رحيق مسموم.. مبيدات زراعية تهدد بنفوق النحل في الأردن

منذ 10 أشهر 4
ARTICLE AD BOX

عام 2023، خسر العقرباوي خليتين بعد نفوق ما بهما من نحل. هذه الحادثة تُذكره « بكارثة أكبر » وقعت قبل عشر سنوات؛ حينها خسر العدد الأكبر من الخلايا، يقول عن ذلك: « اخترت مزرعة شاسعة يعمل فيها أكثر من مزارع وغنية بحبوب اللقاح، تركت النحل فيها ثم عدت بعد أسبوع لأجد نصف الخلايا قد نفقت، كان واضحاً أنها تسممت ».

المشهد ذاته تكرر مع النحال عصري الروسان (64 عاماً) من منطقة بيت راس في إربد، يقول الروسان: « كل سنة في مشكلة مبيدات… ما إن يبدأ النحل السارح بالنفوق، أعرف بأن الخلية كاملة ستنفق، أو أن الطائفة ستنهار، ولن تنتج غراماً واحداً من العسل ».

عصري الروسان مع ابنه الذي ورث عنه المهنة

هو الآخر يتنقل من منطقة لأخرى، وتعتمد جولاته بالدرجة الأولى على تقلبات الجو، فيذهب للأغوار في فبراير ومارس، وفي شهر أبريل يأخذ جزءاً من الخلايا إلى الشفا، وجزءاً آخر إلى المنطقة الصحراوية في الضليل والخالدية والزرقاء، والمفرق أحياناً. يضيف الروسان أنه يحتاج إلى نحو أربع جولات ذهاباً وإياباً لنقل صناديقه الثمانين، علاوة على الرحلات الأسبوعية التي يجريها لتفقد طوائف النحل.

حصلت أريج على بيانات 113 نحالاً من نقابة النحالين الأردنيين، أكد 90 منهم أن خلايا النحل لديهم تعرضت للنفوق بسبب رش المبيدات (79.6 في المئة منهم)، فيما أكد 37 نحالاً أنهم واجهوا المشكلة ذاتها ثلاث مرات على الأقل خلال سنوات عملهم.

« معظم المبيدات سامة للنحل »

بحسب منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، يواجه النحل والملقحات الأخرى عالمياً تهديدات كبيرة، لا سيّما في ظل الأنشطة البشرية التي تزيد من احتمالية انقراضها بنحو ألف مرة عن المعدل الطبيعي.

ورغم أن الأرقام المسجلة في الفترة بين 2016-2020، لا تشير إلى تراجع حاد في أعداد طوائف النحل، فإن نقيب النحالين محمد الربابعة، يقول إن رش المبيدات يكبد مربي النحل خسائر كبيرة سنوياً، قد تتجاوز الستين خلية في المرة الواحدة، بتكلفة تصل إلى آلاف الدنانير.

تُستخدم المبيدات لحماية المحاصيل من الآفات المختلفة، وللتحكم في الأعشاب الضارة. ويوجد في الأردن أكثر من ألف وتسعمئة مبيد مسجل ومرخص لدى وزارة الزراعة.

تُصنّف المبيدات وفقاً لناصر رومية، باحث وقاية في المركز الوطني للبحوث الزراعية، إلى مبيدات شديدة السُمّية ذات تأثير في الكائنات الحية، وهناك توجه عالمي للحد من استخدامها، ومبيدات متوسطة لعالية السُمّية، وأخرى منخفضة السُمّية.

يقول رومية إن معظم أنواع المبيدات سامة للنحل، ولكنّها مسجلة ومرخصة من قبل وزارة الزراعة، ومستوفية لشروط التسجيل. وأوضح أن المرخصة منها يبقى أثرها في النباتات لمدة 21 يوماً بالحد الأقصى، وقد أوقفت الوزارة تسجيل المبيدات التي يتخطى أثرها هذه المدة.

