ARTICLE AD BOX
تغيير منهجية قياس البطالة في المغرب يطرح أسئلة حول التوقيت والخلفيات وأثر هذا التغيير على صِدقية أرقام مندوبية التخطيط
الجمعة 08 ماي 2026 | 00:46
يثير اعتماد المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب منهجية جديدة لقياس سوق الشغل والبطالة، ضمن ما أصبح يعرف بـ«بحث القوى العاملة» لسنة 2026، أسئلة كبرى بشأن خلفيات هذا التغيير وانعكاساته على قراءة الوضع الاجتماعي والاقتصادي بالمملكة، خصوصاً بعد أن أظهرت النتائج الأولى للبحث انخفاض معدل البطالة إلى نحو 10 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026، مقابل أكثر من 13 في المائة نهاية سنة 2025 وفق المنهجية السابقة.
وتقول المندوبية إن التغيير يأتي في إطار ملاءمة النظام الإحصائي المغربي مع المعايير الحديثة المعتمدة من طرف منظمة العمل الدولية، من خلال الانتقال من «البحث الوطني حول التشغيل» إلى «بحث القوى العاملة»، وهو نموذج تعتمد عليه غالبية الدول المتقدمة لقياس مؤشرات سوق الشغل.
لكن هذا التحول المنهجي، الذي بدأ تطبيقه فعلياً في عهد المندوب الحالي شكيب بنموسى، فتح الباب أمام تساؤلات سياسية ومهنية بشأن توقيت القرار وسياقه، خصوصاً أن نتائجه الأولى جاءت أكثر إيجابية بالنسبة للحكومة التي يقودها عزيز أخنوش، في وقت تواجه فيه انتقادات اجتماعية متزايدة مرتبطة بارتفاع الأسعار والبطالة وتراجع القدرة الشرائية.
ما الفرق بين البحث القديم والجديد؟
كان «البحث الوطني حول التشغيل» الذي اعتمدته المندوبية لعقود، يقوم على تعريف واسع نسبياً للعمل والبطالة، ويحتسب ضمن المشتغلين فئات تمارس أنشطة غير مؤدى عنها أو مرتبطة بالاستهلاك الذاتي داخل الأسر أو الضيعات العائلية. كما كان يعتمد مفهوماً أقل تشدداً للبطالة.
أما «بحث القوى العاملة» الجديد، فيعتمد تعريفاً أكثر صرامة وفق معايير منظمة العمل الدولية، إذ لا يُعتبر الشخص مشتغلاً إلا إذا كان يمارس عملاً مقابل أجر أو ربح، كما لا يُصنف الشخص عاطلاً إلا إذا كان بلا عمل، وقادراً على العمل، ويبحث عنه بشكل نشط.
وبحسب المندوبية، فإن الهدف من هذا التحول هو تحسين دقة المؤشرات وجعلها قابلة للمقارنة دولياً، إلى جانب توسيع أدوات قياس هشاشة سوق الشغل لتشمل البطالة المقنعة ونقص ساعات العمل واليد العاملة المحتملة.
الدول المتقدمة والدول النامية
تُعد منهجية «بحث القوى العاملة» النموذج المعتمد في أغلب الاقتصادات المتقدمة، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا ودول الاتحاد الأوروبي، حيث تكون سوق الشغل أكثر تنظيماً، ونسبة العمل غير المهيكل محدودة.
في المقابل، كانت العديد من الدول النامية، ومنها المغرب، تعتمد مقاربات أوسع في قياس التشغيل بسبب طبيعة اقتصاداتها، التي تتسم بانتشار العمل غير المهيكل والأنشطة العائلية والزراعية غير المؤدى عنها.
لذلك يطرح الانتقال المفاجئ إلى المعايير الصارمة للدول المتقدمة أسلئة حول خلفيات هذا الإنتقال لأن اعتماد المنهجية الجديدة لا يعكس بدقة الواقع الاجتماعي المغربي، بما أن جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي في البلاد يتم خارج الاقتصاد المهيكل.
