تحليل: الانسحاب الفرنسي والأوربي من مالي “ليس عملية سهلة”

منذ 4 سنوات 19
ARTICLE AD BOX

بعد 9 سنوات من القتال، قررت فرنسا سحب قواتها من مالي وإبقائها في منطقة الساحل، بعد أزمة غير مسبوقة مع المجلس العسكري في باماكو، ودخول شركة فاغنر الروسية كمنافس وبديل للفرنسيين، الذين تنتظر رئيسهم إيمانويل ماكرون، انتخابات رئاسية مصيرية على بُعد أسابيع.

ولا يبدو المجلس العسكري بمالي، مكثرتا لقرار فرنسا وحلفائها الأوربيين سحب قواتهم من بلاده، بل طالبهم بالرحيل “دون تأخير”، وخرجت مظاهرات حاشدة في العاصمة المالية باماكو للتعبير عن الفرحة بقرار الانسحاب. فبالنسبة للحكومة المالية، ولفئات واسعة من الشعب المالي فإن عملية برخان العسكرية- التي أطلقتها فرنسا في 2014- بعد إنهائها عملية سيرفال في شمال مالي، انتهت بالفشل.

ويشيرون في كل مرة إلى أن الجماعات المسلحة كانت تسيطر على 20 في المائة من الأراضي المالية قبل تدخل الجيش الفرنسي في 2013، لكنها اليوم تنشط في 80 في المائة من أراضي البلاد. ولا يتقبل الماليون أن قوات بحجم الجيش الفرنسي لا يمكنها القضاء على جماعات ذات تسليح محدود. ويعتقدون -حسب ما يتم تداوله عبر وسائل الإعلام المحلية وشبكات التواصل الاجتماعي- أن باريس تستعمل حجة مكافحة الإرهاب كذريعة للبقاء في بلادهم والهيمنة على ثرواتها.

أخطر من ذلك تتهم الحكومة المالية الجيش الفرنسي بتدريب جماعات “إرهابية”، في إشارة إلى متمردي الطوارق والأزواد في الشمال، والذين وقعت معهم باماكو اتفاقية الجزائر التي أنهت تمردهم. لكنها تخشى أن تحاول باريس تشجيع الطوارق للتمرد مجددا عبر تسليحهم وتدريبهم، مما سيضاعف التهديدات الأمنية ضد الحكومة المركزية، التي تقاتل عدة جماعات مسلحة مقربة من تنظيمي “داعش” والقاعدة الإرهابيين.

الحكومة المالية غاضبة من باريس

الحكومة المالية انتقدت بشكل علني، عدم تنسيق باريس معها عندما قررت الانسحاب من مدن تيساليت وكيدال وتومبوكتو شمالي البلاد، واعتبرت أنها “تخلت عنها” في حربها ضد الجماعات المسلحة. وتبدي الحكومة المالية برئاسة شوغل كوكالا مايغا، رغبة في تعزيز سيادتها على البلاد، في مواجهة انتهاك فرنسا لهذه السيادة مرارا وبأشكال مختلفة، دبلوماسيا وعسكريا. ناهيك عن رفض فرنسا للانقلابَين اللذين قادهما العقيد عاصيمي غويتا، في 2020 ثم في 2021، وسعيها بكل الأشكال لعزل الانقلابيين، عبر حلفائها في غرب إفريقيا وأوربا.

ووصل الخلاف بين فرنسا ومالي إلى حد طرد السفير الفرنسي لدى باماكو، بعد سلسلة من الإهانات المتبادلة، آخرها على خلفية مطالبة المجلس العسكري بسحب كتيبة دانماركية من بلاده ضمن عملية “تاكوبا” الأوربية التي تقودها باريس. و رغم مطالبة باماكو برحيل القوات الفرنسية الرحيل “دون تأخير”، إلا أن ماكرون، لا يريد تكرار مشهد الانسحاب الأمريكي الكارثي من أفغانستان، حتى لا يؤثر ذلك على صورته أمام الناخبين الفرنسيين في انتخابات آبريل المقبل.

ماكرون يريد انسحابا بطريقة منظمة، وبرر عدم رغبته في رحيل سريع من مالي بضرورة “الاستمرار في تأمين حماية لبعثة الأمم المتحدة في مالي (مينوسما) وقوات أجنبية أخرى في البلاد”. وقال في مؤتمر صحفي ببروكسيل “لن أساوم لأي لحظة” على أمنهم.

