زهران ممداني: ابنُ الذاكرة والمقاومة الفكرية الذي وصل إلى عمدة نيويورك

منذ 5 أشهر 7
ARTICLE AD BOX

أنيس بلافريج

زهران ممداني: ابنُ الذاكرة والمقاومة الفكرية الذي وصل إلى عمدة نيويورك

الخميس 06 نوفمبر 2025 | 20:57

يُجسّد عمدة نيويورك الجديد، زهران ممداني، جيلاً سياسياً أمريكياً ناشئاً يتحدى السرديات التقليدية حول الهوية والسياسة، لكنه يُجسّد أيضاً إرثاً فكرياً فريداً: إرث والديه، ميرا ناير ومحمود ممداني، اللذين جمعا بين السينما الملتزمة والفكر النقدي ما بعد الاستعماري.

آراء أخرى

  • بعض الأخطاء الـقاتلة في تجربة حزب الاتحاد الاشتراكي

  • تقييم معمق لنقد "علي تيزنت" لمفهوم "التشيع السياسي" في المغرب

  • قرار أممي حاسم وخطاب ملكي تاريخي وموقف جزائري إيجابي..

والدته، ميرا ناير، من أبرز صانعات الأفلام في الهند الحديثة، ومخرجة أفلامٍ لاقت شهرة عالمية مثل “سلام بومباي!” و*”زفاف مونسون”*. أما والده، محمود ممداني، فهو مؤرخ وعالم سياسي وأستاذ في جامعة كولومبيا، أحدثت أعماله ثورة في فهم العلاقة بين الاستعمار والحداثة والعنف السياسي.

نشأ زهران على مفترق طريقين: طريق السينما المنخرطة سياسياً، وطريق الفكر النقدي الذي يسعى لتفكيك بنية الهيمنة. شكلان من مقاومة النسيان والنظام القائم، سيشكلان لاحقاً جوهر شخصيته السياسية.

وُلد محمود ممداني عام 1946 في بومباي ونشأ في أوغندا ضمن مجتمع من أصول هندية استقرّ في شرق أفريقيا إبّان الحقبة الاستعمارية. درس في جامعة هارفارد قبل أن يعود للتدريس في أفريقيا، خاصة في دار السلام التي كانت مركزاً للحركة الفكرية المناهضة للاستعمار في السبعينيات.

بعد طرده إثر قرار الرئيس الأوغندي عيدي أمين بطرد الآسيويين عام 1972، أصبح ممداني أحد أبرز منظّري فكر ما بعد الاستعمار، مستفيداً من تجربته الشخصية في المنفى لفهم كيف تستمرّ السلطة الاستعمارية حتى بعد انتهاء الاستعمار الرسمي، عبر الدولة والذاكرة والعنف.

في كتابه الرائد “المواطن والرعية: أفريقيا المعاصرة وإرث الاستعمار المتأخر” (1996)، أظهر ممداني كيف أن الأنظمة الأفريقية التي نشأت بعد الاستقلال لم تتحرر تماماً من الإرث الاستعماري الذي قسم المجتمعات إلى مواطنين حضريين خاضعين للقانون المدني، ورعايا قرويين خاضعين للسلطة العرفية. هذا الانقسام بين “الحداثة” و”التقليد” ما زال – في نظره – يُشكل أساس التفاوتات السياسية والاجتماعية في القارة.

في كتابه “عندما يتحول الضحايا إلى قتلة: الاستعمار والنزعة الأهلية والإبادة الجماعية في رواندا” (2001)، رفض ممداني التفسيرات الثقافية والأخلاقية السطحية للإبادة الجماعية، مؤكداً أن فئتي “الهوتو” و”التوتسي” هما اختراع استعماري فرضته القوى الأوروبية لتقسيم المجتمع وفرض هرمية عرقية دائمة.

ثم جاء كتابه الأشهر “المسلم الصالح والمسلم السيء: أمريكا والحرب الباردة وجذور الإرهاب” (2004)، الذي نُشر بعد هجمات 11 سبتمبر، ليُفكك الخطاب الأمريكي الجديد حول “صراع الحضارات”. يرى ممداني أن التمييز بين “المسلم الصالح” و”المسلم السيء” ليس دينياً بل جيوسياسياً: الصالح هو من يطيع النظام الغربي، والطالح من يتحداه.

ويُظهر أن هذا الخطاب نشأ منذ الحرب الباردة، حين موّلت الولايات المتحدة المجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفيتي، قبل أن تتحول سردية “المناضلين من أجل الحرية” إلى سردية “الإرهابيين” في الحرب على الإرهاب.

يكتب ممداني: “عندما نفسّر سلوك الآخرين بثقافتهم، فإننا نبرّر سلوكنا بسياساتنا.”

تُشكّل أعمال ممداني دعوةً إلى إعادة تسييس العنف، ورفض الخطابات الأخلاقية التي تُخفي مسؤولية الغرب التاريخية عن الكوارث التي يدينها. وهو يرى أن الاستعمار لم ينتهِ، بل تحوّل في أشكال جديدة من السيطرة الرمزية والسياسية والإعلامية.

من هذا الإرث، ينحدر زهران ممداني – السياسي الشاب، واليساري المسلم، وعمدة نيويورك الجديد – ليصبح ابن مدرسةٍ فكرية ترى في المقاومة المعرفية فعلاً سياسياً.

رمزيته تتجاوز منصبه: فهو ابنٌ لإرثٍ نقدي وسينمائي يواجه الإمبراطورية من الداخل، في قلب العاصمة المالية والإعلامية للعالم. إنها مفارقة تاريخية، لكنها أيضاً وعدٌ بأن أصوات الجنوب العالمي يمكن أن تُسمَع أخيراً من داخل مؤسسات القوة نفسها.

المصدر