يكفيه فخرا أنه أول عالم عربي يعتلي أحد الكراسي الخمسة المخصصة لمحكمي جائزة “نوبل” الشهيرة، في أحد المجالات العلمية الخمسة التي تشملها الجائزة، الممنوحة لأول مرة سنة 1901، في الكيمياء والأدب والسلام والفيزياء وعلم وظائف الأعضاء أو الطب، قبل أن تشمل لاحقا تخصصات أخرى.
البروفسور عبد الجبار المنيرة، المتخصص المبرّز في علم الأعصاب، سطع اسمه في سماء عاصمة مملكة السويد، منذ أن التحق بها سنة 1994، أستاذا مساعدا بشعبة علوم الأعصاب في معهد كارولينسكا، حيث يدير مختبر بيولوجيا الأعصاب بالمعهد نفسه، المتخصص في تدريس علوم الطب، وهو من أفضل وأعرق الجامعات الطبية في العالم.
يقول المنيرة في حواره مع “اليوم 24″، إنه من مواليد العاصمة المغربية سنة 1965، نشأ بها وترعرع ودرس إلى أن نال شهادة الإجازة من كلية العلوم بجامعة محمد الخامس سنة 1988، تخصص البيولوجيا، قبل أن يشد الرحال نحو فرنسا.

أتيحت للمنيرة فرصة التسجيل في الدكتوراه في جامعة إكس مارسيليا، بثاني أكبر المدن الفرنسية، والتي احتضنت شغف الشاب المغربي آنذاك، بالبحث العلمي الأكاديمي في مجال علوم الأعصاب، لترسم له معالم التألق.
يتذكر المنيرة وهو يحكي لـ”اليوم 24″ قصته، أن “المختبر الذي احتضن أبحاثه لنيل شهادة الدكتوراه، في جنوب فرنسا، كانت تربطه اتفاقية تعاون مع مختبر للأبحاث العلمية في معهد كارولينسكا، الجامعة الطبية بالعاصمة ستوكهولم”، ومباشرة بعد نيله شهادة الدكتوراه “سارت الأمور بشكل جيد في العاصمة السويدية”، حين اقترح عليه الترشح لنيل منصب أستاذ مساعد.
لم يتوقف طموح عبد الجبار المنيرة، عند منصب أستاذ مساعد في إحدى أعرق جامعات الطب في العالم، بل جد واجتهد وواصل الاشتغال على أبحاثه العلمية، ما أهله ليصبح أستاذا مشاركا في المعهد نفسه، ثم أستاذ كرسي وبروفيسور في علم الأعصاب في سنة 2005.
سر النجاح
سر النجاح والتألق، والذي قد يكون زملاء المنيرة في جامعة محمد الخامس افتقدوه، بعدما نالوا برفقته نفس الشهادة الجامعية، أي الإجازة في البيولوجيا، لم يكن سوى “توفير كل الإمكانيات لإكمال أبحاثه العلمية”، يضيف البروفسور المغربي، “لم يكن أي مبرر للتراخي أو التقاعس عن إكمال المشوار، مشوار البحث العلمي الجاد، وجدت أمامي كل الظروف المناسبة، وكل التشجيع والتحفيز”.
وعلى مدى عقد من العمل أستاذ كرسي في الجامعة الطبية بستوكهولم (من 2005 إلى 2015)، وصل “المنيرة” الليل بالنهار أحيانا، ولم يخطر بباله أن عمله الدؤوب من فوق أعلى المناصب في الجامعة (أستاذ كرسي)، سيقوده إلى منصب جديد، لم يخطط له ولم يضعه ضمن أهدافه كما يقول، بل كان حرصه فقط خلال تلك الفترة، على أن يعزز خزانته بأبحاث علمية جديدة، ودراسات مرموقة، وجدت طريقها للنشر في أكبر المجلات والجرائد العلمية.
إنجاز غير مسبوق
سنة 2015، كانت سنة حصاد مجهود سنوات من الكد والعمل، حقق فيها “المنيرة” ما لم يسبقه إليه أحد علماء العرب، بعدما أصبح عضوا في الأكاديمية الملكية للعلوم في السويد، وهي المؤسسة التي تمنح جوائز “نوبل” المرموقة في الفيزياء والكيمياء، قبل أن ينال عضوية لجنة خاصة في معهد كارولينسكا، تمنح جائزة “نوبل” في الطب، وهي اللجنة ذاتها المكونة من 50 عضوا، التي انتخبت 5 من العلماء المميزين، لشغل عضوية لجنة تحكيمية مصغرة، تبت في ترشيحات جائزة “نوبل” للطب، وتضم في عضويتها 4 علماء سويديين، وعالم واحد أجنبي، هو المغربي “عبد الجبار المنيرة”.
