ARTICLE AD BOX
رغم المطالب والتوصيات المتكررة باعتماد قانون لتجريم تضارب المصالح، خاصة مع الشبهات الكثيرة التي أثارها أعضاء الحكومة الحالية، إلا أن إخراج هذا القانون لا يزال بعيد المنال، رغم حديث الحكومة عن وجود مشروع قانون في طور الإعداد.
فبالإضافة إلى أصوات سياسية وحقوقية، ما انفكت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها توصي بإصدار قانون لتجريم تنازع المصالح من أجل تنزيل أحكام الدستور التي تجعل من التجاوزات المتعلقة بتضارب المصالح أفعالا يعاقب عليها القانون.
تعطيل “مُتعمد” للدستور
وينص الفصل 36 من الدستور الذي يحدث هيئة النزاهة على الآتي “يعاقب القانون على المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، وعلى استغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه، وكل مخالفة ذات طابع مالي. وعلى السلطات العمومية الوقاية، طبقا للقانون، من كل أشكال الانحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والھيئات العمومية، وباستعمال الأموال الموجودة تحت تصرفھا، وبإبرام الصفقات العمومية وتدبيرھا، والزجر عن ھذه الانحرافات. ويعاقب القانون على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والھيمنة، وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية”.
ويعيد الجدل المثار في البرلمان حول تضارب المصالح في صفقات الأدوية موضوع إصدار القانون ذي الصلة إلى واجهة النقاش، وهو الموضوع الذي ظل حاضرا خلال الولاية الحكومية الحالية التي تعاقب فيها الحديث عن شبهات من هذا النوع، بدءا بغاز تندرارة وصولا إلى شركة الأدوية لوزير التربية الوطنية، مرورا بتحلية مياه الدار البيضاء وصناعة السيارات والألعاب الإلكترونية…
وأكد محمد الغلوسي رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام أن القانون الذي يحيل عليه الفصل 36 من الدستور، والذي يفترض أن يعاقب تضارب المصالح، غير موجود لحد الآن، لأن المستفيدين من هذا الواقع لا مصلحة لهم مطلقا في وجود هكذا قوانين.
ورغم أن هذا الفصل، يضيف الغلوسي، هو تجسيد حي لما أثير داخل البرلمان من شبهات تضارب المصالح بين وزيرين، إلا أن الحكومة برفضها تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، واعتبارها مكافحة الفساد مجرد شعبوية ومزايدة، وأن الفساد لا يرى بالعين المجردة، يجعل المحاسبة مغيبة.
واعتبر الغلوسي أن النقاش المفتوح اليوم هو نقاش سياسي وأخلاقي، ما دام أن المخالفات المرتكبة غير معاقب عليها جنائيا، في ظل تعطيل الفصل 36 من الدستور، والذي يعطل الفصول 154 و155 156 التي تتحدث عن كون المرفق العمومي يخضع في تسييره للقانون ولمبادئ النزاهة والحياد والمساواة.
واعتبر رئيس جمعية حماية المال العام أن كل هذا العبث يحدث ببساطة لأنه ليست هناك إرادة سياسية حقيقية لمكافحة الفساد وتخليق الحياة العامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة وبناء دولة الحق والقانون.
قصور التأطير القانوني
لم يؤطر المشرع المغربي بشكل واضح إلى حد الآن تنازع المصالح ولكنه، بالمقابل، عمل على وضع العديد من الضوابط والقيود التي تحول دون حصول بعض حالات تنازع المصالح لدى مجموعة من فئات المسؤولين الإداريين؛ إذ نجده يمنع أعضاء الحكومة من ممارسة أي نشاط مهني أو تجاري في القطاع الخاص، كما وضع موانع لرئيس وأعضاء مجلس النواب ومجلس المستشارين والمحكمة الدستورية وهيئات دستورية أخرى، ووضع أيضا موانع للمنتخبين الجماعيين، وفئات أخرى كالقضاة، وأصناف الموظفين.
وسبق للهيئة الوطنية للنزاهة أن أكدت في تقرير حول الموضوع أن غيـاب تأطـر واضـح لسـلوك تنـازع المصالح يجعل مفهومـه يظـل غائبـا وغيـر واضـح، ووضعياتُـه تبـدو قـاصرة عـن احتـواء الحـالات المتعـددة لتنـازع المصالـح، كمـا أن المقتضيـات القانونيـة ذات الصلـة تظـل مفتقـرة إلى آليـات المعالجة والتحقـق والتصحيـح والتسـوية التـي يتطلبهـا تدبيـر هـذا السـلوك، مـع مـا يسـتتبع ذلـك مـن غيـاب الإطـار المؤسساتي الـذي يضطلـع بهـذه المهام.
