ARTICLE AD BOX
تفاعلا مع الجدل الكبير الذي أثاره التهام مستوردي الماشية لملايير الدراهم على شكل دعم مباشر وإعفاءات ضريبية، يعيش مجلس النواب، هذه الأيام، على وقع تجاذبات خلفها إطلاق فرق من المعارضة لمبادرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، هدفها إماطة اللثام عما يكتنف هذا الدعم من اختلالات، ورصد الحيثيات المتعلقة به، خاصة وأنه لم ينعكس إيجابا على أسعار اللحوم والأَضاحي.
وبعدما عبر جزء من مكونات مجلس النواب عن أمله في أن يتم تشكيل لجنة للتقصي، ستكون هي الأولى في ظل دستور 2011، أغلقت فرق الأغلبية باب هذا الأمل بتقديمها لطلب القيام بمهمة استطلاعية في الموضوع، ساعات بعد إشهار حزب الأصالة والمعاصرة لورقة “التوظيف السياسي” في وجه مبادرة المعارضة.
عقبات قانونية
وبدأت القصة مع إعلان كل من فريق التقدم والاشتراكية والفريق الحركي ومجموعة العدالة والتنمية عن إطلاق مبادرة لتشكيل لجنة تقصي الحقائق، التحق بها الفريق الاشتراكي، هدفها استجلاء الحقيقة الكاملة في هذا الملف، والتأكد من أن هذا الدعم متعدد الأشكال يخدم المصلحة العامة وليس مصالح فئة محدودة.
ويحتاج مطلقو المبادرة إلى توقيع ثلث مكونات مجلس النواب، من أجل تشكيل اللجنة، كما ينص على ذلك الفصل 67 من الدستور، ويعد جمع التوقيعات أولى العقبات التي تواجه المعارضة، حيث إن النواب المنتسبين للفرق التي أعلنت الانخراط لا يتعدى 95 نائبا من أصل 395 نائبا يكونون الغرفة الأولى للبرلمان. وسيكون أصحاب مبادرة تشكيل لجنة التقصي أمام تحدي جمع 132 توقيعا، ما يعني أنهم في حاجة إلى إقناع 37 نائبا آخر، ما يفرض عليهم طرق أبواب الأغلبية.
وتنص مسطرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بمجلس النواب بعد جمع التوقيعات المطلوبة، على إيداع الطلب لدى رئاسة المجلس التي تكون مطالبة بإشعار رئيس الحكومة داخل أجل لا يتعدى 3 أيام، وفي حال جواب رئيس الحكومة بوجود متابعة قضائية في الملف، فلا يمكن تشكيل اللجنة، أما في حال عدم وجود أي متابعة قضائية فسيتم تشكيل اللجنة لمباشرة عملها.
وكان موضوع دعم “الفراقشية” قد أثار مطالب واسعة بفتح تحقيق قضائي ومحاسبة المتورطين في تبديد الأموال العمومية دون أثر على القدرة الشرائية للمواطن، وقد تضاربت الأنباء حول مدى صحة فتح تحقيق في الملف، خاصة بعد تصريحات نزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال، الذي تحدث فيها عن فساد واختلالات مرتبطة بهذا الدعم.
وينص الفصل 67 من الدستور على أنه “لا يجوز تكوين لجان لتقصي الحقائق في وقائع تكون موضوع متابعات قضائية، ما دامت هذه المتابعات جارية؛ وتنتهي مهمة كل لجنة لتقصي الحقائق، سبق تكوينها، فور فتح تحقيق قضائي في الوقائع التي اقتضت تشكيلها”.
إحراج للأغلبية
ووجدت أحزاب الأغلبية نفسها في موقف محرج، خاصة وأن قيادات منها وجهت انتقادات لاذعة لهذا الدعم، ولجشع المستوردين، في تصريحات اعتبرها الكثيرون أنها بأهداف انتخابية، وتأتي في إطار التسخينات للتشريعيات المقبلة، حيث إن مبادرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق وضعت هؤلاء السياسيين على المحك، في اختبار لمدى جديتهم في الانتقاد والمطالبة بالمحاسبة.
هذه النقطة، شدد عليها قادة الأحزاب المشارِكة في مبادرة تشكيل اللجنة، خلال ندوة جمعتهم مساء أمس الثلاثاء، حين دعوا عموم النواب للانخراط في المبادرة باعتبارهم ممثلين للشعب وليس للحكومة، مع توجيه الدعوة خاصة لنواب حزب الاستقلال للانخراط، تأكيدا لما جاء على لسان أمينهم العام نزار بركة.
وفي هذا الصدد، توقف محمد أوزين الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، على حديث بركة عن اللوبيات والمضاربين والوسطاء، وقوله لهم “اتقوا الله في المغاربة”، معتبرا أن “اليوم الفرصة أمامه ليعبر عن حسن نيته وهل يريد هو أيضا أن يتقي الله في المغاربة، أو يريد فقط دغدغة عواطفهم”.
