تحليل إخباري: لماذا فشل الغربيون في تحويل بوتين إلى منبوذ؟

منذ 3 سنوات 3
ARTICLE AD BOX

تحليل إخباري: لماذا فشل الغربيون في تحويل بوتين إلى منبوذ؟

فلادمسر بوتين

فرانسوا بوكون

الأحد 26 يونيو 2022 | 11:46

تتوخى العديد من الدول الحذر وتخشى على مصالحها، بينما هي مستاءة من المعسكر الغربي، ترفض الانخراط في القتال ضد فلاديمير بوتين. على الرغم من أنها أدانت غزو أوكرانيا، إلا أنها لم تعلن انضمامها إلى العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، ما يعني ان المعركة ضد سيد الكريملين ليست من أولوياتهم.

عند ظهور أزمات جديدة، يلجأ المحللون والمعلقون إلى مجموعة متنوعة من الأحداث التاريخية لفهم المجهول على نحو أفضل، بناء على الأصل الجغرافي أو الانتماء إلى جيل معين.

لم تكن الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت اثر الاجتياح الروسي في 24 فبراير، بمنأى عن هذا الاتجاه، ويجب أن ندرك أن أصحاب المصلحة هم أنفسهم ألقوا بنا في الحرب العالمية الثانية. لقد برر فلاديمير بوتين قرار بدء “عمليته الخاصة” بضرورة محاربة النازيين الموجودين في السلطة في أوكرانيا، فيما وصف فولوديمير زيلينسكي المستبد الروسي بأودولف هتلر، بيد أن خطابات الرئيس الأوكراني الذي يُقارن بونستون تشرشل ماتزال مليئة بالتشبيهات.

في المعسكر الغربي، رأينا أيضا إشارات إلى اتفاقيات ميونيخ الموقعة مع هتلر لتجنب الحرب، والتي أصبحت الآن مرادفا للاستسلام، والهجمات الألمانية عام 1939 ضد تشيكوسلوفاكيا وبولندا.

يخبرنا الباحث في الحروب الأهلية، إريك مونسنجر، أن كل هذه الاستفزازات تعطينا انطباعا بأننا نعيش بالتزامن في عصرين مختلفين، وما يحدث ليس مجرد عبارات خطابية، ولكن يمكن أن يؤدي استخدامها أيضا إلى “تغيير تصور الناس للحاضر والتأثير على سلوكهم اللاحق”.

ويضيف الباحث:”بينما قاوم الجيش الأوكراني وغزت المقارنات التاريخية الفضاء العام تدريجيا، تحول رد الفعل الغربي بين عشية وضحاها من التهدئة إلى “الحرب الاقتصادية الشاملة “.

مع اندلاع الصراع، تميل المقارنات إلى الاختفاء لإفساح المجال للحاضر الطاهر، والذي سيولد أيضا تشابهات تاريخية أخرى.

من الآن فصاعدا، عندما يتعلق الأمر بالتحضير لسلام افتراضي ومفاوضات محتملة، هي إشارة ملحة إلى حرب باردة، وهذا بالضبط ما حصل عندما اشتبك معسركان، وهما الكتلة السوفيتية بقيادة موسكو، والكتلة الغربية بقيادة واشنطن، هذه الأخيرة التي قدمت نفسها على أنها “العالم الحر”.

كانت حركة عدم الانحياز تحاول التعجيل باندلاع المبارزة، حيث وجدنا الصين الماوية، والتيتو في يوغوسلافيا بالإضافة إلى عدد من البلدان الإفريقية. وهكذا يرمز الستار الحديدي إلى هذا التقسيم بين جزئين من العالم، ففي حالة أوربا نجد الجزء الغربي في مقابل الشرقي.

في يوم غزو بلاده، قال فولوديمير زيلينسكي: “ما سمعناه اليوم لم يكن فقط إطلاق الصواريخ والقتال وهدير الطائرات، إنه صوت ستارة حديدية جديدة سقطت وحجبت روسيا عن العالم المتحضر”.

قصة غربية

كما أشار المحللان، كيلي جريكو وماري جوردان: “كانت هذه القصة الاستراتيجية فعالة من أجل تحفيز الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والديمقراطيات التي تتشارك في نفس الأفكار، بالاعتماد على الذكريات الوطنية للمواجهات والحروب الأيديولوجية في القرن العشرين. إن ذلك يناشد القيم الليبرالية الراسخة بعمق في الولايات المتحدة وأوروبا، ويؤسس لوحدة أكبر حول هدف غربي أكبر”.

