ARTICLE AD BOX
“حاصرت” الحرب وأهوالها الصحفي المغربي عبد الرحيم التوراني في بيروت الجريحة، وهو الذي تعود التردد عليها والإقامة بين أهلها كلما زار أهله هناك، لكن الحرب التي باغتت اللبنانيين وحاصرت بلدهم من الجو والبر والبحر، فرضت عليه المكوث هناك في انتظار ساعة الفرج والنجاة.
ومع مرور الوقت وجد التوراني نفسه في قلب تجربة صعبة، وهو الانسان المبدع والمبدئي الذي لم يٌخف هواه يوما لبيروت وللبنان بكل يقاعه ولأهله بمختلف أطيافهم، فخط َّ مجموعة الخواطر التي ننشرها هنا، وهي عبارة عن لحظات ولقطات مسروقة من وقت مستقطع ما بين غارة وأخرى، تحكي لنا عن اليومي والإنساني والوجداني والذاتي والموضوعي.
*** *** ***
الشائعات.. وإنذارات أفيخاي أدرعي بالإخلاء.. والإنذارات الأخرى الزائفة.. وانعدام الثقة والبلبلة واللخبطة.. والتوتر النفسي والقلق من القادم…
عناوين الموجز اليومي الطويل الذي لا يفي بالغرض لتلخيص ملامح الوضع الساري اليوم في لبنان..
تشكو عبير. ن، وهي سيدة بيروتية من “أم كامل” وصداعها.. “أم كامل” التي تصر على أن تحرمهم من بعض الراحة وقليل من النوم..
حتى عندما تتوقف التفجيرات والغارات الوحشية للعدو الإسرائيلي، فإن “أم كامل” لا يهدأ هديرها، وهي النعت الشعبي المبتكر للطائرات الإسرائيلية المسيرة بلا طيار الـ”MK”، التي لا تتوقف عن مسح وتصوير ومراقبة وتسجيل كل ما يجري فوق خريطة لبنان، خصوصا أثناء الليل..
لأخذ فكرة عما يجري، أسوق هذه النكتة السوداء المتداولة حاليا على “الوتساب” بين اللبنانيين، وتتحدث عن زوج سأل زوجته أين وضعت سرواله، لقد فتش عنه ولم يجده، ردت عليه الزوجة أن يفتش أين وضعه.. فجأة وصلهما الجواب من الناطق الرسمي لجيش الاحتلال..
في ما يلي النكتة كما تلقيتها باللهجة اللبنانية:
(- الزوج: وين بنطلون الجينز الأزرق يلِّي كان بدُّو تقصير؟
– الزوجة: ما بعرف شوف حالك وين حاطه!
– الزوج: يلا ضاع البنطلون!
– أفخاي أدرعي: بالخزانة النصانية… في شنطة سودا بالأرض، الجينز بقلبا لأن عأساس تاخدو معك عالضيعة تقصره عند أم حسين الخياطة…).
***
وما زلتَ تسمع من يتكلم عن قرب اجتياح قوات العدو للبنان..
بالله عليكم.. ماذا يمكن تسمية ما يجري ويحصل الآن من اختراق يومي بالطيران الحربي الإسرائلي في لبنان..؟
لقد اجتاحت الحرب بيروت… وتسببت في مليون ونصف المليون نازح، ممن تقطعت بهم السبل ولاذوا بشوارع بيروت أو توزعوا على خيم شاطئية غير مناسبة..
كما أنك تسمع من لا يزال يترقب اندلاع حرب شاملة!..
لكن الوضع منذ فترة طويلة بات “أشبه بحرب شاملة”، حسب وصف منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل.
***
يرتفع الضغط ويزداد كل يوم.. كل نهار وكل ليلة.. بل كل ساعة ودقيقة وكل ثانية..
لم يعد من معنى لمعرفة اسم اليوم والشهر والعام.. لا معنى لسؤال في أي يوم نحن وفي أي شهر أو في أي سنة؟
الإجابة الصحيحة والواقعية هي: إننا في يوم القيامة.. يومٌ تنتفي فيه كل الحسابات الدقيقة والجزئية التي ابتكرها الإنسان من أجل تنظيم حياته الطبيعية على الأرض.. إن أوقات الحرب غير قابلة للقسمة أو التمييز.. ولا تخضع لصدى الزمن الطبيعي…
لمن يريد التدقيق، فإن ثانية من ثواني الحرب تساوي دهرا، وهذا التعبير لا ينضوي تحت ألوية لغة المجاز… المجاز هنا واقع، أو ترف لغوي.. الناس في غنى عنه، كما هم قتلى العدوان الصهيوني في غزة وفي لبنان.. هم في غنى عن دموعنا وأسفنا وتنهداتنا ومراثينا وعن كل الخطب المفوهة..