وقال أوزين إن المعارضة تمد اليد لحزب الاستقلال كي يشارك معها في هذا الخطوة، وليظهر فعلا أنه يريد محاربة الفساد، متسائلا “ما الذي يمنع نواب حزب “الاستقلال” في مجلس النواب من المشاركة في لجنة تقصي الحقائق خاصة أن المعلومة خرجت من عندهم، وصرح بها أمينهم العام نزار بركة؟
واتفق أوزين مع ادريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي في كون الأغلبية الحكومية متسمة بـ”التغول” و”الافتراس”، وقد اعتبر لشكر أن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في ظل هذا التغول مستحيلة بسبب غياب النصاب القانوني.
ولا يقتصر انتقاد هذا الدعم وطريقة صرفه والاستفادة منه على حزب الاستقلال، بل إن قيادات من حزبي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار سبق لها أن انتقدته، مما وضعها في موقف محرج إزاء ما سيصدر عنها بخصوص لجنة التقصي.
وإلى جانب أوزين ولشكر، وجه حزب التقدم والاشتراكية نداء لممثلات وممثلي الأمة، بغض النظر عن انتماءاتهم، من أجل الانخراط في المبادرة، مشيرا إلى أن تشكيل لجنة للتقصي من صميم أدوار البرلمان في ممارسة اختصاص مراقبة العمل الحكومي والتجسيد الفعلي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لا سيما وأن أصواتاً من صفوف الأغلبية سبق وأن اعترفت صراحةً بفشل إجراءِ دعم استيراد المواشي، وبعدم الجدوى منه، كما طالبت مكوناتٌ أخرى من الأغلبية بإلغائه.
ولم تخف المعارضة أملها في استقطاب نواب من الأغلبية من أجل إنجاح المبادرة، رغم أنه سبق لها الإشارة إلى أن من بين المستفيدين من أموال دعم استيراد المواشي قيادات وأعيان محسوبين على أحزاب الأغلبية، خاصة الأحرار والأصالة والمعاصرة، بل إن من بين مكونات المعارضة من اتهم الحكومة، خاصة الحزب القائد لها، بأنه يضخ الأموال في جيوب المستوردين على أساس استرجاعها في الانتخابات المقبلة.
فزاعة التوظيف السياسي
وفي أول تفاعل رسمي من الأغلبية، أصدر حزب الأصالة والمعاصرة، اليوم الأربعاء، بلاغا لمكتبه السياسي، كان بمثابة إعلان عن عدم الانخراط في مبادرة لجنة التقصي، حيث أشهر فزاعة التوظيف السياسي في وجه المبادرة.
وجاء في البلاغ ” توقف المكتب السياسي عند الموضوع الذي يشغل بال الرأي العام الوطني المتعلق بالإعفاءات الجمركية والضريبية التي استفاد منها موردو الماشية واللحوم؛ والمكتب السياسي وهو يقدر قلق الرأي العام ورفضه عدم انعكاس أي دعم عمومي على القدرة الشرائية للمواطنين، ويستحضر كذلك تنوع المتدخلين وتقاطع تدبير هذا الملف بين عدة قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية، فإنه يدعو إلى احترام استقلالية المؤسسات وحقها في القيام بدورها الكامل بعيدا عن التوظيف السياسي لهذا الملف، كما يحث الحكومة على المزيد من التواصل الشفاف لتوضيح جل التفاصيل المرتبطة بالموضوع”.
مهمة استطلاعية
وجاء، إعلان فرق الأغلبية بمجلس النواب عن التقدم بطلب للقيام بمهمة استطلاعية حول موضوع دعم استيراد المواشي، ليكون بمثابة إعلان شبه رسمي عن فشل مبادرة المعارضة.
وتقدمت فرق الأغلبية إلى جانب الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي بطلب لرئيس لجنة القطاعات الانتاجية من أجل القيام بمهمة استطلاعية، للوقوف على البرامج والإجراءات المتخذة لدعم استيراد الأبقار والاغنام واللحوم، من أجل حماية القدرة الشرائية للمواطنين ومدى تحقيقها للغايات المحددة لها.
وبحيازتها لأغلبية عددية مريحة، تكون فرق الأغلبية قد أغلقت قوس لجنة تقصي الحقائق، حيث باتت الكفة تميل لتشكيل مهمة استطلاعية.
ويشار إلى أن مجلس النواب لم يشكل لجانا لتقصي الحقائق سوى 6 مرات، ما بين 1979 و2010، ويتعلق الأمر بلجنة برلمانية للبحث والتقصي حول تسرب مواد امتحانات الباكالوريا لدورة ماي 1979، ولجنة ثانية عقب أحداث فاس على إثر الإضراب العام، بتاريخ 11 دجنبر 1991، ولجنة نيابية ثالثة في موضوع المخدرات، بتاريخ 28 دجنبر 1995، ثم لجنة حول وضعية مؤسسة القرض العقاري والسياحي، في ماي 2000، ثم لجنة لتقصي الحقائق حول الأحداث التي عرفتها مدينة سيدي إفني، بتاريخ 18 يونيو 2008، وأخيرا لجنة حول أحداث كديم إيزيك وأعمال العنف والشغب بمدينة العيون، بتاريخ 27 نونبر 2010.
.jpg)
منذ 1 سنة
5







