تدين الرجل المغربي

منذ 1 سنة 4
ARTICLE AD BOX

هشام الوردي

تدين الرجل المغربي

الأربعاء 09 أبريل 2025 | 10:31

عندما تشرق الشمس على أسوار مدن المغرب العتيقة، وحين تتهادى المآذن بنداء الفجر، يدرك المغربي أن إيمانه ليس زيفًا يسقط مع أول قطرة مطر، ولا طلاءً سياسياً يغيره كما تُبدَّل الأوراق في خريف المصلحة. إنه تدين متغلغل في الأنسجة، يسري في الدم، ويمتزج بالهوية حتى يصبح من المستحيل فصله عن الروح.

آراء أخرى

  • جان جنيه: أربع ساعات في شاتيلا

  • الأزمة التونسية المغربية إلى أين؟

  • أوهام الوطن البديل!!

المغربي، ذلك الكائن العجيب، قد يلعن الحياة صباحًا، لكنه لا ينام قبل أن يهمس بآية الكرسي، كمن يضع قفلاً مقدسًا على بوابة روحه. قد تجده في الحانات، يرفع الكأس كمن تحدى كل شيء، لكنه حين ينتهي، يمرر يده على وجهه، ويتمتم: “الله يعفو علينا ويرحم ضعفنا”، وكأن قلبه يخشى أن يبيت دون صلة مع السماء.

أما في المشرق، فالإيمان هناك سلعة في مزاد، يرتفع سعره مع المواسم وينخفض حين تهدأ العاصفة. يلبسونه كما يلبسون الثياب الرسمية، بأزرار محكمة، لكن متى ما ضاق بهم، خلعوه ورموه على الكرسي خلفهم. عندنا، الدين ليس ثوبًا، بل هو جلد، وإن ضربته سياط الحداثة والتفسخ، ظل لصيقًا بنا، يشهد أننا ولدنا به ونموت عليه.

تدين المغربي ليس مجرد قناعة أو التزام اجتماعي، بل هو إحساس متوارث، يسكن الأسواق كما يسكن المساجد، ويعيش في ضحكة الفقيه كما يعيش في دعاء الأم التي لا تقرأ ولا تكتب. المغربي متدين لكنه لا يحب الفقهاء المتجهمين، فهو يفضل فقيهاً يبتسم له ويحدثه عن رحمة الله، بدل فقيه يحصي عليه أنفاسه ويخبره كل دقيقة أنه سائر إلى جهنم. وكان يحمل مفاتيحها.

ورغم دخول السلفية الوهابية إلى المغرب في التسعينيات، إلا أنها لم تترك أثرًا عميقًا في طبيعة التدين المغربي. فالمغربي بطبعه يغلب عليه طابع الربانية والحب النبوي القوي، ذلك الحب الذي قد يفتقر إليه المشرقي، حيث يكثر من الصلاة على النبي بخشوع، ويتشبث بالروحانية التي تجعل الدين أقرب إلى الذوق والسلوك منه إلى الشعارات والجدالات.

تجد المغربي يكثر من تسييد بعضهم البعض، فينادون “سي محمد”، “سي يوسف”، “سي مصطفى”، وكأن الاحترام في مخاطبة الآخر جزء لا يتجزأ من إيمانه. يفطر بشق تمرة في رمضان، وإن وجد مائدة مليئة بما لذ وطاب، يشكر الله كمن وجد كنزًا. في المشرق، قد يصوم الرجل نهاره ثم يجلس في مجلسه المسائي ليقيم محكمة دينية لكل من حوله، يوزع صكوك الغفران ويلعن من يشاء، كأنه وكيل السماء على الأرض.

أولئك الذين قرروا أن يهجروا هذا التدين المغربي الحر بالزعفران، فقد انتهى بهم المطاف مثل آلة مسجلة تعيد نفس الشريط الممل: “هذا حرام، هذا شرك، هذا بدعة”. يا صديقي، كيف تقنع مغربيًا أن صلاة الفاتح محرمة وهو يعتقد أن جدته لو توقفت عن قراءتها لانهارت الدنيا؟ كيف تشرح له أن زيارة الأولياء حرام وهو يعتقد أن سيدي عبد السلام بن مشيش قد يكون أقرب إلى الله منه ومنك؟ بل كيف تمنعه من الاحتفال بالمولد النبوي وهو يرى أن ليلة المدح والسماع أفضل عنده من ألف محاضرة عن التحريم؟

ثم يأتي من يريد أن يستورد إلينا تدينًا بلا ملح، تدينًا يشبه وجبة بلا توابل، لا روح فيه ولا بركة. يريدون أن يجعلوا تدين المغربي يشبه صحراء جرداء، بينما هو تدين الجبال والبحر والزوايا، تدين فيه البركة والأنس وكأس شاي بالنعناع بعد صلاة المغرب. تدين لا يعرف التكلف، تدين منفتح لا يُسجن في الكتب الصفراء، بل يُعاش في الأسواق، والمواسم، والاحتفالات، وتحت ضوء القناديل في زوايا الذكر.

أما من يصرّ على أن يخلع عن المغربي تدينه المريح، ويجعله عبوسًا مكفهرًّا مثل تدين الصحراء الجافة، فإنه في الغالب ينتهي غريبًا بين قومه، متجهماً بين الضاحكين، يلقي محاضراته عن الحلال والحرام، بينما يُسرب له أحدهم كوب شاي بالنعناع لعله يهدأ. المغربي قد يستمع، قد يجادل، لكنه في النهاية سيعود إلى حيث يجد البركة، والدعاء الصادق، وصوت البندير في الحضرة، و”الحلاوة” في الدين بدل الجفاف، وكأس شاي مُسكر بسكر القالب، يزينه عود نعناعٍ أخضر يهتز كما تهتز قلوب العارفين بالله.

لم ينخدع المغربي كثيرًا بأفكار فقهاء الرمال، فهو يفهم الدين بروحانيته، لا بعصاه. لا يهوى التشدد، لكنه لا يفرط في الأساسيات، فهو يصلي الجمعة لكنه لا يمانع في سماع “العيطة” بعدها من حنجرة “حجيب”. لا تعجبه الفتاوى المتشددة، لكنه لا يرد يد طالب للمعروف. إنه ذلك المسلم الذي قد يضيع وقت الصلاة وهو يناقش فوائدها، لكنه لن يترك “مولاي إدريس” دون زيارة.

إنه تدين “القلب الخفيف”، بلا أحمال ثقيلة، بلا أعباء الذنب الثقيلة التي تروجها مصانع الفقه الصارم. المغربي متدين كما يحب، لا كما يطلبون منه أن يكون.

المغربي، لا يدع أحدًا يزايد عليه في دينه. فهو لم ترثه من خطاب سياسي، ولا من موجة أيديولوجية عابرة. إنه في عيني جدته التي كانت تهمس بالبسملة وهي تغلق باب الدار، وفي دعاء والده الذي كان يخرج كل صباح قائلاً: “توكلت على الله”، وفي قلبه، حيث تسكن طمأنينة لا يعرفها المتأرجحون بين الإفراط والتفريط.

الدين عند المغربي ليس أزمة، بل هوية تشكلت في قلبه وعقله الجمعي منذ اشرق فجر الإسلام في المغرب.

المصدر