في الحرب هناك لحظة واحدة يتشابه فيها جميع الضحايا، هي اللحظة التي يستقبلون فيها مصرعهم ونهايتهم…
والضحايا من القتلى وأيضا ممن لا يزالون يتنفسون ويتأوهون ويمشون فوق الأرض…
***
أستحضر هنا عبارة يستعملها المغاربة، ولا أعتقد كثيرا أن لها ما يماثلها في لغات الشعوب المتقدمة، العبارة التي أعني هي التي تتحدث عن “قتل الوقت”، أي تجزيته، والمراد بها الاحتيال على الزمن واختزاله، أي تقصيره، ألا نسمي سهراتنا بـ”القْصَارَة”؟!…
ومن قديم غنى محمد عبد الوهاب:
“ما أقصر العمر حتى نضيعه في النضال.. آه الحب ..
الحب فيه بقائي
آه الحب ..
الحب فيه زوالي”..
لا ينقص هنا سوى حرف الراء لتستقيم الأغنية وتعبر عما يحدث.. (آه الحرب.. الحرب تهدد بزوالي…).
غير أن البعض قد يقضي وقته كاملاً في تزجية الوقت… والاحتيال على نفسه أولا وأخيرا..
قصارى القول.. نخشى أن تكون الحرب نفسها زمنا كاملا من أوقات تزجية الوقت بضحاياها، الحيلة التي تختزل الأعمار وتجهز عليها وتنهيها في لحظة…!!!
***
على شاشات الفضائيات اللبنانية ومثيلاتها العربية والأجنبية، كما على وسائل التواصل الاجتماعي، نتلاحق المشاهد والصور المروعة القادمة من يوم كالقيامة…
ضربات التفجير المزلزلة تخلف قنابلها دويَّ أصوات أكثر من مخيفة ومرعبة .. أعنف غارات جوية ربما حصلت في تاريخ الحروب.. تجري الآن بأفتك الأسلحة وأخطرها.
الأسلحة الواردة من معامل ومختبرات ومصانع السلاح الأكبر والأشهر في العالم، من الولايات المتحدة الأمريكية…
السحب السوداء التي تتصاعد دخانا داكنا.. تعلو فوق الضاحية الجنوبية ثم تنتشر لتغطي كل سماء العاصمة…
غير بعيد عن مدارج مطار رفيق الحريري الدولي تتكرر مشاهد التدمير للمباني المجاورة للبوابة الجوية الوحيدة في البلاد.. كما يتكرر المشهد الغرائبي للطائرات المدنية وهي تخترق دخان الغارات إقلاعا وهبوطا..
وسط هذه المأساة يستقطب ربابنة شركة الطيران اللبنانية “الميدل إيست” المزيد من إعجاب وثناء مواطنيهم.. يقولون: “برافو.. إنهم يستحقون كل التحية والتقدير.. يا لهم من أبطال…”.
***
تمر نهارات فصل الخريف هنا في لبنان كأنها نهارات جرت توأمتها مع نهارات فصل الربيع.. السماء صافية زرقاء صافية.. أتساءل أين يذهب كل هذا الجحيم واللهب الأحمر بغازاته المحترقة.. أين راحت الأدخنة الرمادية والسوداء التي خلفتها الغارات العدوانية الليلة الفائتة..
لعل الإجابة لدى علماء الطبيعة والعارفين بأسرار هبوب الرياح وحركاتها التي تعمل على تنقية السماء وتنظيف الجو..
فمن ينظف شرور النفوس والعقول الآسنة…
بالرغم من ذلك لا أجرؤ على القيام بنزهة أو القيام برياضة المشي التي يوصي بها الطبيب..
في الأسبوع المنصرم تلقيت دعوة للتجول والنزهة في إحدى البلدات الجميلة القريبة، غير أن التوجس غلب علي فاعتذرت، في اليوم التالي قيل لي إن مسيرة إسرائيلية استهدفت سيارة في تلك البلدة الجميلة…
***
خسائر الحرب تخطت 20 مليار دولار حتى اليوم. يصرح وزير الاقتصاد اللبناني أمين سلام لإحدى الفضائيات. مؤكدا أن كل قطاعات الاقتصاد اللبناني دمرت بالكامل، وأن خطة الطوارئ تحتاج إلى 250 مليون دولار شهرياً، وتكلفة إعادة الإعمار فتتراوح بين 20 و 30 مليار دولار.