يقول المنيرة، “لم يكن هدفي أن أصبح عضوا في لجنة منح جائزة نوبل، ولم أسع لذلك في مساري الوظيفي، بل كان هدفي دائما، هو القيام بالأبحاث العلمية بمعايير دولية، والمهم بالنسبة لي هو جودة البحث الأكاديمي الذي أنجزه، ومساهمتي في البحث العلمي”.
شغف المنيرة بالبحث العلمي الأكاديمي كان كلمة السر وراء بلوغه أعلى الدرجات، إذ يعتبر الأمر “مسؤولية” أمام أنظار العالم، و”يتعين علينا اتخاذ القرار الصائب، لكن كمغربي أنا أعتز كثيرا بهذا التكليف وهو تشريف لبلدي، وأتمنى أن يساهم ذلك في تشجيع الشباب المغربي على البحث العلمي، ويمكن أن يكون ذلك مصدر إلهام لهم، أما بالنسبة لي، يجب متابعة العمل نحو الطريق الصحيح، والاستثمار أكثر في البحث العلمي”.
ما ينقصنا؟
كفاءات مغربية كثيرة هاجرت البلاد، وبصمت على مسار مهني وعلمي وأكاديمي مرموق في الخارج، هذا النجاح المبهر يجعلنا نتساءل: ما الذي وجدته في المهجر وافتقدته في المغرب؟
سؤال وجهناه للبروفسور المغربي عبد الجبار المنيرة، الذي تردد قليلا قبل أن يجيب: “لا ينقصنا الشيء الكثير، لدينا مغاربة حين نوفر لهم إمكانيات البحث العلمي، فهم قادرون على البذل والعطاء، كفاءات كبيرة نتوفر عليها ولدينا أمثلة كثير في أنحاء العالم”.
سكت المنيرة لبضع ثوان قبل أن يسترسل، “يجب أن تكون الجامعة مكانا للتعلم لكن أيضا فضاء للبحث العلمي، علينا أن ننجح في ربط التعليم الجامعي بالبحث العلمي بطريقة أكثر نجاعة وفعالية، مع الاستثمار أكثر وأكثر في المواهب الشابة الشغوفة بالبحث العلمي”.

لم يقف المنيرة عند هذا الحد، بل أكد على وجوب منح الشباب المغربي الإمكانيات، والحد من “التسلسل الهرمي في مؤسسات البحث العلمي، ونمنح للباحثين حرية القيام بالأشياء التي تلهمهم، دون تقييدهم بدفتر للتحملات”.
ومضى البروفيسور في رسم معالم خارطة طريق للنهوض بالبحث العلمي في المملكة، كما يراها مسترشدا بخبرة سنوات من العمل المتواصل في بلاد المهجر، من دون أن يغفل مسألة التحفيز الذي يمثل عاملا حاسما في نجاح الباحثين، وقال: “يجب تقديم التحفيزات الضرورية، ومكافأة الأفضل، ومساعدتهم من أجل المزيد من النجاحات”.
الاستثمار في المواهب، هو ما يجب القيام به في المغرب، حسب المنيرة، الذي يؤمن بأن المنافسة “شرسة على المستوى العالمي، والكل ينقب على الكفاءات الموهوبة التي باستطاعتها أن تقدم قيمة مضافة للبحث العلمي، لأنه هو الأساس، وهو المستقبل، وبدون بحث علمي ليس هناك مستقبل للبشرية”.
البيئة المفقودة
ولا يعتقد “المنيرة” أن عودة الأدمغة المغربية من الخارج كفيلة بالنهوض بواقع البحث العلمي في المملكة، إذ أن المهم في البحث العلمي برأيه “ليس هو الأفراد”، بل يجب أن تكون هناك “بيئة مناسبة للبحث العلمي، وخلق هامش كبير لتقديم أشياء جوهرية”، وهو الأمر الذي يبين أن البحث العلمي في المغرب يحتاج الكثير والكثير.
