تقرير: السلطات التونسية تعتقل المهاجرين من جنوب الصحراء في “مسالخ بشرية” وتنتهي ببيعهم للميليشيات الليبية

منذ 1 سنة 2
ARTICLE AD BOX

تقرير: السلطات التونسية تعتقل المهاجرين من جنوب الصحراء في “مسالخ بشرية” وتنتهي ببيعهم للميليشيات الليبية

مهاجرون من جنوب الصحراء في تونس (وكالة الأناضول) - أرشيف

الجمعة 07 فبراير 2025 | 14:05

كشف تقرير حقوقي جديد عن تورط السلطات التونسية في شبكة ممنهجة للاتجار بالبشر، تستهدف المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء عبر خمس مراحل تبدأ بالاعتقالات العنيفة وتنتهي ببيعهم للميليشيات الليبية. وأوضح التقرير، الذي قُدم في 4 فبراير 2025 للأحزاب اليسارية في البرلمان الأوروبي، أن أجهزة الأمن التونسية، بما في ذلك الشرطة والجيش والحرس الوطني، تشرف على عمليات مطاردة واحتجاز المهاجرين السود بناءً على لون بشرتهم، قبل تسليمهم إلى تجار البشر على الحدود الليبية مقابل المال أو سلع مثل الوقود والمخدرات.

ويستند التقرير الصادر عن اللجنة من أجل احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس إلى ثلاثين شهادة موثقة لمهاجرين تعرضوا لهذه الانتهاكات بين يونيو 2023 ونونبر 2024، متهمًا قوات الأمن التونسية، بما في ذلك الشرطة والحرس الوطني والجيش، بالتورط المباشر في هذه العمليات. وقالت اللجنة إن المحتجزين، بمن فيهم نساء حوامل وأطفال، للعنف الجسدي والجنسي، والحرمان من الطعام والرعاية الطبية، في معسكرات احتجاز وصفت بأنها أشبه بـ”مسالخ بشرية”.

صناعة الرعب: آلة الدولة للاتجار بالبشر

يروي الناجون تفاصيل مروعة عن سوء المعاملة في مراكز الاحتجاز المؤقتة وعلى الحدود. حيث يُجبر المهاجرون على البقاء في العراء لأسابيع دون طعام كافٍ أو رعاية طبية، فيما يتم ضربهم بالسياط والعصي الكهربائية، وتوثيقهم في أوضاع مهينة أمام كاميرات الهواتف. وتصف شهادات عدة كيف يتم اغتصاب النساء في معسكرات الاحتجاز أو بيعهن مباشرة لمهربي البشر، في مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ أشكال العبودية الحديثة.

ويأتي هذا التقرير وسط تصاعد التنديد الدولي بالممارسات التونسية ضد المهاجرين، والتي تفاقمت بسبب الخطاب الرسمي المناهض لهم. ويوثق شهادات مروعة عن الاعتقالات العشوائية، العنف الجسدي والجنسي، وترك الضحايا في أوضاع إنسانية كارثية على الحدود. وتطالب منظمات حقوقية بفتح تحقيق دولي حول هذه الانتهاكات، في ظل ما وصفه التقرير بأنه سياسة ممنهجة للدولة تتجاوز الطرد القسري إلى بيع المهاجرين واستغلالهم.

وأشار التقرير إلى أن الضحايا الذين يتم تسليمهم للميليشيات الليبية ينتهي بهم المطاف في سجون سرية حيث يتعرضون للتعذيب، العبودية، والابتزاز، إذ تطالب العصابات المسلحة عائلاتهم بدفع فدية ضخمة مقابل إطلاق سراحهم. وتحظى النساء، اللواتي يتم بيعهن بأسعار أعلى، بمصير أكثر مأساوية، حيث يقعن في شبكات الاتجار بالجنس تحت ظروف قاسية. ووثقت الشهادات الثلاثون التي استند إليها التقرير شهادات صادمة عن انتهاكات ترتكب بحق المهاجرين بغطاء رسمي، ما يعكس تواطؤًا منهجيًا يجعل من هذه الجرائم سياسة دولة.