أما وزير الصحة فراس الأبيض، فأعد وثيقة بشأن اعتداءات العدو الإسرائيلي على المنشآت الصحية والعاملين في المجال الصحي. وأشار في مؤتمر صحافي إلى أنّ “التوثيق خطوة ضرورية في اتجاه السعي للمحاسبة”. مشدّدا على أنّ تضحيات العاملين الصحيين والإسعافيين تشكل انعكاساً قوياً للمخاطر التي يواجهونها في زمن الحرب.
وطالب وزير الصحّة “المجتمع الدولي بتطبيق القانون الإنساني الدولي ومحاسبة المسؤولين الإسرائيليين عن الانتهاكات بحقّ القطاع الصحي اللبناني”.
وفنّد الوزير بالأرقام الاعتداءات الإسرائيليّة على الطواقم الصحيّة والإسعافية: “سجّلنا 55 اعتداء على المستشفيات منها 36 استُهدفت بشكل مباشر مما أدى إلى إقفال 8 منها بشكل قسريّ. وسقط 151 شهيدًا من الاعتداءات الـ 200 على مختلف الجمعيّات الإسعافيّة. ومجمل عدد الشهداء في القطاع الصحي بلغ 163 و272 جريحاً.
“الاعتداءات على القطاع الصحي والإسعافي في لبنان هي مباشرة ومقصودة ولا يستطيع العدو الإسرائيلي أن يقول إنّ الاستهدافات حصلت عن طريق الخطأ وما يحصل جريمة حرب”.
***
وأخيرا تم إدراج لبنان على القائمة “الرّماديّة” لمجموعة العمل المالي العالمية.
وكالة “رويترز” ذكرت أن هذا الإدراج جاء نتيجة الضغوط التي مارستها إسرائيل وعواصم غربية، التي تذرعت بقصور الإجراءات المتبعة من قبل الحكومة اللبنانية في مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال.
***
البارحة ليلا في حاصبيا بجنوب لبنان استهدفت القوات الإسرائيلية ثلاث صحفيين، هو فصل جديد من فصول جرائم الحرب الصهيونية ضد لبنان.
رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي شدد على أن “العدوان الإسرائيلي الجديد المتعمّد هدفه بالتّأكيد ترهيب الإعلام للتّعمية على ما يُرتكب من جرائم وتدمير”.

والصحافيون الشهداء هم: المصور في قناة “الميادين” غسان نجار، ومهندس البث بنفس القناة محمد رضا، والمصور في قناة “المنار” وسام قاسم.
***
من يمشي في شوارع بيروت سوف لن يلمس مباشرة أثر الحرب، ليس كل شيء يفصح عن حقيقته الداخلية..
ستبدو لك الحياة طبيعية عادية..
السيارات تتحرك في الشوارع، والراجلون يمشون فوق الأرصفة، وزبائن المقاهي يملؤون الفضاءات بالثرثرة، يتلذدون بتدخين السجائر، والنساء والفتيات يحافظن على أناقتهن ومظهرهن المعهود..
محلات الحلاقة الرجالية إلى جانب محلات تصفيف الشعر النسائية، ومطاعم السندويتشات والمطاعم والبارات مفتوحة، متاجر المواد الغذائية كذلك.. وشيخ سبعيني يدخل أمامك إلى محل بيع الأراجيل والتنبك ليتزود..
ضجة الحياة تصارع الفناء..
ثم.. دويّ قوي لخرق جدار الصوت.. يرفع الناس رؤوسهم صوب السماء.. يطمئنون بعضهم البعض.. إنه خرق لجدار الصوت.. خلفي في المقهى شخصان رفعا صوتيهما بالصياح، كما يفعل جمهور الكرة في الملاعب عند تضييع هدف لم يرتكن داخل الشباك..
يلتفت صديقي المثقف وراءه بغضب، ينظر إليهما باستنكار.. يخبرني:
– هؤلاء لا شك من النازحين..
ثم يلتفت إليهم خلسة مرة ثانية، ويعود لي بالتأكيد:
– بلى… هم من خارج المدينة… هؤلاء لا صلة لهم بأخلاق وتربية وثقافة المدينة.
تجول بخاطري بعض أفكار أصبحت رائجة في لبنان منذ أعوام.. بعد لجوء السوريين إلى لبنان هربا من قمع النظام ومذابح داعش.. بعد 2011..
أيضا، أستعيد ما أقرأه وأسمعه عن احتمالات عودة الحرب الأهلية إلى لبنان.. حرب تزرع بذورها إسرائيل وتتهيأ لقطف ثمارها مستقبلا.. لا سمح الله…
(الخميس 25 أكتوبر 2024)
.jpg)
منذ 1 سنة
2







