ARTICLE AD BOX
تقرير: المغرب يُواجه تحديات معقدة لضمان الأمن الغذائي رغم تقدمه الزراعي
عبد الحكيم الرويضي
الثلاثاء 21 أكتوبر 2025 | 22:18
عدّ التقرير العالمي لسياسات الغذاء لعام 2025 المغرب من البلدان التي تواجه تحديات معقدة في ضمان الأمن الغذائي في ظل التغير المناخي وندرة الموارد المائية، رغم ما أحرزته المملكة من تقدم في تحديث القطاع الزراعي وتعزيز سلاسل الإنتاج، وفقا للتقرير الصادر، يوم الثلاثاء 21 أكتوبر الحالي، عن المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية التابع لشراكة البحوث الزراعية الدولية.
وجاء التقرير، الذي يقع في نحو 600 صفحة، ليعرض تقييما شاملا لحالة السياسات الغذائية والزراعية في مختلف مناطق العالم، وخصص فصلا كاملا لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تناول فيه الحالة المغربية في أكثر من موضع باعتبارها نموذجا مميزا في المنطقة من حيث الإصلاحات الزراعية والاعتماد النسبي على الإنتاج المحلي.
وأفاد التقرير أن المغرب، إلى جانب السودان وسوريا وتونس، يمثل أحد الاقتصادات الإقليمية التي تستند بدرجة كبيرة إلى الإنتاج الزراعي المحلي في تلبية احتياجاتها الغذائية، على عكس دول أخرى في المنطقة تعتمد بدرجة أكبر على الواردات، مثل دول الخليج العربي.
ويؤكد هذا التوصيف أن الأمن الغذائي في المغرب يرتبط مباشرة بأداء القطاع الزراعي، وبخاصة الإنتاج النباتي الذي يعتمد على الموارد المائية المتقلبة بحكم المناخ شبه الجاف. ويضيف التقرير أن المغرب يتميز بقطاع زراعي متنوع يجمع بين الزراعة البعلية والمروية، إلا أن التغيرات المناخية الأخيرة أدت إلى زيادة الضغوط على الموارد المائية، ما جعل سياسات إدارة المياه تحتل موقعا مركزيا في أجندة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.
إصلاح تسعيرة المياه: تجربة مغربية رائدة
في هذا السياق، يشير التقرير إلى دراسة تطبيقية أنجزها باحثون مغاربة بشراكة مع خبراء المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية حول إصلاح تسعيرة المياه في المغرب، وهي دراسة اعتمدت نموذجا اقتصاديا لتقدير أثر تسعير المياه على استخدام الموارد الزراعية وعلى الإنتاجية. وتوصلت الدراسة إلى أن إعادة هيكلة نظام تسعيرة مياه الري بما يعكس القيمة الاقتصادية الحقيقية للمياه يمكن أن تسهم في تحسين كفاءة استخدام هذا المورد الحيوي دون أن تؤدي إلى انخفاض ملموس في الإنتاج الزراعي الكلي، إذا ما تم دعم صغار المزارعين بسياسات موازية تعوض كلفة الانتقال نحو أنظمة ري أكثر ترشيدا. واعتبر التقرير أن هذه التجربة المغربية تمثل مثالا على قدرة الدول ذات الموارد المحدودة على المواءمة بين النمو الزراعي وحماية البيئة في آن واحد.
كما لفت التقرير إلى أن المغرب، رغم محدودية موارده المائية، استطاع تطوير بنية تحتية متقدمة للري في مناطق متعددة من البلاد، وهو ما مكّنه من الحفاظ على مستويات إنتاجية مستقرة نسبيا مقارنة بجيرانه في شمال إفريقيا. إلا أن السنوات الأخيرة عرفت، حسب التقرير، انخفاضا متكررا في معدلات التساقطات وتكرار فترات الجفاف، الأمر الذي رفع من مستوى الهشاشة الغذائية وزاد من الضغوط على الفئات الريفية محدودة الدخل. ويُبرز التقرير أن الاستجابة المغربية لهذه التحديات كانت متعددة الأبعاد، حيث تم اعتماد سياسات وطنية تدمج بين الاستثمار في البنية المائية، وتطوير سلاسل القيمة الزراعية، ودعم الفلاحين الصغار، وهي مقاربة تراها المؤسسة الدولية نموذجا جديرا بالمتابعة في المنطقة.
