ARTICLE AD BOX
المصطفى شقرون
حين يتحول أستاذ القانون إلى خصم للنص القانوني: هل يعقل أن يطالب من يدرس القانون بمخالفة القانون؟
الجمعة 08 ماي 2026 | 20:08
في دولة المؤسسات والقانون، يفترض في أستاذ القانون أن يكون أول من يحترم النصوص القانونية، لا فقط باعتبارها قواعد ملزمة، بل لأنها تشكل جوهر رسالته العلمية والأخلاقية. فالأستاذ الجامعي الذي يدرس لطلبته مبادئ المشروعية، وفصل السلط، وأخلاقيات المهنة، ومسؤولية احترام النصوص، يتحول بحكم موقعه الأكاديمي إلى قدوة فكرية وسلوكية داخل المجتمع.
آراء أخرى
غير أن النقاش يثور أحيانا حين يطالب بعض أساتذة القانون بممارسة مهنة المحاماة بالتوازي مع الوظيفة العمومية، رغم وجود مقتضيات قانونية تنظم حالات التنافي، وعلى رأسها مقتضيات المادة 15 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، إضافة إلى النصوص المنظمة لمهنة المحاماة.
فكيف يمكن لمن يشرح القانون داخل المدرجات أن يطالب بتجاوزه خارجها؟ وهل يتعلق الأمر بتأويل قانوني مشروع؟ أم بمحاولة لخلق استثناء لفئة يفترض فيها حماية هيبة النص القانوني؟ وهل يجوز لمن يدرس الشرعية أن يدخل في منطقة التنافي المهني؟
هل يسمح القانون المغربي للأستاذ الجامعي الموظف بممارسة مهنة المحاماة؟
وما المقصود بحالة التنافي في الوظيفة العمومية؟
وهل يمكن لأستاذ القانون أن يحتج بالحرية المهنية لتجاوز مقتضيات المنع؟
وكيف يستقبل الطالب والمجتمع هذا التناقض بين التدريس والممارسة المخالفة للنص؟
وهل يشكل ذلك مجرد خلاف قانوني في التأويل، أم مسألة تمس أخلاقيات المعرفة وهيبة الجامعة؟
إن المادة 15 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية المغربي تنص بوضوح على أن الموظف العمومي لا يمكنه مزاولة نشاط مهني خاص يدر عليه ربحا خارج الحالات المرخص بها قانونا، وذلك حماية لمبدأ التفرغ، وتجنبا لتضارب المصالح، وضمانا لحياد المرفق العمومي.
كما أن النصوص المنظمة لمهنة المحاماة تؤكد بدورها على وجود حالات تناف بين بعض الوظائف العمومية وممارسة المحاماة، لأن المحامي يمارس مهنة حرة مستقلة، بينما الموظف العمومي يخضع لمنطق التبعية الإدارية والتراتبية القانونية.
وهنا تبرز المفارقة الفكرية والأخلاقية: كيف لأستاذ متخصص في القانون أن يطالب بممارسة مهنة يعلم مسبقا أن القانون ينظمها بقيود واضحة؟ بل كيف يمكن أن يشرح لطلبته مبدأ “لا أحد فوق القانون”، ثم يطالب عمليا بامتياز استثنائي؟
إن القضية لا ترتبط بشخص أو فئة معينة، بل ترتبط بمفهوم دولة القانون نفسها. لأن احترام النصوص لا يقاس فقط بتطبيقها على المواطن البسيط، وإنما بمدى التزام النخب الأكاديمية والقانونية بها. فحين يصبح رجل القانون أول من يبحث عن الالتفاف على النص أو تأويله بشكل يخدم مصلحته، فإن ذلك يخلق أزمة ثقة خطيرة داخل المجتمع.
ومن الناحية السوسيولوجية، فإن الطالب الذي يشاهد أستاذه يدافع داخل المدرج عن المشروعية، ثم يسمعه خارج الجامعة يطالب بتجاوز مقتضيات التنافي، قد يصاب بازدواجية في فهم القانون ذاته: هل القانون قاعدة عامة مجردة؟ أم مجرد أداة قابلة للتطويع حسب الموقع الاجتماعي والنفوذ العلمي؟
وفي المقابل، هناك من يدافع عن فكرة السماح لبعض أساتذة القانون بالمرافعة بحجة أن الممارسة الميدانية تغني التجربة الأكاديمية، وتجعل الأستاذ أكثر التصاقا بالواقع القضائي، خاصة في المواد العملية كالمسطرة المدنية والجنائية والتجارية. غير أن هذا الطرح، حتى إن بدا منطقيا من زاوية علمية، يبقى خاضعا لقاعدة أساسية وهي: ضرورة احترام النص القانوني القائم إلى حين تعديله عبر المؤسسات المختصة، لا تجاوزه باسم الرغبة أو المكانة العلمية.
ففي دولة القانون، لا يمكن أن يتحول الأستاذ الجامعي إلى مشرع فوقي يختار النصوص التي تناسبه ويعترض على الأخرى بالممارسة الواقعية. لأن وظيفة الأستاذ القانونية ليست فقط نقل المعرفة، بل ترسيخ ثقافة احترام القانون، حتى عندما يختلف معه.
إن قوة الأستاذ لا تكمن في قدرته على المرافعة داخل المحاكم فقط، بل في قدرته على إنتاج فكر قانوني رصين، وتكوين أجيال تحترم المؤسسات، وتؤمن بأن الإصلاح يتم عبر التشريع والحوار الأكاديمي، لا عبر فرض الأمر الواقع.
إن النقاش حول ممارسة بعض أساتذة القانون لمهنة المحاماة ليس خلاف مهني عابر، بل هو سؤال عميق يرتبط بأخلاق المعرفة وهيبة النص القانوني. فالأستاذ الذي يدرس القانون مطالب، قبل غيره، بأن يكون نموذجا لاحترامه، لأن قيمة المعرفة القانونية لا تظهر في كثرة النصوص المحفوظة، بل في الانسجام بين الفكر والممارسة.
وفي النهاية، يبقى القانون فوق الجميع، وتبقى الجامعة فضاء لإنتاج الوعي القانوني، لا ساحة لتبرير الاستثناءات أو إضعاف مبدأ المشروعية.
.jpg)
منذ 1 ساعة
3