ويتواجد في شمالي مالي 13 ألف عنصر من القوات الأممية، بينما يتمركز نحو 2400 عسكري فرنسي بنقاط مختلفة من مالي من إجمالي 4 آلاف و600 فرد منتشرين في الساحل، بحسب المتحدث باسم هيئة الأركان الفرنسية العقيد باسكال إياني، في مؤتمر صحافي بباريس. وهذه إشارة إلى أن القوات الأممية قد تنسحب هي الأخرى من شمالي مالي خلال الأشهر المقبلة، خاصة وأنها تضم عناصر ألمانية وأوربية ومن تشاد أيضا، وذلك بتحريض من فرنسا العضو الدائم في مجلس الأمن.

المتحدث العسكري الفرنسي، أكد أن هذا الانسحاب لن يتم إلا بعد 4 إلى 6 أشهر، أي خلال الصيف المقبل بعد أن تكون الانتخابات الرئاسية الفرنسية بجولتيها طوت صفحاتها. فماكرون، الذي يعد الأقرب لحد الآن للفوز بولاية رئاسية ثانية بحسب استطلاعات الرأي، يرغب في استثمار هذا الانسحاب لصالحه خلال الحملة الانتخابية دون أن يؤثر ذلك سلبا على صورته.

فمن جهة، يُرضي الانسحاب من مالي قطاعا واسعا من الرأي العام الفرنسي، الذي لا يرى جدوى من بقاء قوات بلاده في صحراء الساحل القاحلة، ومن جهة أخرى تأجيل الانسحاب النهائي إلى ما بعد الانتخابات يسمح بتفادي أي ردود فعل سلبية أو حديث عن هزيمة فرنسية في مالي، سببها ماكرون. كما أن القوات الفرنسية لن تذهب بعيدا، إذ ستنتقل إلى النيجر المجاورة، والتي تعتبر الدولة الوحيدة إلى جانب موريتانيا بين دول الساحل التي شهدت انتقالا ديمقراطيا للسلطة، على عكس مالي وتشاد وبوركينا فاسو.

مخاطر الانسحاب

المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا وبالأخص السنغال وكوت ديفوار، تبدو الأكثر قلقا من الفراغ الذي قد يحدث انسحاب القوات الفرنسية والأوربية من مالي. وعبر عن هذا القلق الرئيس الإيفواري الحسن واتارا، قائلا إن “الانسحاب المتوقع للقوات الفرنسية والأوروية من مالي يخلق فراغا سيحتم على جيوش غرب إفريقيا البقاء بالخطوط الأمامية في القتال” ضد الجماعات المسلحة بالساحل.

أما الرئيس السنغالي ماكي سال، فحذر خلال القمة الإفريقية الأوربية في بروكسل، من أن مغادرة القوات الفرنسية والأوربية والأممية “فلن تكون هناك قوات قادرة على تأمين مالي”. إذ أن الجماعات المسلحة وخاصة التابعة لـ”داعش” والقاعدة، ستعتبر الانسحاب الفرنسي والأوربي من مالي انتصارا لها، وقد تسعى لتكثيف هجماتها في شمال مالي باعتبارها النقطة الأضعف في الساحل الإفريقي، قبل أن تتمدد جنوبا نحو باماكو ودول الساحل الأخرى، بل وحتى دول غرب إفريقيا.

إحدى مؤشرات هذا التوجه، إعلان الجيش المالي السبت الماضي في بيان، مقتل 8 من جنوده، وإصابة 14، وفقدان 5 آخرين، في معارك مع جماعات مسلحة قال إن قواته المدعومة بالطيران العسكري تمكنت من قتل 27 “إرهابيا” وتدمير مقراتهم. ووقعت هذه المعارك بالتزامن مع إعلان فرنسا انسحابها من مالي، وفي منطقة تيسيت، القريبة من مدينة غاو، بالقرب من الحدود الثلاثة مع النيجر وبوركينا فاسو، التي شهدت قبل أيام مجزرة مروعة راح ضحيتها 40 مدنيا على الأقل على يد مسلحين، اتهموهم بالتعاون مع جماعة منافسة.

ومع انسحاب القوات الفرنسية والأوربية وربما الأممية، فستحتكر روسيا الساحة المالية، عبر فاغنر، التي وصل عدد عناصرها إلى 800 فرد، بحسب إعلام فرنسي في انتظار أن تصل إلى ألف عنصر. ومع تركيز روسيا على الجبهة الأوكرانية قد يتقلص اهتمامها بمالي، مما يجعل التحديات والثقل أكبر على الجيش المالي لمواجهة مرحلة صعبة وخطيرة في تاريخ البلاد.

عن وكالة الأناضول

المصدر