دبلوماسية نشطة وتدخل عسكري محدود.. المغرب يحتل المرتبة 52 في مؤشر الحضور العالمي

منذ 11 أشهر 10
ARTICLE AD BOX

دبلوماسية نشطة وتدخل عسكري محدود.. المغرب يحتل المرتبة 52 في مؤشر الحضور العالمي

عبد الحكيم الرويضي

الإثنين 26 ماي 2025 | 23:17

جاء إصدار النسخة الجديدة من مؤشر الحضور العالمي لمعهد “إلكانو” الإسباني، ليسلط الضوء على التحولات التي يعرفها مسار العولمة في صيغتها المتعددة الأبعاد، حيث تكشف نتائج نسخة 2025 من المؤشر أن المملكة المغربية احتلت المرتبة 52 عالميا، في وقت يشهد فيه المؤشر العام للعولمة انخفاضا بنسبة 1.4 بالمائة على مستوى الدول الـ 150 المشمولة.

وفقا لما جاء في التقرير، فإن تراجع الحضور العالمي الإجمالي يعود أساسا إلى انكماش في البُعد الاقتصادي للعولمة، مقابل ارتفاع نسبي في البعد العسكري وانتعاش خجول في عناصر القوة الناعمة. وفي حالة المغرب، تُظهر البيانات تفوقا نسبيا في البعدين الاقتصادي والثقافي، فيما يظل الحضور العسكري هامشيا، وهو ما يعكس بشكل دقيق استراتيجية المملكة المبنية على القوة الناعمة والانخراط متعدد الأبعاد في النظام العالمي.

حققت المملكة مجموع نقاط بلغ 37.7 من مائة تتوزع على النحو التالي؛ 15.2 نقطة في البُعد الاقتصادي، و9.1 نقطة في البُعد الناعم، و13.4 نقطة في البُعد العسكري. ويكشف هذا التوزيع عن سياسة واضحة ترتكز على تعزيز التجارة وجذب الاستثمار والانفتاح الدبلوماسي والثقافي، في مقابل الحفاظ على مستوى تدخل عسكري خارجي محدود.

ويعد مؤشر الحضور العالمي أداة تحليلية لقياس مدى انخراط الدول في النظام العالمي من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية، وهي البعد الاقتصادي والبعد العسكري والبعد الناعم أي الثقافي والدبلوماسي والتقني. وقد تأسس المؤشر عام 2011، ويقدم بيانات سنوية تغطي منذ عام 1990 إلى اليوم، ما يسمح برصد ديناميات التحول في النظام الدولي، وتحديد اتجاهات القوى الناشئة والمتراجعة.

ويعكس ارتفاع البعد الاقتصادي في المؤشر النمو المتزايد الذي عرفه الاقتصاد المغربي خلال العقدين الأخيرين، لا سيما من حيث تنويع الشركاء التجاريين، وتوسيع نطاق الصادرات، وتعزيز الربط اللوجستي مع أوروبا وغرب إفريقيا. كما يُحسب للمغرب استقراره السياسي والاقتصادي النسبي، والذي يشكل عامل جذب للمستثمرين الأجانب، ومصدرا لتعزيز صورته في المحافل الدولية.

أما فيما يتعلق بالبعد الثقافي والدبلوماسي، فإن المغرب راكم خبرة طويلة في توظيف أدوات القوة الناعمة، من خلال دعم التعليم العالي، خاصة عبر استقطاب الطلبة الأفارقة، وتوسيع الشبكة الدبلوماسية، والمشاركة النشطة في المنظمات الدولية والإقليمية. كما ساهمت المبادرات الثقافية، والاهتمام بالتراث، والربط بين الدين والثقافة، في تعزيز الصورة الخارجية للمغرب كبلد معتدل ومفتوح.

في المقابل، يظل الحضور العسكري المغربي في المؤشر ضعيفا، وهو ما يعكس توجها استراتيجيا يرفض التدخلات العسكرية خارج الحدود، ويفضل المقاربة الدبلوماسية والأمنية المتعددة الأطراف، خصوصا في قضايا الساحل والصحراء. ورغم انخراط المغرب في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، فإن محدودية تدخلاته المباشرة تجعل من البُعد العسكري عنصرا ثانويا في تمثيله الخارجي.

وتكشف بيانات المؤشر أيضا عن تحولات جيوسياسية لافتة على المستوى العالمي، إذ رغم محافظة الولايات المتحدة على المرتبة الأولى في الحضور العالمي، إلا أن الصين سجلت أول تراجع لها في هذا المؤشر منذ بداية الألفية، في حين واصلت الهند وروسيا واليابان تقدمها. أما الاتحاد الأوروبي، فظل متقدما كمجموعة، إلا أنه عرف تراجعا في بعض مكوناته، في حين سجلت إسبانيا، بشكل لافت، أكبر تقدم على مستوى دول الاتحاد الأوروبي، محافظة على المرتبة 13 عالميا.

ويشير تقرير “إلكانو” إلى أن العالم لم يعد يتجه نحو ثنائية قطبية جديدة على غرار الحرب الباردة، وإنما إلى تعددية غير متجانسة، تتخللها تناقضات بين قوى اقتصادية صاعدة وأخرى عسكرية مهيمنة، في ظل صعود النزعة الحمائية، وعودة سياسات التدخل الصناعي، وتراجع الثقة في النظام التجاري المتعدد الأطراف. ويرى التقرير أن ما نعيشه اليوم هو نهاية نموذج العولمة النيوليبرالية الذي ارتكز على تحرير التجارة ورأس المال، وصعود لنموذج بديل أكثر واقعية، يعطي الأولوية للمصلحة الوطنية، ويعيد الاعتبار للسيادة الاقتصادية.

وفي هذا السياق الدولي المتغير، يواجه المغرب تحديات وفرصا جديدة لتعزيز موقعه، فمن جهة يتيح له موقعه الجغرافي وعلاقاته المتميزة بأوروبا وإفريقيا، أن يلعب دور الوسيط الإقليمي والفاعل الاقتصادي والخدمي في مجاله القريب. ومن جهة أخرى، فإن التحولات الجيوسياسية تفرض عليه تعزيز قدراته الإنتاجية واللوجستية، والاستثمار في التكنولوجيا والمعرفة، للانتقال من اقتصاد متوسط الدخل إلى فاعل ذي قيمة مضافة أعلى.

المصدر