وفي معرض حديثه عن الأمن الغذائي الإقليمي، أوضح التقرير أن المغرب يشترك مع بقية بلدان شمال إفريقيا في مواجهة ارتفاع أسعار القمح والحبوب الأساسية بسبب الاضطرابات في الأسواق العالمية، خصوصا بعد الحرب الروسية الأوكرانية. وذكر أن هذه التطورات زادت من كلفة استيراد المواد الغذائية، ما دفع الحكومات إلى البحث عن سبل لتعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر التوريد. وفي حالة المغرب، لاحظ التقرير أن الحكومة تبنّت مزيجا من السياسات الوقائية، منها دعم أسعار الدقيق والقمح الطري، وضمان تزويد السوق الداخلية، إلى جانب مواصلة برامج تشجيع الفلاحة المستدامة.
الفلاحون الصغار في قلب المعادلة
وأشار التقرير إلى أن برامج مثل “الجيل الأخضر” و”المخطط الوطني للماء” تمثل امتدادا لتوجهات سابقة في السياسة الزراعية المغربية، وتهدف إلى ضمان الاستدامة البيئية للقطاع وتقوية ارتباطه بالتنمية الاجتماعية. ووفق ما ورد في الوثيقة، فإن هذه البرامج تشكل استمرارا لتجربة “مخطط المغرب الأخضر” التي أحدثت تحولا هيكليا في الإنتاج الزراعي من خلال تشجيع الاستثمار الخاص وتحسين سلاسل القيمة وتطوير الصادرات الفلاحية. إلا أن التقرير ينبه في الوقت نفسه إلى أن استمرار هذه الدينامية يتطلب مواصلة التركيز على الفلاحين الصغار والمناطق القروية الأكثر هشاشة، لما تشكله من قاعدة بشرية أساسية في ضمان الأمن الغذائي الوطني.
ويرى التقرير أن المغرب يمكن أن يكون في موقع ريادي إقليمي في مجال السياسات المائية والزراعية المتكاملة، بفضل تراكم خبراته في التخطيط المائي ومؤسسات البحث الزراعي التي تتعاون مع الشركاء الدوليين. ويذكر التقرير أن أحد الدروس المستخلصة من التجربة المغربية هو أهمية الموازنة بين التسعير الاقتصادي للمياه والدعم الاجتماعي للفلاحين لضمان العدالة المائية والاستدامة البيئية في الوقت نفسه. كما يشير إلى أن الإصلاحات المائية التي بدأها المغرب يمكن أن تشكل نموذجا لبلدان أخرى في المنطقة تواجه مشكلات مماثلة من حيث ندرة الموارد وارتفاع كلفة الإنتاج.
وعند تقييم الوضع الغذائي العام، سجل التقرير أن المغرب، رغم الصعوبات المناخية والاقتصادية، تمكن من الحفاظ على مستويات مقبولة من الأمن الغذائي مقارنة بمتوسط المنطقة، وأن نسب سوء التغذية تبقى أقل من تلك المسجلة في عدة بلدان عربية وإفريقية. كما يؤكد أن السياسات الحكومية المتواصلة في دعم المواد الأساسية وبرامج الحماية الاجتماعية ساعدت في الحد من آثار الأزمات الغذائية العالمية على الأسر الفقيرة. ومع ذلك، يحذر التقرير من أن استمرار الضغط على الميزانية العمومية نتيجة دعم الأسعار يمكن أن يهدد الاستدامة المالية على المدى الطويل إذا لم يُرفق بإصلاحات هيكلية في منظومة الدعم وتوجيهه نحو الفئات الأكثر هشاشة.