ويربط التقرير بين هذه الانتهاكات واتفاقيات الهجرة الموقعة بين الاتحاد الأوروبي وتونس، حيث يُنظر إلى الأموال الأوروبية المقدمة لدعم “إدارة الحدود” على أنها تمويل غير مباشر لهذا النظام الوحشي. ويطالب التقرير بفتح تحقيق دولي عاجل في هذه الجرائم، ومساءلة الحكومة التونسية عن تورطها في انتهاكات قد ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية. ومن جهتها، تواصل المنظمات الحقوقية تحذيرها من تصاعد موجة العنصرية والعنف ضد المهاجرين في تونس، في ظل خطاب رسمي يشجع هذه الممارسات بدلًا من إدانتها.

ويحذر التقرير من أن ممارسات تونس لم تعد تقتصر على الأراضي الوطنية، بل امتدت إلى عمليات إغراق المهاجرين في مناطق صحراوية معزولة على الحدود مع ليبيا والجزائر، حيث يُتركون لمصيرهم في ظروف قاسية دون ماء أو غذاء. وتتحول هذه المناطق إلى مقابر مفتوحة، حيث تم الإبلاغ عن حالات وفاة بسبب الجوع والجفاف، فيما يتم العثور على ناجين في حالات صحية كارثية. وتشير شهادات الناجين إلى أن بعضهم تعرض لإطلاق النار أثناء محاولته العودة إلى تونس، ما يؤكد وجود سياسة ممنهجة لإبعاد المهاجرين بأي ثمن، ولو أدى ذلك إلى موتهم.

وتعتمد الدولة التونسية على نهج مزدوج في التعامل مع الضغط الدولي؛ فمن جهة، تقدم وعودًا شكلية بتحسين أوضاع المهاجرين لامتصاص الغضب الحقوقي، ومن جهة أخرى، تصعد سرًا من عمليات الاعتقال والطرد لضمان استمرار تدفق التمويلات الأوروبية. ويكشف التقرير عن دور الأجهزة الأمنية التونسية في التنسيق مع وسطاء محليين لتنفيذ هذه العمليات بعيدًا عن الأضواء، حيث يتم استهداف المهاجرين بعمليات مداهمة مفاجئة، يليها نقلهم سرًا في شاحنات غير مسجلة نحو الحدود الليبية والجزائرية. ويثير هذا النمط تساؤلات جدية حول وجود تعليمات رسمية غير معلنة لإبقاء هذه الممارسات خارج إطار المساءلة الدولية.

خطاب قيس سعيد: وقود للكراهية العنصرية

ومع تزايد الضغوط على الاتحاد الأوروبي لمراجعة تعاونه مع تونس، يدعو التقرير إلى فرض عقوبات على المسؤولين التونسيين المتورطين في هذه الانتهاكات، ووقف الدعم المالي الموجه للحدود حتى يتم التأكد من استخدامه وفقًا للمعايير الإنسانية. كما يقترح تشكيل بعثة تحقيق أممية لتوثيق هذه الجرائم على الأرض وضمان محاسبة المتورطين. ويشدد التقرير على أن السكوت عن هذه الممارسات لا يجعل الاتحاد الأوروبي مجرد شريك صامت، بل مسؤولًا عن تمويل أحد أكثر أنظمة القمع ضد المهاجرين وحشية في المنطقة.

تواجه تونس اتهامات متزايدة بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى، حيث تحولت البلاد إلى بيئة معادية لهم بعد تصريحات الرئيس قيس سعيد التي وصفت وجودهم بأنه “مؤامرة ديموغرافية”. هذه الخطابات العنصرية لم تكتفِ بتحفيز العنف ضد المهاجرين، بل منحت الغطاء الشرعي للملاحقات الأمنية والطرد الجماعي والانتهاكات الموثقة على الحدود، مما أثار استياء المنظمات الحقوقية الدولية، بحسب التقرير.

وقال التقرير إن السلطات التونسية تعتمد أساليب قمعية لملاحقة كل من يدافع عن حقوق المهاجرين، حيث يتعرض الناشطون للاعتقالات التعسفية والمحاكمات الجائرة. تم الزج بشخصيات بارزة مثل سعدية مصبح وعبد الله سعيد في السجون بتهم تتعلق بـ”الإضرار بالأمن القومي”، لمجرد تقديمهم المساعدات الإنسانية. كما أصبحت الجمعيات المدافعة عن حقوق المهاجرين والصحفيين هدفًا مباشراً للملاحقات القضائية وفقًا لقوانين قمعية مثل المرسوم 54 لسنة 2022.

المصدر