لماذا الآن؟
رغم أن تحديث أدوات القياس الإحصائي يُعد أمراً طبيعياً في مسار تطور المؤسسات الرسمية، فإن توقيت هذا التحول يثير تساؤلات لدى متابعين للشأن العام، خصوصاً أنه جاء بعد تعيين شكيب بنموسى مندوباً سامياً للتخطيط، عقب مغادرته وزارة التربية الوطنية في حكومة عزيز أخنوش.
ويذهب منتقدون إلى أن المندوبية، التي كانت في عهد المندوب السابق أحمد الحليمي تصدر تقارير كثيراً ما أحرجت الحكومة بسبب أرقام البطالة والفقر والتضخم، أصبحت اليوم أكثر ميلاً إلى تقديم مؤشرات أقل حدة تجاه الأداء الحكومي.
ويزداد الجدل حدة بسبب توقيت هذا التحول المنهجي، إذ يأتي في سنة انتخابية حاسمة تسبق الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر المقبل، ما دفع أصواتاً سياسية وحقوقية إلى التساؤل حول ما إذا كان اعتماد المنهجية الجديدة في هذا الظرف بالذات مجرد قرار تقني معزول، أم أنه يحمل أيضاً أبعاداً سياسية مرتبطة بتخفيف الضغط الاجتماعي والإعلامي على الحكومة من خلال تقديم مؤشرات أكثر إيجابية بشأن البطالة وسوق الشغل.
ويستشهد أصحاب هذا الطرح بأن أول نتائج المنهجية الجديدة أظهرت تراجع معدل البطالة إلى نحو 10 في المائة، مقابل أكثر من 13 في المائة في نهاية سنة 2025 وفق المنهجية القديمة، ما خلق انطباعاً لدى جزء من الرأي العام بأن الوضع الاقتصادي والاجتماعي عرف تحسناً سريعاً خلال بضعة أشهر فقط، رغم أن هذا التحسن لا ينعكس، بحسب منتقدين، بشكل واضح على أرض الواقع.
ويرى هؤلاء أن هذا التراجع يمنح الحكومة مادة دعائية قوية في سياق انتخابي حساس، حتى وإن كانت المندوبية تؤكد أن المقارنة بين المؤشرين غير ممكنة علمياً بسبب اختلاف طرق القياس.
في المقابل، يؤكد متخصصون في الإحصاء الاقتصادي أن المقارنة المباشرة بين الرقمين تفتقر إلى الدقة العلمية، لأن المؤشرين يستندان إلى منهجيتين مختلفتين، وأن أي تغيير في تعريفات العمل والبطالة يؤدي تلقائياً إلى اختلاف النتائج والمؤشرات.
جدل حول استقلالية المؤسسات
أعاد هذا الجدل النقاش الأوسع حول استقلالية مؤسسات الحكامة والهيئات الدستورية في المغرب، وسط شكوك حول تحول عدد من هذه المؤسسات الرسمية إلى أدوات تنتج تقارير أقل إزعاجاً للسلطة التنفيذية.
ويرى منتقدون أن تراجع الثقة في الأرقام الرسمية قد تكون له انعكاسات على صورة المغرب وعلى مصداقية مؤسساته، خاصة عندما تتعارض المؤشرات الوطنية مع خلاصات تقارير دولية صادرة عن مؤسسات مثل البنك الدولي، التي لا تزال تشير إلى تحديات مرتبطة بالتشغيل والهشاشة الاجتماعية وضعف خلق فرص العمل.
في المقابل، تدافع الحكومة والمندوبية عن التغيير باعتباره تحديثاً تقنياً ضرورياً يهدف إلى تقريب النظام الإحصائي المغربي من المعايير الدولية، وليس إلى تعديل الأرقام لخدمة أجندة سياسية.
ويبقى السؤال مطروحاً داخل الأوساط السياسية والاقتصادية: هل يعكس الانخفاض المعلن في البطالة تحسناً حقيقياً في سوق الشغل المغربي، أم أنه نتيجة مباشرة لتغيير طريقة القياس؟ والأهم من ذلك، هل تستطيع المؤسسات الرسمية الحفاظ على ثقة الرأي العام في ظل تزايد الشكوك بشأن استقلالية إنتاج الأرقام والمؤشرات؟
.jpg)
منذ 1 ساعة
2