في نفس الوقت يحذر المحللان، من الانهيار الذي حدث في مناطق أخرى من العالم، “لن يكتفي الغربيون بالتلويح بتفوقهم الأخلاقي المزعوم في معركتهم ضد فلاديمير بوتين، والادعاء بأنها معركة الديمقراطيات ضد الأنظمة الاستبدادية”، يؤكد جريكو و جوردان، أن هذه الفكرة محض “أسطورة”.

إن موقف الهند هو خير مثال على ذلك، كما هو الحال في جنوب إفريقيا والبرازيل والمكسيك وإندونيسيا. لقد قررت غالبية الحكومات ان تمتنع عن إدانة العدوان الروسي وفقا لقرارات الأمم المتحدة، كما رفضت الانضمام إلى العقوبات المفروضة على موسكو. من جانبه رأى البابا فرانسيس أنه “يجب علينا الابتعاد عن النمط المعتاد للقلنسوة الحمراء الصغيرة الذي هو أمر جيد، بينما الذئب هو السئ”، غير أنه ينكر ان يكون منحازا إلى صف فلاديمير بوتين، قائلا: “أنا ببساطة ضد الاستهتار بالتعقيد في التمييز بين الخير والشر، دون التفكير في الجذور والمصالح، وهما معقدان للغاية”.

“الكيل بمكيالين”

ينم عن الاستئياء ذلك الترقب والانتظار والمواقف المتناقضة التي عبرت عنها العديد من البلدان. والآن يدفع الغربيون ثمن التزاماتهم السابقة وتدخلاتهم في العراق وليبيا وأفغانستان. ولا يزال يُنظر إلى البلدان الناشئة على أنها تمارس سياسة “الكيل بمكيالين” عندما يتعلق الأمر بمصالحهم.

تم تسليط الضوء على الزيارة التي قامت بها رئيسة المفوضية الأوربية، أورسولا فون دير لاين، إلى إسرائيل للتفاوض حول التعاون في مجال الطاقة. من جهة أخرى، تعلق إيناس عبد الرزاق مديرة معهد فلسذين للدبلوماسية العامة، قائلة: ” يحاول الاتحاد الأوروبي تقليل اعتماده في مجال الطاقة على روسيا بسبب عدوانها واحتلالها لأوكرانيا، لكنها تستبدل هذا الاعتماد باعتماد متزايد على محتل وحشي آخر – إسرائيل – الذي يطبق نظام الفصل العنصري ضد الفلسطينيين”.

حتى لا يخسروا معركة الخطابة أمام موسكو، يجب على الغربيين التمسك بالقانون الدولي، واحترام السيادة ووحدة الأراضي، وأيضا الاستجابة لمخاوف الدول الناشئة، خاصة الإفريقية، التي تعتبر ضحية صعود أسعار الطاقة وإغلاق أسواق الغذاء بسبب الحرب.

مؤخرا قام رئيس السينغال ورئيس الاتحاد الإفريقي، ماكي سال، بزيارة إلى روسيا عقبتها زيارة إلى فرنسا، من اجل الاجتماع بنظيريه بوتين وإيمانويل ماكرون. إذا كان الأول قد عزى نقص الغذاء إلى العقوبات الغربية وألقى باللوم عليها، فإن الثاني يحمل المسؤولية إلى روسيا. في ذات السياق أوضح ماكي سال قائلا: “ليس نقاشنا من هو المخطئ ومن هو الذي على حق، إننا نريد فقط الحصول على الحبوب الأسمدة” وأضاف أن الأفعال أبلغ من الكلام أو الوعود.

خلال يوم الغزو، ادعى الرئيس الأمريكي جو بايدن وهو يعلن حزمة العقوبات بان بوتين سيصبح “منبوذا في الساحة الدولية”. بعد أربعة أشهر، الرئيس الأمريكي نفسه يستعد لزيارة المملكة العربية السعودية للقاء ولي العهد محمد بن سلمان، بعدما توعد بانه سيحول السعودية إلى بلد منبوذ بسبب على خلفية اغتيال اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في 2018. ذلك يكشف أن المصالح أهم من القيم.

ـ المصدر: ميديا بارت

ـ ترجمة: عبد الحكيم الرويضي

المصدر