عبد الرحيم التوراني يكتب من بيروت: رغم الحرب تستمر الحياة.. والمدارس والمقاهي تعيد فتح أبوابها والأسواق تستعيد زينائها

منذ 1 سنة 2
ARTICLE AD BOX

“حاصرت” الحرب وأهوالها الصحفي المغربي عبد الرحيم التوراني في بيروت الجريحة، وهو الذي تعود التردد عليها والإقامة بين أهلها كلما زار أهله هناك، لكن الحرب التي باغتت اللبنانيين وحاصرت بلدهم من الجو والبر والبحر، فرضت عليه المكوث هناك في انتظار ساعة الفرج والنجاة.

ومع مرور الوقت وجد التوراني نفسه في قلب تجربة صعبة، وهو الانسان المبدع والمبدئي الذي لم يٌخف هواه يوما لبيروت وللبنان بكل يقاعه ولأهله بمختلف أطيافهم، فخط َّ مجموعة الخواطر التي ننشرها هنا، وهي عبارة عن لحظات ولقطات مسروقة من وقت مستقطع ما بين غارة وأخرى، تحكي لنا عن اليومي والإنساني والوجداني والذاتي والموضوعي.

*** *** ***

تتداعى علي الهواجس صوراَ وذكرياتٍ متناثرة، ثم ترجعني في طرفة عين إلى وعيي، إلى حيث أنا في مكان تواجدي… لبنان الحرب..

***
في مواجهة الموت الإسرائيلي.. تستمر الحياة في بيروت عاصمة البلاد..

هنا يجتهد الناس في عملية هروب كبير من عدم اليقين… يجربون العيش في حياة طبيعية في مواجهة الأزمات العديدة..

يحتاج الناس أكثر من أي وقت مضى إلى فسحة للعيش يمكنهم خلقها بسلام وحرية..

كل صباح تشرق شمس جديدة.. لكنها الشمس نفسها… بينما أشياء كثيرة تتغير في النفوس!

لا يمكن للمرء أن يستمر في العيش مع الخوف كل يوم.. من هنا تجد أن من تلتقي بهم يخاطبونك، كما لو كانوا في مونولوغ ذاتي: “دع ما سيحدث.. يحدث”…

***

ألتقي بأصدقاء لبنانيين، أحاول اغتنام الفرصة لاستقصاء أخبار منهم تخص الوضع.. نشرب القهوة.. ويختلط الكلام بالدخان المتصاعد من السجائر والنارجيلة..

يحكي أحدهم عن حالة الذعر التي صارت بأحد الأحياء في منطقة لا تبعد عن بيروت..

على هاتف مراهق وصل إنذار بإخلاء البيت، فأطلع والده على نص الرسالة، الوالد بدوره أخبر الجيران.. وفي لحظات سريعة كانت أكثر من أربعة مبان متجاورة فارغة.. بعدها سيتضح أن مصدر الإنذار زميل مدرسة للمراهق، أراد أن يتسلى ويقتل الوقت.. لكنه قتل سكان الحي رعبا لو يدري…

يضيف الراوي: لكن العجب يملكني، إن (سيدا آخر من سكان نفس الحي) ظل مرابطا ببيته ولم يتحرك مطلقا، والأغرب أنه لم يذكر أبدا سيرة هذا الحادث مع أي أحد..

***

زحام السيارات في الشوارع زاد، بسبب أعداد النازحين من مناطق الجنوب…

المحلات التجارية والصيدليات والمقاهي مفتوحة.. والناس يذهبون للعمل، والمدارس الخاصة، بعد اتفاقها مع آباء وأولياء التلاميذ والطلاب، عادت لفتح أبوابها لاستئناف الدروس..

كذلك الأمر في مدينة صيدا، بوابة الجنوب، يخبرني صديق كان بها يوم الخميس، الأسواق والمحلات التجارية مفتوحة، والنازحون يغلقون الشوارع والفضاءات العمومية…

بخلاف ما يحدث في الضاحية الجنوبية لبيروت.. حيث الوضع أكثر توتراً.. عدد قليل من المحلات التجارية تستقبل الزبائن، والمدارس ما زالت مغلقة..