ويرى أيضاً الدكتور محمد القاسم، الباحث والخبير في أمراض النبات، مدير مركز الاستشارات والتدريب الزراعي، أن معظم المبيدات الحشرية، إن لم تكن كلها، قاتلة للنحل، ولا يجب أن ترش في أماكن وجوده. ويفرق بين ثلاثة أنواع رئيسة للمبيدات: الحشرية وهي في أغلبها قاتلة للنحل، والفطرية التي لا تضر بالنحل، ومبيدات خاصة بالحلم بعضها ضار بالنحل؛ لا سيّما إذا استُخدم بتركيزات عالية، لافتاً إلى أن المبيدات المتوفرة لدى المزارعين أغلبها من النوع الأول.

خلية نحل

محظورة عالمياً ومرخصة محلياً

يؤكد التقرير الوطني المنشور عام 2020، بشأن الوضع المتعلق بالمبيدات شديدة الخطورة، وجود 88 مبيداً عالي الخطورة في قائمة المبيدات المسجلة المستخدمة في الأردن، من بين هذه المبيدات الكلوثيانيدين، والإيميداكلوبريد، والثياميثوكسام؛ وهي مواد فعالة تُعدّ من النيونيكوتينويدات.

في عام 2013، ولحماية النحل، فرضت المفوضية الأوروبية للاتحاد الأوروبي قيوداً صارمة على استخدام منتجات حماية النباتات والبذور المعالجة، التي تحتوي على الكلوثيانيدين، والإيميداكلوبريد، والثياميثوكسام، والمُنتَجة من قبل شركات كبرى. ومنعت استخدام هذه المبيدات الثلاثة في المحاصيل الجاذبة للنحل، وقيدت استخدامها ليقتصر على البيوت الزجاجية، كون أن النحل لا يصل إليها، أو في المحاصيل الشتوية، أو لمعالجة بعض المحاصيل بعد الإزهار. استند هذا الإجراء إلى تقييم المخاطر الذي أجرته الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) عام 2012.

يقول إيهاب عيد، خبير التنوع الحيوي والمختص بالحياة البرية والمحميات الطبيعية، إن بعض أنواع المبيدات، خاصة المبيدات الحشرية من مجموعة النيونيكوتينويد، تؤثر بشكل مباشر في صحة النحل وقدرته على القيام بوظائفه الحيوية، مثل التلقيح. ويبيّن أن هذه المبيدات تعمل على الجهاز العصبي للنحل؛ ما يؤدي إلى تشويش حركته، وخلل في قدرته على العثور على الأزهار أو العودة إلى خلاياه.

بالاطلاع على المبيدات المسجلة والمرخصة في الأردن، والموجودة على موقع وزارة الزراعة، يبدو واضحاً أن العديد من المواد الفعالة المحظورة أو المقيَّدة الاستخدام في دول الاتحاد الأوروبي لا تزال مستخدمة في الأردن؛ النيونيكوتينويدات مثالاً.

وعن آلية ترخيص المبيدات في الأردن، جاء في التقرير الوطني المذكور سابقاً، أن الوزارة تستند في سياستها لحظر المبيدات إلى قوائم وكالة حماية البيئة الأميركية (EPA)، والاتحاد الأوروبي (EU). وبالتالي تقوم لجنة تسجيل المبيدات بمراجعة المبيدات المحظورة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ثم تتخذ إجراء مماثلاً.

المادة 53: أ- « يجوز السماح باستيراد المبيدات المسجلة من خارج بلد المنشأ، شريطة أن تكون من دول ذات أنظمة تسجيل متطورة، وكما يجوز استيراد المبيدات من أسواق هذه الدول شريطة أن تكون مسجلة ومسموح استخدامها في هذه الدول، على أن تكون مصنعة أو مجهزة في إحدى هذه الدول ».

المصدر: تعليمات تسجيل المبيدات وتصنيفها وتجهيزها واستيرادها والاتجار بها وتداولها رقم 5/ز لسنة 2023

علاوة على ذلك، تقدم الشركات المُستورِدة للمبيدات أو المصانع المحلية المُنتِجة لها، العديد من دراسات السُمّية للمواد المراد تسجيلها؛ ومن ضمنها دراسات السُمّية على النحل، ثم تُصدر وزارة الزراعة بعد ذلك موافقتها من عدمه.

المصدر