لا تحتفظ مدينة إيفيان الفرنسية سوى بآثار قليلة تذكر باتفاقية 18 مارس 1962 التي مهدت الطريق لاستقلال الجزائر عن فرنسا، وتحفظ الذاكرة المحلية خصوصا ذكرى اغتيال رئيس بلدية المدينة في تفجير قبل بدء المفاوضات بنحو سنة.
كان هذا الاشتراكي ناشطا من أجل السلام وعمل على احتضان مدينته للمفاوضات التي أدت بعد عام إلى وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في الجزائر. وبكى سكان المدينة الجميلة، وهم في حالة صدمة، فقدان من كانوا يعتبرونه “قلبا من ذهب”.
ماذا بقي اليوم؟ يجيب نائب رئيس البلدية السابق سيرج دوبيسيي (78 عاما) “لا شيء، فقد قرر سكان إيفيان طي الصفحة بعد الاغتيال”، لا سيما أنه في هذه المدينة القريبة من سويسرا، “تزامنت الاتفاقيات مع موسمين سياحيين كارثيين في عامي 1962 و1963”.
وتوضح رئيسة البلدية الحالية لإيفيان جوزيان لي “لا يوجد أي مكان” لإحياء الذكرى، لأننا “ما زلنا نشعر بجرح” الاغتيال، وحرب الجزائر ما زالت “حقبة حساسة”. أما فندق بوريفاج فقد أصبح مهجورا الآن وعلى واجهته المهترئة لوحة تذكارية تكريما لرئيس البلدية المغتال، من دون الإشارة إلى تورط منظمة الجيش السري الرافضة لاستقلال الجزائر في العملية.
وهناك جولات سياحية يشرف عليها مرشدون من مكتب السياحة، لزيارة محطة قرب الفندق، وكذلك مبنى البلدية المجاور، مقر الإقامة الصيفي الفخم السابق للأخوين لوميير، مخترعي السينما.
ويوضح مسؤول مكتب السياحة في المدينة فريدريك أليون أن سقفا زجاجيا تطاير بسبب الانفجار، ولم يعد كما كان، “بفعل إرادي للتذكير بهذه المأساة”.
ولا تشمل الجولات السياحية مقر فندق “بارك” السابق البعيد عن مبنى البلدية والذي استضاف المفاوضات التي شاركت فيها وفود من الحكومة الفرنسية ومن جبهة التحرير الوطني لعدة أشهر، تحت مراقبة أمنية مشددة.
وأصبح المبنى المطل على بحيرة ليمان مسكنا خاصا. ويقول صحافي فرانس برس الذي غطى توقيع الاتفاقات في 18 مارس 1962 إن التوقيع حصل في “غرفة الاستقبال التي كانت تغمرها الشمس”.
وتقول رئيسة بلدية إيفيان “أردنا توسيع جولتنا التاريخية إلى مدخل حديقة” القصر القديم، لكن السكان وأصحاب القصر “لم يتقبلوا ذلك”.
وما زال سيرج دوبيسيي يتذكر أيضا أن “القاتل من إيفيان وكان ينتمي إلى منظمة الجيش السري وكان له شركاء يقطنون إيفيان”، مشيرا إلى أن أفرادا من عائلته لا يزالون يقطنون المدينة. وتسبب ذلك بإضفاء “أجواء من الحرب الأهلية” على المدينة. لذلك باءت جهوده لإقناع رئيس البلدية السابق هنري بوي في أوائل سنوات 1990 بـ “القيام بشيء ما” في ذكرى توقيع الاتفاقيات، بالفشل.
كذلك رفض رئيس بلدية آخر مارك فرانسينا، في 2011 تسمية شارع باسم اتفاقيات 18 مارس.
ويقول كلود ميجوفان، رئيس جمعية تعنى بالتاريخ في منطقة سافوا، “لاساليزيان”، إن جمعيته نظمت في الذكرى الخمسين لتوقيع الاتفاقيات (2002)، لقاء أكاديميا في قصر المؤتمرات، و”تظاهر قدماء منظمة الجيش السري وعلى أكتافهم نعش، أمام المبنى” يومها.
وتقول رئيسة البلدية، إنه لمناسبة الذكرى الستين، “اخترنا” بالاتفاق مع المسؤولين المحليين، القيام بحفل “كالعادة” مع حاملي أعلام، ومحاربين قدامى، وحركيين (جزائريون قاتلوا إلى جانب الجيش الفرنسي)، مضيفة “إنها فترة حساسة مع الانتخابات”، في إشارة إلى مخاطر الاستخدام السياسي للحدث قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في أبريل.
ومع ذلك، هناك بعض المشاريع لتخليد الذكرى السنوية، منها عقد مؤتمر حول الكاتب والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو والجزائر في 18 مارس. وستنشطه كلود جيربولي، وهي طبيبة سابقة من مواليد الجزائر، تعتزم “عدم إيقاظ النزاع الدامي، مع التركيز على أخطاء فرنسا”.
كما تستعد مدارس إيفيان لـإحياء “يوم السلام” في 24 مايو، بأغنية كتبها الأطفال، وذلك “بعد الانتخابات”، وفق ما تقول رئيسة البلدية.
وتعتزم ثانوية آنا دو نواي فتح النقاش مع تلاميذ الأقسام النهائية حول موضوع “60 عاما من اتفاقيات إيفيان، تاريخ وذكريات حرب الجزائر”، بمشاركة شهود من مجندين سابقين، وحركيين، وأقدام سوداء (الفرنسيون المولودون في الجزائر)، ومن أحفاد مناضلي جبهة التحرير الوطني.
ويقول أستاذ التاريخ رونو فيوجي،”أنا مهتم بجعل الطلاب يعملون على آثار حرب الجزائر هنا. والخلاصة التي يتوقفون عندها هي أن الأمر يتعلق بذكرى محاطة بالسرية”.
وهو ما يؤكده التلميذ لوي بايي (17 عام ا) “أنا أسكن في شارع دو غروت” حيث يوجد فندق “بارك” سابقا، “لكنني لم أكن أعرف من قبل أنه تم توقيع الاتفاقيات هناك”.
.jpg)
منذ 4 سنوات
19