الضاحية الجنوبية لبيروت أصبحت مجالا لإثارة المخاوف ونشر الذعر والتوجس على نطاق واسع..

***

لبنان من دون رئيس جمهورية..

حكومة تصريف أعمال هي من تسهر منذ أزيد من عامين على تسيير شؤون بلد يحاول تجاوز حالة الانهيار الاقتصادي.. ثم تحصل حرب خطيرة تهدد بجر لبنان بإيقاعه في”المنطقة الرمادية” وفق التصنيفات الاقتصادية الدولية… هي ضربة كبيرة للبنان، خاصة في ظروف الحرب..

حكومة رجل الأعمال نجيب ميقاتي، تقول إنها تسعى إلى ضمان انتهاء الصراع عبر عملية دبلوماسية في أقرب وقت ممكن..

عندما يتحدث الخبراء الاقتصاديون نفهم منهم أن لبنان بحاجة إلى تحسين إجراءاته الداخلية “لاسيما في الجمارك والقضاء ومكافحة الفساد، وإجراءات المهن غير المالية ككتاب العدل وسواها… إضافة إلى ضبط التعامل النقدي والرجوع إلى النظام المصرفي”.

***

في 4 غشت الماضي، مرت أربع سنوات على كارثة انفجار مرفأ بيروت.

كنت هناك لما وقعت الواقعة، وفي اليوم التالي نزلت إلى شوارع بيروت القريبة من المرفأ، في الأشرفية وعين المريسة والروشة.. حيث امتلأت الطرقات بركام المباني المتضررة وحطام زجاج النوافذ والواجهات…

هو التاريخ يعاد ويتكرر.. لكن ليس كما أخبرنا الألماني كارل ماركس: “التاريخ يُعيدُ نفسهُ مرّتين، المرّة الأولى على شكل مأساة، والمرّة الثانية على شكل مهزلة”..
هنا في لبنان سنكتشف عبر هذه الحرب الجديدة- القديمة المتكررة، أن أحداث التاريخ تعاد بشكل أكثر قساوة وضراوة ومأساوية مما سبق، ولا مجال للهزل والمهزلة..
أم يا ترى هي المهزلة وقد تلفعت بمسوح المأساة.. والناس لا تدري..

***

قرأت على تطبيق المناخ بهاتفي المحمول توقعات حدوث اضطراب جوي.. سماء غائمة ممطرة في عموم لبنان..

في اليوم التالي اتضح أن التنبؤ كان خاطئًا. إذ لم تسقط قطرة مطر واحدة. استمر الطقس على ما هو عليه منذ فترة طويلة، مشمسا ودافئا.. درجة الحرارة فوق 26 درجة.. أكاد أقول الطقس رائع.. و”السما هانية” كما نقول في عاميتنا المغربية، لو لم يكن لبنان يعيش الآن حالة الحرب!

لست متأكدا من عِلَّة الخطأ ومصدر عدم الدقة.. هل من بيانات الطقس الواردة من مديرية الأرصاد الجوية، أم من نموذج تطبيق المناخ المُحَمَّل على هاتفي الذكي؟!
وإن كان الأمر ليس مفاجئا، فإنك ستجد من يتمسك بفكرة أن التنبؤ بأحوال الطقس هو من أسرار الغيب، و”لا يعلم الغيب إلا الله”..

***

أتأمل في كرم المناخ.. وفي رأفته بهؤلاء الملتحفين بالعراء، وتمديده لتضامنه مع من تربصت بهم همجية الموت الإسرائيلي، فتركوا خلفهم منازلهم هاربين قبل وصول الدمار، قبل أن تنقطع أنفاسهم تحت أنقاض الردم وركام الحجر والغبار..

