حين تنتصر الروح قبل النتيجة

منذ 3 أشهر 11
ARTICLE AD BOX

سعيد أهمان

حين تنتصر الروح قبل النتيجة

الخميس 15 يناير 2026 | 11:01

لم يكن تأهّل المنتخب المغربي إلى نهائي كأس إفريقيا للأمم2025، بعد مباراته القويّة أمام المنتخب النيجيري، ليلة الأربعاء/ الخميس 15 يناير الجاري، مجرد عبور رياضي عابر، ولا انتصارا تقنيا يُختزل في ركلات الترجيح. كان، في عمقه، درسا وطنيا بليغا، ورسالة رمزية كثيفة الدلالات، عنوانها الأبرز: حين تلتقي الوطنية الصّادقة بروح الفريق، يصبح المستحيل مجرّد تفاصيل.

آراء أخرى

  • انتخابات 2026.. هل تراهن الدولة على السياسة أم على إدارة الفراغ؟

  • بؤس الدرس الافتتاحي في الماستر المغربي

  • "السنة الأمازيغية" ضرورة المَغْرَبَة والنقد واستبعاد الخلفيات العِرْقية

أمام منتخب نيجيريا، بكل ثقله التاريخي وقوته البدنية وتجربته القارية، لعب المنتخب المغربي مباراة النّفَس الطّويل. لم يكن التّفوق حاسما منذ الدّقائق الأولى، لكن ما كان حاسما فعلا هو ذاك الإصرار الجماعي على عدم الانكسار، والقدرة على تدبير لحظات الضّغط بذكاء وثقة في الذات. هنا، لا نتحدث فقط عن لاعبين يطاردون الكرة، بل عن مجموعة تؤمن بأن الدّفاع عن القميص الوطني مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهمّة رياضية.

لقد كشفت هذه المباراة أن الوطنية ليست شعارا يُرفع عند الانتصار، بل ممارسة يومية تُختبر في لحظات الشّدّة حين تراجع الإيقاع، وحين اشتد ضغط الخصم، وحين بدت المباراة وكأنها تنزلق نحو سيناريو معقّد، ظهر المعدن الحقيقي للاّعب المغربي: تماسك، وانضباط، وإيمان برؤية الفريق، واستعداد للتضحية من أجل الآخر. تلك هي الوطنية في أنبل صورها.

الدّرس الثاني، وربما الأهم، هو أن روح الفريق ليست خطابا تحفيزيا يُلقى في غرف الملابس، بل ثقافة تُبنى بالثّقة والعمل والوضوح في الأدوار. لقد بدا المنتخب المغربي كجسد واحد؛ حين يخطئ فرد، يسنده الآخر، وحين يبدع لاعب، يحتفي به الجميع دونما أنانية أو تضخّم ذات. المدرب هنا لم يكن مجرد واضع خطة، بل مهندس انسجام، استطاع أن يحوّل الاختلافات الفردية إلى قوّة جماعية.

وإذا كان التأهل إلى النهائي إنجازا رياضيا مذ عشرين عاما، فإنه في الآن ذاته مرآة لما يمكن أن يكون عليه العمل الوطني في مجالات أخرى: في الإدارة، وفي الصحة، وفي التعليم، وفي الإعلام، وفي الخدمات العمومية، وفي السّياسات العمومية. النّجاح لا يصنعه البطل الفردي، بل الفريق المنسجم، ولا تحقّقه النوايا الحسنة وحدها، بل التّخطيط، والانضباط، وتقدير الكفاءة.

سيكون النّهائي الأحد القادم، موعدا كرويا بامتياز، لكنّه قبل ذلك موعد رمزي مع الذّات الجماعية للمغاربة. سنشجع، وسنفرح، وربما سنحزن، لكنّ الأهم أنّنا رأينا في هذا المنتخب صورة لما نطمح إليه وطنا: اختلاف في المواقع، ووحدة في الهدف، وتشبّث جماعي برفعة المغرب.

إنّها كرة القدم، نعم، لكنّها حين تُلعب بهذا الوعي، تتحوّل إلى درس في المواطنة، وإلى لغة جامعة تذكّرنا بأن الوطن لا يُبنى بالّضجيج، بل بالفعل المشترك، وبأنّ الانتصارات الكبرى تبدأ دائما من الإيمان بروح الفريق من أجل رفعة الوطن.

المصدر