تسريب الامتحانات يعيد اختلالات “المدارس الرائدة” للواجهة ويسائل مصداقية خطاب الوزارة

منذ 3 أشهر 18
ARTICLE AD BOX

أعاد تسريب امتحانات السلك الابتدائي بمؤسسات الريادة تسليط الضوء على الاختلالات التي يعرفها تنزيل هذا المشروع، وأثار انتقادات بسبب انعكاسات تأجيل الامتحانات على نفسية التلاميذ، الذين تم تحميلهم مسؤولية فشل الوزارة في حماية سرية الامتحانات، والتدبير الجيد لهذه المحطة.

وخلف التسريب انتقادات للوزارة التي تواصل الترويج عبر الخطاب لنجاحات كبيرة لمشروع المدرسة الرائدة، رغم الواقع الذي يكذب ذلك، ورغم الاختلالات والعشوائية التي لا تزال تسم تنزيل هذا المشروع، بشكل يسيء للمدرسة العمومية ويكرس فقدان الثقة فيها.

اختلالات بالجملة تكذب الخطاب الرسمي

وسلطت فاطمة التامني النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي الضوء على ما عرفه تنزيل مشروع “مؤسسات الريادة” خلال الموسم الدراسي الجاري من الاختلالات بالجملة، كان آخرها تأجيل امتحان مادة الرياضيات وتأخير الإعلان عن النتائج إلى ما بعد العطلة، وهو ما مس بالزمن المدرسي وأخل بمبدأ تكافؤ الفرص، وأثار استياء واسعا في صفوف التلاميذ وأسرهم والأطر التربوية.

وتوقفت البرلمانية في سؤال كتابي موجه لوزير التربية الوطنية سعد برادة على اختلالات أخرى في تنزيل هذا المشروع من بينها النقص في الموارد البشرية والتجهيزات والوسائل الديداكتيكية بعدد من المؤسسات المعنية، والارتباك التنظيمي والبيداغوجي المرتبط بضعف الإعداد المسبق والتكوين، وأحيانا غياب الاستقرار الإداري داخل بعض المدارس، مع تأخر أو عدم توفر المقررات والكتب المدرسية في الآجال المناسبة.

كما أشارت التامني إلى ما نبه له المجلس الأعلى للتربية والتكوين من أن آلية الاختيار الطوعي للمؤسسات قد تؤدي إلى تكريس الفوارق المجالية والاجتماعية بدل تقليصها، خاصة على حساب الوسط القروي والمؤسسات الأكثر هشاشة.

وفي مقابل هذه الاختلالات الميدانية، تضيف البرلمانية، يستمر الخطاب الرسمي في الترويج لأرقام ونسب حول “نجاح” تجربة الريادة وتحسن المردودية، دون نشر تقارير تقييم مفصلة أو معطيات إحصائية محينة وخاضعة لتقييم مستقل، بما يطرح إشكال الشفافية والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ينص على ذلك الدستور، خاصة الفصل 154 منه.

ودعت التامني وزير التربية الوطنية إلى توضيح الأسباب الحقيقية وراء تأجيل الامتحانات وتأخير الإعلان عن النتائج بمؤسسات الريادة، ومن يتحمل المسؤولية الإدارية والتربوية عن ذلك، وكشف التدابير الاستعجالية المتخذة لضمان احترام الزمن المدرسي وتكافؤ الفرص بين التلاميذ داخل هذه المؤسسات.

كما طالبت البرلمانية الوزير بكشف حقيقة الاختلالات المرتبطة بنقص الموارد البشرية والتجهيزات والمقررات الدراسية، والإجراءات المتخذة لمعالجتها وعدم تكرار نفس، مع إبراز آليات الحكامة والتتبع والتقييم المعتمدة في تنزيل مشروع مؤسسات الريادة، ومدى خضوعه لتقييم أو افتحاص مستقل.

ودعا السؤال إلى توضيح الأساس المنهجي و”المعطياتي” المعتمد في الإعلان عن الأرقام والمؤشرات المتعلقة بنجاح المشروع، وأسباب عدم نشرها بشكل شفاف ومفصل للعموم، مع المطالبة بتفسير التناقض القائم بين الخطاب الترويجي للإصلاح، والاختلالات العملية التي تمس حقوق المتعلمين وتضرب الثقة في حول اختلالات تنزيل مشروع مؤسسات الريادة وغياب الحكامة والشفافية العمومية.

تسريبات تعمق فقدان الثقة في المدرسة

من جانبه، قال فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمراكش إن مشهد التسريبات يعيد إنتاج نفس الفضائح التي عرفتها امتحانات البكالوريا والامتحانات الجهوية في السنوات الماضية، دون أن تكشف الدولة عن نتائج التحقيقات أو تتحمل مسؤوليتها في حماية المدرسة العمومية وضمان الحق في تعليم نزيه وعادل وذي جودة.

واعتبرت الجمعية في بلاغ لها أن هذا التسريب الجديد يكشف أن الوزارة لم تتجاوز أعطابها البنيوية، ولم تتخذ إجراءات جدية لتأمين الامتحانات الإشهادية، بل استمرت في نفس المقاربة الشكلية التي تكرس فقدان الثقة في المدرسة العمومية، وهو ما يتناقض مع التزامات المغرب الدولية.

وأضافت أن مشروع “الريادة” الذي يتم الترويج له إعلاميا باعتباره النموذج البيداغوجي “الأمثل” لا يمس جوهر المدرسة العمومية ولا يعالج أزمتها وأعطابها، بل يكرس الهدر المالي والبشري، ويحاط بشبهات فساد في صفقات الوسائل الإلكترونية الممولة من مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية وصفقات التغذية في التكوينات ومشاريع التهيئة.

