ARTICLE AD BOX
المرتضى إعمراشا
جدلية الهوية والاحتجاج وإعادة تشكيل الذاكرة
الأربعاء 05 فبراير 2025 | 09:58
لطالما شكّلت الرموز وسيلة مركزية في صياغة الهويات الجماعية، حيث تتجاوز كونها مجرد شعارات بصرية لتتحول إلى معالم دلالية تحمل في طياتها أبعادًا تاريخية، ثقافية، وسياسية. في هذا السياق، يبرز علم جمهورية الريف كواحد من أكثر الرموز إثارةً للنقاش في المغرب المعاصر، إذ لم يعد مجرد بقايا أثرية تعود إلى مرحلة قصيرة من التاريخ السياسي المغربي، بل صار أداة تعبيرية ذات حمولات متعددة، متقاطعة بين الذاكرة والمقاومة وإعادة إنتاج الهوية في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة.
آراء أخرى
إن عودة هذا العلم إلى الواجهة، خاصةً بعد حراك الريف (2016-2017)، أثارت نقاشًا محتدمًا حول مدلولاته وحدود توظيفه، بين من يراه تعبيرًا مشروعًا عن الذاكرة التاريخية وإعادة تثبيت هوية محلية ضمن إطار وطني، وبين من يعتبره رمزًا لإشكاليات أعمق تتعلق بالمركزية السياسية والإقصاء الثقافي. بيد أن أي مقاربة لهذه الظاهرة تقتضي التحرر من الخطابات الانفعالية والمقاربات الاختزالية، لصالح قراءة أكثر تركيبًا تستحضر البعد التاريخي والاجتماعي لهذا الرمز، وتبحث في سياقات توظيفه المختلفة، سواء في الداخل المغربي أو في المهجر، حيث أصبح يشكل جزءًا من ديناميات إعادة إنتاج الهوية الريفية في الشتات.
يعود هذا العلم إلى تجربة جمهورية الريف، التي أعلنها محمد بن عبد الكريم الخطابي عام 1921 كأول كيان سياسي مستقل في شمال إفريقيا خلال الحقبة الاستعمارية. استندت هذه الجمهورية إلى مشروع سياسي فريد، لم يكن مجرد رد فعل ضد الاستعمار، بل محاولة لبناء نموذج للحكم الذاتي قائم على المؤسسات المحلية والتنظيم الحديث. لكن هذه التجربة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما اصطدمت بتحالف القوى الاستعمارية الإسبانية والفرنسية، التي رأت في صعود كيان مستقل في المنطقة تهديدًا لمصالحها. ورغم قصر عمر الجمهورية، فإنها تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الريفية، حيث تحوّلت إلى أيقونة للنضال ضد الاستعمار، وشكل علمها أحد أهم الرموز التي استمرت في الوجدان الجمعي للريفيين، رغم طمسها في الخطاب الرسمي للدولة بعد الاستقلال.
ظل هذا العلم حاضرًا في الهوامش الثقافية للريف، لكنه لم يظهر علنًا إلا في لحظات محددة، غالبًا ما كانت مرتبطة بحركات احتجاجية أو استعادة للذاكرة الجماعية.. في 2011-2012 ، ظهر في بعض التظاهرات، لكنه بقي في نطاق محدود. أما في المهجر، فقد وجد الريفيون في الشتات فضاءً أكثر حريةً لإعادة إحيائه، حيث ظهر في المهرجانات الثقافية والتجمعات الأمازيغية، لكنه ظل بعيدًا عن الاستخدام السياسي المباشر. غير أن هذا الوضع تغيّر جذريًا مع اندلاع حراك الريف، الذي أعاد العلم إلى الواجهة، ولكن ضمن سياقات جديدة تعكس التحولات التي عرفتها المنطقة.
مع تفجّر الحراك اثر حادث مقتل محسن فكري، لم يكن رفع العلم مجرد استعادة لذاكرة المقاومة، بل تحول إلى وسيلة احتجاجية تعبّر عن المطالب الاجتماعية والاقتصادية لسكان الريف. لقد رأى كثير من الشباب الريفي في هذا العلم تعبيرًا عن رفض السياسات المركزية التي لم تستوعب خصوصيات المنطقة، كما وجدوا فيه رمزًا يعكس مطالبهم بالكرامة والعدالة الاجتماعية. لكن في المقابل، أثار هذا الحضور المكثف للعلم مخاوف لدى السلطات، التي قرأت فيه رسالة سياسية قد تحمل أبعادًا انفصالية، وهو ما جعل التعامل معه يأخذ طابعًا أمنيًا، حيث تم اعتبار رفعه في التظاهرات مؤشرًا على نزعة راديكالية، ما أدى إلى تضييقات أمنية واعتقالات طالت العديد من النشطاء.