وبالنتيجة، فإن تجريم مخرجات تنازع المصالح قاصرة، حيث إن الفصل 245 من القانون الجنائي الذي فيه إشارات ذات صلة، وينص على عقوبات حبسية، قاصر عن تغطية مختلف مظاهر المنافع والمصالح الخاصة التي يمكن تحقيقها، انطلاقا من كون الفعل المعاقب عليه في هذه المادة مرتبط فقط بالعقود والسمسرة وتسيير المؤسسة أو أي استغلال مباشر يشرف عليه الموظف أو يتولى إدارته أو كلف بتسيير عملية دفع أو إجراء تصفية بشأنها، مع العلم أن تنازع المصالح يتجاوز هذه الحالات، فضلا عن اقتصار التجريم لهذا النوع من التنازع على القطاع العام دون أن يشمل القطاع الخاص والمهن الحرة.
مشروع قانون مُغيّب
قبل أزيد من سنتين، واجهت الحكومة الاتهامات الموجهة لها بحماية الفساد، بالإعلان عن إعداد مشروع قانون يتعلق بتضارب المصالح، وقد أكد بشير الراشدي الرئيس السابق لهيئة النزاهة أن مسودة المشروع تتضمن عدة نواقص.
ولا يزال هذا الإطار التشريعي مغيبا، ولا نقاش حوله، رغم ما يثيره من انتقادات، وضعف العقوبات، في وقت بدأت الحكومة تعد أشهرها الأخيرة، مع اقتراب نهاية ولايتها.
المبادرة لوضع تشريع يجرم تضارب المصالح، لم يكن حكرا على الحكومة، فقد سبق للفريق الاشتراكي أن تقدم قبل أشهر بمقترح قانون في الموضوع، كخطوة لمحاربة الفساد، لكن مصيره يبقى الإهمال في وقت تؤكد فيه الحكومة رفضها للمقترحات في المواضيع التي تكون تشتغل عليها بالفعل.
وزير الصحة يرمي الكرة للبرلمان
بعدما خلف موضوع صفقات الدواء جدلا واسعا، طلب وزير الصحة الحضور للبرلمان من أجل تقديم التوضيحات، وخلال الاجتماع الذي انعقد أمس الأربعاء بلجنة القطاعات الاجتماعية، رمى مسؤولية إخراج إطار قانوني لتضارب المصالح على عاتق البرلمانيين أنفسهم.
وقال الوزير الذي يعي غياب تأطير قانوني لتضارب المصالح، “إن تطوير إطار تضارب المصالح ليس مسألة تخص قطاع الصحة وحده، بل هو ورش تشريعي جماعي، يمكن للبرلمان بلورته بالصيغة التي يراها مناسبة، مع التأكيد على أن الإدارة ملتزمة بتطبيق القوانين الحالية كما هي دون انتقائية أو استثناءات”، مشيرا إلى أن الصفقات تبرم مع الشركات وليس الأشخاص الذاتيين.
سلوك انحرافي قادر على التخفي
وفي هذا الصدد تؤكد الهيئة الوطنية للنزاهة أن المحدودية الملحوظة للحالات المرصودة وطنيا لتنــازع المصالح لا تعـزى إلى انتفـاء هـذه الظاهـرة والإحجـام عـن التعاطـي لهـا في الممارسة التدبيرية بشـكل عـام، بـل هـي محدوديـة ناتجـة عـن العجـز عـن اسـتيعاب تمظهراتـه في غيـاب تحديـد قانوني للمفاهيـم المتعلـق بـه، وكـذا لقـدرة هـذا السـلوك الانحرافي عـلى الاختفـاء واسـتعصائه علـى الضبـط والتطويـق، في غيـاب آليـات قانونيـة ومؤسسـاتية ملائمة وناجعـة لمحاصرتـه.
ومع شيوع شبهات تضارب المصالح لدى أعضاء الحكومة، وتنصيص القانون على منعهم من “ممارسة أي نشاط مهني أو تجاري في القطاع الخاص، ولا سيما عبر مشاركتهم في أجهزة تسيير أو إدارة إحدى المؤسسات الخاصة، وذلك لضمان الحياد والاستقلالية في اتخاذ القرار”،
غالبا ما يتم تفويت الشركات لأقارب الوزراء المعنيين، وهو ما تمت إثارته أيضا في صفقة الدواء التي استفادت منها شركة محسوبة على وزير التربية الوطنية سعد برادة، والتي بات يدرها شقيقه.
وفي هذا الصدد، أكدت هيئة النزاهة على أن التأطير القانوني لتضارب المصالح ينبغي أن يوسع الفئــات الخاضعـة، باعتـمـاد المفهــوم الواســع للموظــف العمومــي، مــع إدراج أطــراف أخــرى مرتبطـة بـه بعلاقـات مختلفـة كالقرابـة أو الصداقـة أو العمـل، أو الارتبـاط بكيانـات معينـة تجاريـة أو سياسـية أو غيرهـا.
.jpg)
منذ 5 أشهر
9