نحو زراعة ذكية مناخياً
من جانب آخر، سلط التقرير الضوء على أثر التغير المناخي في الأنظمة الغذائية المغربية، حيث أشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وتناقص الأمطار سيؤديان إلى تراجع الإنتاجية في بعض المناطق الزراعية ما لم تتوسع برامج التكيف الزراعي. لذلك، دعا التقرير إلى مضاعفة الاستثمارات في البحث العلمي الزراعي ونقل التكنولوجيا إلى المزارعين، بما في ذلك التقنيات المقتصدة للمياه وأنظمة المراقبة الذكية للمناخ، مؤكدا أن المغرب يتمتع بمؤهلات علمية ومؤسساتية تخوله قيادة التحول نحو الزراعة الذكية مناخيا في شمال إفريقيا.
وتوقف التقرير أيضا عند العلاقة بين الزراعة والمجتمع القروي في المغرب، موضحا أن القطاع الزراعي لا يزال يشكل مصدرا رئيسيا للتشغيل والدخل، خصوصا في المناطق الداخلية، وأن أي تراجع في مردودية الزراعة ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي. وفي هذا الإطار، يشير التقرير إلى أهمية السياسات الرامية إلى تشجيع الشباب على الانخراط في الأنشطة الزراعية الحديثة وتطوير ريادة الأعمال الفلاحية، باعتبارها رافعة أساسية للتجديد الاقتصادي في الوسط القروي.
وربط التقرير بين تحقيق الأمن الغذائي وتعزيز العدالة الاجتماعية في توزيع الموارد، مبرزا أن برامج دعم الفلاحين الصغار في المغرب تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تتطلب مزيدا من المتابعة والتقييم لضمان فعالية التمويلات الموجهة، خصوصا في ظل التغيرات المناخية وتزايد الطلب على المياه. وأضاف أن استمرار نجاح النموذج المغربي رهين بقدرته على إدماج البعد البيئي في كل مراحل الإنتاج والتوزيع الغذائي، وأن هذا التكامل بين الاقتصاد والبيئة يشكل الأساس الذي تبني عليه المملكة مستقبلها الزراعي.
المغرب يحتل موقعا متوسطا
وفي تقييمه العام للمنطقة، أكد التقرير أن المغرب يحتل موقعا متوسطا بين بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حيث مؤشرات الاعتماد على الواردات الغذائية ومستوى الأمن الغذائي، لكنه يتقدم في مجال التخطيط المائي وإدارة السياسات الزراعية المتكاملة. واعتبر أن السياسات المغربية في هذا المجال، بما في ذلك إصلاح تسعيرة المياه ومشروعات التحول الزراعي، توفر نموذجا عمليا لإصلاح السياسات العامة على أساس أدلة علمية ومقاربة تدريجية واقعية، دون اللجوء إلى إجراءات صادمة أو شعبوية.
والخلاصة أن مستقبل الأمن الغذائي في المغرب سيتحدد بقدرة الدولة على مواصلة التوازن بين تلبية الطلب الداخلي المتزايد على الغذاء وبين حماية الموارد الطبيعية. ويرى التقرير أن الحفاظ على هذا التوازن يتطلب تنويع الإنتاج الزراعي وتشجيع الصناعات التحويلية الغذائية وربطها بالبحث والابتكار، إلى جانب تحسين الحوكمة في تدبير المياه وتوجيه الدعم نحو الفئات المستحقة. كما يشدد على أهمية الشراكات الدولية التي يمكن أن تتيح للمغرب تمويل برامج التحول الزراعي الأخضر ومواصلة تجاربه الناجحة في إدارة الموارد المائية.
.jpg)
منذ 6 أشهر
11