حينما يتم افتقاد الحياة بسلام وحرية في أرض الأجداد بسبب الحرب والهجومات الإرهابية، فإن للناس الحق في الفرار وتأكيد حقهم في اللجوء.. هذا الحق هو حق من حقوق الإنسان..

***

عندما وصلوا إلى بيروت، لم يجد بعضهم مكانا بمراكز الإيواء التي أعدت لاستقبال المُهَجرِّين.. غالبيتهم من اللاجئين السوريين في لبنان. حسب ما أكده الوزير اللبناني في الشؤون الاجتماعية، الذي صرح بأن حكومة بلاده، منذ قرابة أسبوعين تقدّمت باقتراح إلى المفوضيّة السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة لإيجاد حلول ومساعدات.. إلا أن الرد لم يصل بعد، يضيف الوزير…

***

البيوت تُقْتَلُ كما يُقتل سكانها، وتُقْتَلُ ذاكرة الأشياء!
محمود درويش

***

بالرغم من أن أخطاء نشرات الطقس تبقى دائما ضمن وارد الاحتمال، أخطاء يدرك أسبابها الخبراء في المجال، إلا أني حاولت التسلي بعقد مقارنة “على خلاف القياس”، بين خبراء الأرصاد المكلفين بمتابعة أحوال الطقس وتقلباته، ومدى نسبية أخطائهم، وبين عثرات المسؤولين عن البشر.. عن الأخطاء التي تنقلب إلى عواصف وزلازل وأعاصير كارثية غير طبيعية، تلحق الأذى بالمصائر والهلاك بالأرواح…

أتذكر زعيم اليسار التاريخي في المغرب، الشهيد المهدي بنبركة، (ذكراه على الأبواب بعد أيام).. أسترجع تقريره الصادر أول مرة في كتاب عن منشورات “دار الطليعة” في بيروت بلبنان.. “الاختيار الثوري”، وحديثه عما سمَّاه بـ”الأخطاء القاتلة”..

مؤشرات عديدة كانت صارخة، تشي بأن المنطقة على فوهة بركان، وأنها تطفو وسط برميل بارود.. على وشك التفجير أو الانفجار، وباب الجحيم الموارب في انتظار هبّة ريح عليلة تفتحه كاملا على على مصراعيه.. ثم (…….).. من يجرؤ على ملء الفراغ؟!

***

لم ينزل المطر إذن..

إلا أن وابلا من الصواريخ الإسرائيلية أمطرت الجنوب والبقاع الشمالي، واستمر هطولها بمناطق متفرقة من لبنان..

***

ولأن “المصائب تأتي تباعًا”، فمهما حاولتَ “النأي بالنفس”، هذه العبارة أصبحت من صميم القاموس السياسي اللبناني.. ومهما ابتعدتَ عن الأخبار السلبية، التي لا تساعد إلا في تمرير المزيد من القلق والتوتر، فإنك لن تتوفق أبدا في مسعاك..

تهرب من الفضائيات التلفزيونية، لتتجنب اكتظاظها بفائض الثرثرة وإسرافها في الاحتفاء بالهذر واللغو، فيتلقفك الهاتف المحمول، على الوتساب.. رقم من المغرب الأقصى.. يرِّن ويرِّن.. قبل أن يسدِّدَ لك الخبر طعنة جديدة كخنجر مسموم..

“قتلوا السنوار”… ثم يقفل الخط.

***

إسرائيل تحتفل بـقتلها للعقل المدبر، أو “المخطط الاستراتيجي” لعملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023..

على قناة عبرية، مشهد لإسرائيليين في مجمع سكني بمدينة أشدود، يعبرون عن سعادتهم بالتصفيق والصفير.. فيما أظهر تسجيل فيديو آخر أشخاصا على الشاطئ، بلباس السباحة، يهتفون فرحا بعد سماعهم الخبر من مكبر الصوت.

على قناة ناطقة بالعربية، تجمع لإسرائيلين أمام مركز الطب الشرعي في تل أبيب، حيث وصل جثمان زعيم حماس يحيى السنوار.