ومن دون لف ولا دوران، أجاب المنيرة عن السؤال الإشكالي قائلا: “حتى لو عدت كشخص فليس هذا هو المطلوب أو الحل لسد الخصاص وللنهوض بالبحث العلمي في المغرب، يجب خلق بيئة مناسبة للبحث العلمي والرفع من الوعي المجتمعي بأهميته”.
وذهب “المنيرة” بعيدا حين قارن بين الوضع في السويد والمغرب، في العلاقة بدور البرلمانيين في دعم البحث العلمي، بصفتهم مشرعين، حين قال: “هنا في السويد توجد جمعية للباحثين والبرلمانيين، يجتمعون بشكل منتظم تحت قبة البرلمان، لتقديم الأبحاث العلمية والأكاديمية، ولتوعية البرلمانيين بأهمية البحث العلمي، لأنهم من يتخذون القرار المتعلق بتمويل البحث العلمي في النهاية، وهذا مهم جدا لتحفيز البحث العلمي وإعطائه الأولوية التي يستحق”.
أما بالنسبة للمغرب، فيتمنى البروفسور “المنيرة” أن يرى نفس الاهتمام الذي يوليه البرلمانيون في السويد للبحث العلمي، مضيفا، “لدي فضول لمعرفة كم نسبة البرلمانيين المغاربة الذين لهم وعي بأهمية البحث العلمي، وماذا يعني المزيد من الاستثمار في هذا المجال، من أجل الدفع بعجلة التنمية في البلد، أتمنى أن أجد نسبة 100 في المائة من البرلمانيين المغاربة لهم هذا الوعي”.
وخلص الأكاديمي المغربي، إلى أن “هناك عدة شروط يجب أن تتحقق للنهوض بالبحث العلمي في المغرب، ولا يتعلق الأمر بعودة شخص أو اثنين إلى البلد من الكفاءات العلمية المتواجدة في مختلف أنحاء العالم، يجب أن تتوفر بنية تحتية صلبة، ودعم وتشجيع متواصلين، لتحقيق النجاح الحقيقي لأي مشروع للبحث العلمي”.
وحتى إن عاد “المنيرة” إلى المغرب، فإنه “من غير المرجخ أن يعود من أجل إنشاء مركز للأبحاث العلمية مثلا”، كما يقول، لكن “ربما للمساعدة في تطوير البحث العلمي، والمساهمة في إثراء رؤية لدعمه في المغرب، وتقاسم تجربتي إن كانت فعلا ملهمة للبعض”.
النوايا والأفعال
في مجال تخصصه، علم الأعصاب، أجاد وأفاد العالم المغربي وفق شهادات مراكز أبحاث ومعاهد وجامعات دولية، خاصة في سعيه الدؤوب لفهم “كيف يحول الدماغ نوايانا إلى أفعال”.
يقول المنيرة متحدثا عن أبحاثه، ” كيف يحول الدماغ نوايانا إلى أفعال، يعني كيف يمكننا أن نختار، وفقًا لمحيطنا، الإجراءات التي يجب اتخاذها، هذا هو هدفنا، نحاول حقًا دراسة كيفية ارتباط الخلايا العصبية الفردية ببعضها البعض، لتشكيل شبكة من الخلايا العصبية، التي ستوجه جميع عضلاتنا في أجسامنا بطريقة منسقة ودقيقة”.
ويستمر البروفسور في تبسيط المفاهيم في محاولة لشرح أهداف أبحاثه، “هذا ما اشتغلنا عليه، كيف يتم تنظيم هذه الشبكات العصبية لتنسيق الحركات أولاً والتحكم في سرعتها ودقتها، ولماذا الحركات؟، أولاً لأن الحركة هي الطريقة الوحيدة للدماغ للتفاعل مع العالم الخارجي، ولأنه عندما تكون هناك أمراض تؤثر على حركتنا، فسنكون فعلا في وضع إعاقة”.
ويخلص “المنيرة” إلى أن “الفكرة هي فهم كيفية هيكلة الدماغ والجهاز العصبي المركزي، من أجل التمكن من إصلاحه عندما يكون هناك، على سبيل المثال، آفات الحبل الشوكي، التي تسبب الشلل، أو في حالة الأمراض التنكسية العصبية”.
.jpg)
منذ 3 سنوات
5







