حلاقة الأفكار بمنبت الأحرار..   

منذ 2 سنوات 7
ARTICLE AD BOX

محمد أزرور

حلاقة الأفكار بمنبت الأحرار..   

الإثنين 10 يوليو 2023 | 11:53

مساء يوم كئيب بمغرب الأنوار..

آراء أخرى

  •  حياة تتراكم أخطاؤها : سلبية الجيل

  •  أزمة المراحيض العمومية بالمدن المغربية!

  • رواية "العودة" لميمون أمسبريذ

جالس أمام المرآة..تسلم شعرك ورأسك..وأفكارك للحلاق..تنظر إليه وإلى وجهك في المرآة..

كم مضى من الزمن؟

نصف قرن من الحلاقة والنظر في المرآة..يتساقط الشعر الأبيض والأسود وتتساقط معه أفكار وأحلام من مختلف الألوان ..شاخت وهرمت بمرور السنوات وتقاعدت عن العمل..لم تعد قادرة على الحفر عميقا في الحياة..ولى عنها الجميع بما فيهم أنت..بقيت حبيسة الرفوف والجدران..وحيدة بين خيوط العناكب يعلوها الغبار..قدرها في الوجود أن تعيش في مساحة ضيقة ما بين مقص الرقيب ومقص الحلاق.

حلاقة الشعر وحلاقة الأفكار؟

منذ الصغر، علموك أن تذهب رغما عن أنفك عند الحلاق..في الغالب عند حلاق من طينة ″حلاق درب الفقراء″..لتترك لديه بحسرة وندم خصلات شعرك الناعم الطويل كنت تباهي بها أقرانك من الأطفال ذوي الشعور المتجعدة..

الشعر الطويل تهمة تستدعي على الفور تدخل مقص الحلاق.

وكذا الأفكار الطويلة التي ترى بعيدا ما لا تراه الأفكار القصيرة..

تتعلم باكرا كيف تمسك جيدا بمقص الرقيب..في المدرسة وفي الجامعة..في العمل وفي العطل..في المقاهي والملاهي..في الحدائق والطرقات..في البيوت وفي المقابر..بالليل وبالنهار..في الخريف والشتاء والربيع والصيف..في الطفولة والمراهقة والشباب والكهولة والشيخوخة..من المهد إلى اللحد.

تتقدم في العمر وتتقدم معك أفكارك وتتقادم فتضطر إلى قصها وحلاقتها كما تفعل كل شهر مع شعرك لدى الحلاق..يعلوها البياض بالتدريج إلى أن تسقط نهائيا وتترك مكانها فارغا..تصاب بصلع الأفكار فلا ينفع إذاك معه أي شيء..قد تنفع معك زراعة الأفكار بعض الوقت..وقد تلجأ إلى باروكة أفكار تحملها ردحا من الزمن..للأسف كل هذه الحلول لن تجدي نفعا ولن تولد لك أفكار حقيقية مرة ثانية..وهذه هي الحقيقة المرة التي عليك التعايش معها..لقد فقدت أفكارك إلى الأبد.

أنت لا تذكر كم من مرة كنت فيها عند الحلاق..لا أحد بالطبع سيتذكر..كم من مرة تخلص فيها من الشعر الزائد؟ أو كم من مرة تخلص فيها من أفكاره الزائدة؟

لا جديد في المرآة..مقص الحلاق وأنت..وبينكما مقص الرقيب..رغم أن من عادة الحلاق أن يطلق العنان للمقص وللسان..لكنه لسان بلا أفكار ولا أسنان..لذا فهو لا يدخل في هذه الخانة..حلاقة الأفكار..إنها فقط حلاقة عادية..حلاقة بلا أفكار..أو أفكار عادية للحلاقة..أفكار الحلاقة..في الطرف الآخر من حلاقة الأفكار..وهي من حسنات الحلاق..الذي يحلق الشعر وحسب ولا علاقة له بحلاقة الأفكار..لم تخطر في باله يوما من الأيام..ولو خطرت له مثل هذه الأفكار لما خطرت له أفكار الحلاقة..إنه حلاق بأفكار الحلاقة..لا بشيء آخر..أو بأفكار أخرى..لا يجمع أفكاره بحلاقة الأفكار إلا الخير والإحسان..

ولا يمكن تصور أفكاره مع حلاقة الأفكار جنبا إلى جنب..بينهما من البعد ما بين السماء والأرض..نعم..هو يفكر ويثرثر ومقصه بين أصبعيه..لكنه يحوم فقط حول الرؤوس..بشعر أو بدونه..ولا ينفذ داخل النفوس..أو أفكار النفوس..أو نفائس الأفكار..أو دسائس النفوس والأفكار..

إنه بريء من حلاقة الأفكار.

من يَحلق الأفكار إذن؟ إن لم يكن الحلاق، فمن هو؟ ومن هم؟

الذين يَحلقون الأفكار هم كل من حَلْقت الأفكار بساحتهم وطارت كالنسور البيضاء أو الحمام الزاجل في السماء بعيدا عن فخاخهم وسياجهم وأسلاكهم الشائكة..هم العاجزون عن التحليق في فضاء الأفكار الفسيح..هم المرضى يلعقون التراب لا يرتوون أبدا..لاهثون وراء السراب..ولأنهم عاجزون عن التحليق، يعتبرون الطيران جريمة..وبنات الأفكار أدوات لنفس الجريمة.

والذي يَحلق الأفكار هو كل من لا يستطيع اللحاق بأفكار غيره، لكنه وبالمقابل يصر على ملاحقة الآخرين بتهمة أفكارهم.

المصدر