خبر آخر على الانترنت، يقول إنهم قاموا بقطع سبابته وأخذوها للتشريح، ولم يتم تنفيذ اقتراح من أفتى بقطع رأسه بدل الأصبع..

خبر آخر يقول إن إسرائيل ستحتفظ بجثمان السنوار كورقة للتفاوض..

“خذوا الجثمان.. ولنا روح الشهيد.. تسري وتنبض في الملايين من الأحرار عبر العالم..”.. يكتب مدون مغربي..

جمهور نادي الرجاء الرياضي البيضاوي، يرفع في المدرجات صور السنوار..

لا جديد في هذه القصة.. من قديم أطلقت نفس الجماهير الرياضية الرجاوية أهزوجة “رجاوي فلسطيني”… وحافظت باستمرار على حضور العلم الفلسطيني في مدرجات الملاعب..

***

الموجز، إسرائيل تفرح، والمقاومة تحزن على استشهاد زعيمها السنوار، وحزب الله يتوعد بالانتقام، وإيران تستعد للانتقام الإسرائيلي.. وليس هناك ما يشير إلى توقف القتال في قطاع غزة ولبنان.

نتنياهو يعلن مواصلة العدوان على غزة ولبنان حتى القضاء على حماس وحزب الله..

ليأتيه الرد من المقاومة: “يبدو أن إسرائيل تعتقد أن قتل قادتنا يعني أن نهاية حركتنا ونضال الشعب الفلسطيني”… لكن “حركة تحرير يقودها قادة ومجاهدون يناضلون من أجل الحرية والكرامة.. لا يمكن القضاء عليها”..

“الإسلاميون يصبحون أقوى باستشهاد قادتهم”، يؤكد مسؤول حمساوي..

***

نتنياهو يسعى لتحقيق “النصر الكامل”، ويواصل جيشه عدوانه وغاراته الجوية على غزة ولبنان، دون مراعاة الخسائر المدنية أو الأضرار التي قد تلحق بالمجتمع الأوسع وبنيته الأساسية. إنه يدفع المنطقة إلى شفا حرب إقليمية مدمرة.

***

في حين يعرب جو بايدن عن قلقه إزاء مخاطر توسع هذه الحرب، وهو حتى اللحظة لم يفعل شيئاً حقيقيا لكبح جماح إسرائيل.

رجل مسن ومريض ويواصل الكذب.. على من تكذب أيها الرئيس…

***

بعد استشهاد يحيى السنوار، يتزايد قلق أهالي الرهائن الإسرائيليين في غزة على أقاربهم. ترتفع أصوات داخل الكيان تحث على وجوب استخدام النجاح العسكري في صفقة رهائن فورية.. “حياة المختطفين معرضة للخطر أكثر من أي وقت مضى”، وفقًا لبيان صادر عن “منتدى عائلات الرهائن والمفقودين” في تل أبيب..

مراسل صحفي أجنبي في بيروت، يقول إن مصير الرهائن صار الآن “أكثر غموضا من أي وقت مضى”.

***

عاد نحو 50 في المئة من اللبنانيين الذين نزحوا إلى سوريا في الأيام الماضية. بسبب ما وصفوه بـ”المعاملة السيئة” التي قوبلوا بها من “سوريين ناقمين على حزب الله”، وأيضا لغياب التسهيلات والمساعدات لإيوائهم وإغاثتهم.

فيما تم في العراق استقبال عدد من العائلات اللبنانية النازحة، من قبل ما يسمى بـ “الحشد الشعبي”.. وهناك كلام عن توطين هؤلاء اللبنانيين الشيعيين بالعراق وتجنيسهم.

***

في غياب أي مسار واضح لخفض التصعيد.. لا توجد مؤشرات على إنهاء الحرب.. يشعر العديد من اللبنانيين باليأس إزاء احتمال إطالة أمد الحرب..

وكل يوم يمضي.. يبدو السلام بعيدا…

(بيروت، الجمعة 18 أكتوبر 2024)

المصدر