ARTICLE AD BOX
زكية داود: النساء في المغرب كتبن عن الخذلان والزواج والتهميش بلغة مفعمة بالحياء والألم
عبد الحكيم الرويضي
الجمعة 08 ماي 2026 | 12:04
أكدت الكاتبة والصحافية الفرنسية المغربية زكية داود، أن الغموض الذي يحيط بالنقاش الدائر حول “الأدب النسائي” في المغرب، بين اعتباره “إبداعا” أو مجرد “كتابة نسائية”، يكشف في العمق عن شكل من أشكال الرفض التاريخي لهذا الأدب وعدم الاعتراف الكامل بوجوده وقيمته الأدبية.
وخلال مداخلة لها في ندوة احتضنها المعرض الدولي للنشر والكتاب، الجمعة 8 ماي الجاري، اعتبرت زكية داود أن هذا التردد في التعاطي مع الكتابة النسائية يعكس نظرة إقصائية تجاه إنتاج النساء الأدبي. وقالت: “أعتقد أن الضبابية التي تحيط بهذه الطاولة المستديرة، أي هل نحن أمام إبداع أم أدب، تُظهر جيداً نوعاً من الرفض الذي يحيط بهذا الأدب، وكأن البعض لا يتخيّل أصلاً أن هناك أدباً نسائياً قائماً بذاته”.
وتُعد زكية داود من أبرز الأسماء الفكرية والصحافية التي واكبت التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية في المغرب منذ عقود، إذ عُرفت بكتاباتها حول قضايا النساء والمجتمع والتاريخ السياسي المغربي، كما اشتغلت لسنوات طويلة في البحث التاريخي، واهتمت بشكل خاص بمسارات النساء المغربيات وتمثلاتهن داخل الثقافة والمجتمع، إلى جانب توثيقها لتحولات الكتابة النسائية بالمغرب وعلاقتها بالبنيات الاجتماعية والسياسية.
وخلال مداخلتها، توقفت داود عند ما وصفته بـ”التهميش” الذي يطال الأدب النسائي، رغم الحضور المتزايد للكاتبات المغربيات، مشيرة إلى أنها عثرت، وفق الأرقام التي اطلعت عليها، على نحو 150 كتابا لنساء من أصل ألف عنوان منشور خلال سنتي 2023 و2024.
وتساءلت: “لماذا يوجد كل هذا الإقصاء؟”، قبل أن تجيب بأن جزءا كبيرا من الإشكال يرتبط بطبيعة المواضيع التي تتناولها الكاتبات، موضحة أن “الإصدارات النسائية الجديدة تكون غالباً عبارة عن مسارات حياة وسرديات تواجه النظام الأبوي والاضطهاد”.
وأضافت أن هذه الكتابات تحمل أهمية سوسيولوجية كبيرة لأنها تكشف جوانب من الواقع الاجتماعي المغربي وتؤدي وظيفة نقدية ضرورية، معتبرة أن “هذا جزء أساسي من التنديد الذي يجب أن يقوم به الأدب حتى يكون موجوداً”.
وفي حديثها عن المضامين التي تتناولها الروايات والكتابات النسائية، أوضحت داود أن كثيرا من هذه الأعمال ليست مجرد نصوص أدبية، بل تحمل أيضا شكاوى وآلاما وتجارب قاسية عاشتها النساء، وقالت: “إنها أيضا شكاوى، إنها حكايات نساء تم التخلي عنهن ونسيانهن وإساءة معاملتهن”، مضيفة أن عدد النساء اللواتي تظهر معاناتهن داخل هذه الأعمال كبير ومعبّر عن واقع اجتماعي قائم.
واعتبرت أن هذا النوع من الأدب شكّل محطة مفصلية في تاريخ الكتابة النسائية المغربية، مستحضرة رواية تعود إلى سنة 1969، قالت إنها تتذكر كاتبتها “بشكل غامض”، لكنها لا تزال تتذكر حجم الألم الذي عاشته تلك المرأة حتى إنها كانت تحمل الكتاب الذي كتبته، والذي وصفته بأنه “نوع من التنفيس عن المعاناة”، على وجهها. وأضافت: “بالنسبة إليّ، شكّل ذلك مرحلة مهمة في الأدب النسائي”.
وربطت المتحدثة بين ظهور الأدب النسائي وتطور التعليم في المغرب، معتبرة أن الكتابة لا يمكن أن تزدهر دون انتشار التمدرس والتعليم، وقالت: “حتى يكون هناك أدب نسائي، يجب أولاً أن يكون هناك تعليم”، موضحة أن توسع التعليم بدأ فعلياً منذ ستينيات القرن الماضي، وهو ما أتاح تطور الكتابة والتعبير الأدبي لدى النساء.
غير أنها شددت في المقابل على أن النساء المغربيات كنّ يعبّرن عن ذواتهن حتى قبل انتشار الكتابة الحديثة، مستحضرة نموذجاً شعرياً من الأطلس المتوسط قالت إنها عثرت عليه ضمن أعمال تعود إلى سنة 1937 نشرها الباحث الفرنسي روني أولوج.
وفي هذا السياق، استحضرت داود قصيدة للشاعرة الأمازيغية “مْري رضا” من الأطلس المتوسط، معتبرة أن نصوصها تكشف حساسية شعرية عالية وقدرة على التعبير الرقيق عن الألم والحنين.
واقتبست من القصيدة قول الشاعرة: “حين أعيش وحيدة، في الصمت والسلام، كثيرا ما أفكر في القرية التي وُلدت فيها، وفي تلك الساعة التي تنقضي، ماذا يفعل الذين تركتهم هناك؟ لقد تهت في طريق الحياة، لكن قلبي ظل معلقا بورود واديّ”. وعلقت داود على ذلك بالقول إن طريقة التعبير “تتسم بقدر كبير من الحياء والرهافة”.
كما أشارت إلى قصائد أخرى تتناول قضايا الزواج وتعدد الزوجات وما يرافقها من معاناة نفسية للنساء، متوقفة عند قصيدة بعنوان “لقد جاءت الغريبة التي أخذت مكانها”، والتي تصف فيها الشاعرة كيف يبدو الزوج سعيداً ومتباهياً فيما تُترك الزوجة الأولى في زاوية معزولة بينما تُقرع الطبول احتفالاً بالزوجة الجديدة.
وأضافت أن الشاعرة تقول في أحد المقاطع: “أنا أيضا كنت جميلة، كنت جميلة لكن زمني مضى”، معتبرة أن قوة هذا النص تكمن في الطريقة المحتشمة والعميقة التي يُعبَّر بها عن الألم والخذلان.
وفي ختام مداخلتها، شددت زكية داود على أن ما يُسمى بالأدب النسائي المغربي الجديد، “إذا جاز أصلا الحديث عن ذلك بهذا المعنى”، هو في جوهره “أدب نضالي”، لأنه يقدّم، من منظور سوسيولوجي، نظرة خاصة إلى المجتمع المغربي وتحولاته وتناقضاته.
وأضافت أن الجدل الذي يثيره هذا الأدب أمر “منطقي”، لأن كل كتابة تكشف البنيات الاجتماعية السائدة وتنتقدها ستظل موضع اعتراض ونقاش، معتبرة أن هذا هو مصدر “كل هذا الالتباس والغموض” الذي يحيط بالأدب النسائي في المغرب.
.jpg)
منذ 1 ساعة
2







