل المناسب، بما أن أداءها لا يختلف عن أداء المدارس العادية. إن أجرأ ما يمكن أن تفعله وزارة التربية الوطنية اليوم ليس تأليف تقارير جديدة بأرقام تنكر واقع الحال، بل مواجهة الحقيقة التي تقول بأن 8 من كل 10 أطفال مغاربة لا يستطيعون فهم نص بسيط، وأن ما صرف على الريادة لم يغير هذه الحقيقة حسب التقرير نفسه.
.jpg)
منذ 1 ساعة
2