إلا أن هذا التعامل لم يؤدِّ إلى إضعاف حضور العلم، بل على العكس، ساهم في إعادة إنتاجه كرمز مقاوم، خاصة في المهجر، حيث وجدت الجالية الريفية في أوروبا نفسها أكثر ارتباطًا بقضية الحراك، وسعت إلى تحويل العلم إلى شعار يعبر عن تضامنها مع مطالب المحتجين في الداخل. لقد كان لهذه الدينامية أثرٌ واضح في تشكيل هوية مركّبة بين الريفيين في الخارج، الذين لم يعودوا ينظرون إلى أنفسهم فقط كمهاجرين، بل كجزء من مشروع هوياتي مرتبط بجذورهم الأصلية.
في ظل هذا الواقع، بات علم جمهورية الريف محملًا بحمولة دلالية متشابكة، تجمع بين البعد التاريخي والاحتجاجي والهووي، مما جعله نقطة توتر بين الدولة والمجتمع. فبينما تتبنى الدولة موقفًا متحفظًا تجاه الرموز التي لا تندرج ضمن التصور الرسمي للهوية الوطنية، يرى كثير من الريفيين أن هذا العلم يمثل جزءًا من تاريخهم الذي لا يمكن إنكاره. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن استيعاب هذا الرمز داخل الهوية الوطنية دون أن يُنظر إليه كتهديد للوحدة؟
إن التجارب المقارنة في دول أخرى أظهرت أن التعامل الذكي مع الرموز التاريخية يمكن أن يفضي إلى تصالح مجتمعي بدلًا من خلق استقطابات لا طائل منها. فبدلًا من النظر إلى علم جمهورية الريف كرمز للانفصال، يمكن إعادة تأطيره ضمن السردية الوطنية الأوسع، باعتباره جزءًا من تاريخ مقاومة الاستعمار، ومن ذاكرة النضال من أجل الكرامة والعدالة. وهذا يتطلب تحولًا في الطريقة التي يتم بها تناول التاريخ في المغرب، بحيث يُعاد الاعتراف بالمراحل المختلفة التي مر بها، دون اختزالها في رؤية أحادية تُقصي بعض الفصول المهمة من الذاكرة الجماعية.
في هذا الإطار، يمكن أن يكون الانفتاح على الرموز التاريخية، بما في ذلك علم جمهورية الريف، خطوة نحو تعزيز المصالحة بين الدولة والمجتمع، بدلًا من استمرار سياسات الطمس والتجاهل التي غالبًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية. فالتجربة أثبتت أن القمع لا يزيل الرموز، بل يعيد إنتاجها في صيغ أكثر حدّة، كما أن التعامل المرن مع الذاكرة التاريخية يمكن أن يخلق مناخًا أكثر انسجامًا داخل المجتمع.
وإذا كان الاعتراف الرمزي جزءًا من الحل، فإن المصالحة الفعلية تتطلب أكثر من ذلك، حيث ينبغي أن تكون مصحوبة بتحولات ملموسة على مستوى السياسات التنموية والاقتصادية، إذ لا يمكن فصل قضية الرموز عن الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تعيشه المنطقة. لقد أثبتت العقود الماضية أن الريف يعاني من اختلالات تنموية مزمنة، وأن معالجة هذه الاختلالات تتطلب سياسات أكثر شمولًا تضع المنطقة ضمن الأولويات الوطنية، بدلًا من إبقائها في دائرة التهميش.
إن علم جمهورية الريف، في نهاية المطاف، ليس مجرد قطعة قماش، بل هو انعكاس لسؤال أعمق حول العلاقة بين المركز والأطراف، وحول آليات بناء الهوية الوطنية في مجتمع متعدد المكونات. وإذا كان المستقبل يحمل إمكانية تصالح مع هذا الرمز، فإن ذلك لن يكون ممكنًا إلا في ظل رؤية جديدة تجعل من التنوع عنصر قوة لا تهديد، وتعترف بأن الهوية الوطنية ليست كيانًا ثابتًا مغلقًا، بل بناءً متحركًا يتطور باستمرار ليشمل كل روافده التاريخية والثقافية.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان علم جمهورية الريف سيظل حاضرًا أم لا، بل كيف سيتم التعامل معه في المستقبل: هل سيبقى نقطة صدام بين الدولة والمجتمع، أم أنه سيتحول إلى جزء من الهوية الوطنية المتجددة، التي تستوعب جميع روافدها بروح تصالحية قائمة على الاعتراف بدل الإقصاء؟
.jpg)
منذ 1 سنة
2