وإلى جانب ذلك، فإن تنزيل المشروع، حسب الجمعية الحقوقية، يعرف اختلالات صارخة من بينها؛ تكليف هيئة التدريس وإرهاقها بمهام إضافية خارج اختصاصاتها القانونية، وإجراء تقويمات خارج الضوابط البيداغوجية مما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، إلى جانب تقليص الدور البيداغوجي للأستاذ وجعله هامشيا، عبر تحويله إلى مجرد منفذ لإجراءات تقنية وإدارية، بدل أن يكون فاعلا أساسيا في العملية التعليمية، مما يفرغ مهنة التدريس من جوهرها التربوي ويقوض مكانة المدرس كحامل للمعرفة وقيم التربية.

ونبه حقوقيو الجمعية إلى أن تأجيل الامتحان والمراقبة المستمرة لما بعد العطلة من شأنه إلحاق أضرار نفسية وبيداغوجية بالتلاميذ، حيث يؤدي إلى توتر وفقدان التركيز ويعرقل سيرورة الموسم الدراسي، بما ينعكس سلبا على جودة التعلم واستقرار العملية التربوية.

وحملت الجمعية الدولة مسؤولية مباشرة عن ضرب المدرسة العمومية، وعن دق آخر المسامير في نعشها، في تناقض صارخ مع التزاماتها الدولية، معتبرة أن مشروع “الريادة” لا يعدو أن يكون واجهة دعائية لنجاح زائف، في ظل احتجاجات الأسر وتذمر الأطر العاملة وشبهات الفساد التي تحيط به.

مطالب للوزارة بتصحيح الارتباك والعشوائية

وبدوره، انتقد النائب البرلماني حسن أومريبط الارتباك والعشوائية اللذين طبعا عملية تمرير الفروض الثانية المتعلقة بالمراقبة المستمرة، وكذا امتحانات الدورة الأولى بمؤسسات الريادة، وهي عملية أثارت استياء واسعا في صفوف الأطر التربوية والإدارية، وأثقلت كاهلها بأعباء إضافية غير مبررة.

وقال البرلماني في سؤال كتابي لوزير التربية الوطنية، إنه ومنذ الإعلان عن برمجة هذه الاستحقاقات، بدا واضحا أن العملية تعاني من اختلالات متعددة، سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ. إذ تم اعتماد جدول زمني ضيق جدا لتمرير الامتحانات وتصحيحها ومسك نقطها بمنظومة “مسار”، وهي منظومة تعاني بدورها من أعطاب تقنية متكررة، ما ضاعف الضغط على الأساتذة.

وأكد أومريبط أن هذا التدبير المرتبك، أدى إلى تذمر لدى عدد كبير من الأطر التربوية المنخرطة في مشروع مدارس الريادة، في ظل إقصاء مجموعة من المؤسسات المنخرطة في المشروع خلال الموسم السابق من منحة الريادة، رغم المجهودات الكبيرة التي بذلها الأساتذة دون تعويض ولا اعتراف بمجهوداتهم.

أما على مستوى عملية تمرير الامتحانات نفسها، فقد عرفت، حسب البرلماني، عشوائية غير مسبوقة، من أبرزها، عدم وضوح عدد من الأسئلة نتيجة طبع المواضيع بجودة ضعيفة، وفي غياب الطباعة بالألوان، خصوصا بالنسبة للمستويات الدنيا التي تعتمد بشكل أساسي على الدعم البصري أو عدم وضوح تعليمة السؤال أصلا.

كما أن الامتحانات المكيفة جاءت في عدد من الحالات أصعب من الامتحانات العادية، ولم تراع الفروق بين أنواع الصعوبات التعلمية، ولا طبيعة كل وضعية خاصة أو مرض يعانيه المتعلم وهو ما يتناقض مع مبدا الإنصاف الذي سطرته الوثائق الرسمية.

وتوقف السؤال على تأجيل بعض الامتحانات إلى ما بعد العطلة بعد تسريب مواضيعها قبل موعد الإجراء، نتيجة غياب الحرص الكافي من الوزارة على السرية التي يفترض أن تطبع مثل هذه الاستحقاقات الوطنية.

وانتقد الارتباك حتى على مستوى البلاغات الرسمية للوزارة، وهو ما زاد من حدة الغموض لدى الأطر التربوية والإدارية، وعمق الإحساس بغياب الدقة والتنسيق حتى في التواصل المؤسساتي الرسمي.

وأبرز المتحدث أن هذه الاختلالات ليست سوى نموذج بسيط من سلسلة طويلة من الإخفاقات التي رافقت تمرير الامتحانات بمؤسسات الريادة، وهي اختلالات لا تعرفها المؤسسات التعليمية “العادية”، مما يطرح أكثر من علامة استفهام حول طريقة تدبير هذا المشروع، ومدى انسجام تنزيله مع أهدافه المعلنة.

وطالب البرلماني الوزير بالكشف عن الإجراءات المزمع اتخاذها لتصحيح الارتباك والعشوائية اللذين رافقا تمرير الفروض الثانية وامتحانات الدورة الأولى بمؤسسات الريادة، ومدى عزم الوزارة على تخفيف الضغط عن الأطر التربوية، وضمان احترام الجودة التربوية والإنصاف، وسرية الامتحانات، بما يعيد الثقة في مشروع مدارس الريادة.

المصدر