ARTICLE AD BOX
تستعد الأمم المتحدة لمرحلة جديدة قد تكون حاسمة في ملف الصحراء، مع اقتراب جلسة مجلس الأمن المقررة قبل نهاية أكتوبر الجاري للتصويت على مشروع قرار يُنظر إليه باعتباره الأكثر جرأة منذ بدء النزاع قبل نحو نصف قرن.
ويضع النص الجديد، الذي تقدمت به الولايات المتحدة، سقفًا زمنيًا واضحًا للتوصل إلى حل سياسي “نهائي ومقبول من الطرفين” قبل 31 يناير 2026، في خطوة غير مسبوقة من حيث تحديد أجل لإنهاء المفاوضات بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر.
فقرة غامضة تخلط بين “الحكم الذاتي” و”تقرير المصير”
مشروع القرار، الذي جرى تداوله بصيغة شبه نهائية بين الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، تضمن فقرة أثارت نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الدبلوماسية.
ففي الفقرة الثالثة، يدعو المجلس الطرفين إلى استئناف المفاوضات “على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي” من أجل التوصل إلى حل يضمن “حكمًا ذاتيًا حقيقيًا داخل الدولة المغربية باعتباره الحل الأكثر جدوى”، لكنه يضيف في الوقت نفسه “مع ضمان حق تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية”.
هذه الصياغة، وفق دبلوماسيين في نيويورك، تعكس تسوية لغوية دقيقة تهدف إلى الحفاظ على الإجماع داخل المجلس بين داعمي الطرح المغربي (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا) والمتمسكين بالمبدأ الأممي لتقرير المصير (روسيا، الصين).
ويرى مراقبون أن الغموض في الصياغة قد يكون مقصودًا لإبقاء الباب مفتوحًا أمام تأويلات مرنة، بما يسمح بإحراز تقدم في المفاوضات دون نسف الأسس القانونية القائمة على قرارات مجلس الأمن السابقة.
الحكم الذاتي “الحقيقي”.. مصطلح جديد في قاموس القرارات الأممية الخاصة بالصحراء
في نص نفس مشروع القرار الجديد، وردت عبارة تصف الحكم الذاتي بكونه «حقيقيا»، وهو ما اعتبره مراقبون تطورًا لافتًا في الصياغة الأممية، إذ يَرِدُ للمرة الأولى في نص رسمي صادر عن مجلس الأمن، بعد أن كانت العبارة نفسها قد استخدمتها وزارة الخارجية الأمريكية في بيان صدر في أبريل الماضي، حين أكدت دعمها لـ«حكم ذاتي حقيقي» (genuine autonomy) في الأقاليم الجنوبية للمغرب.
كما أعاد المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، ستيفان دي ميستورا، استخدام الصيغة ذاتها في إحاطته المقدّمة أمام مجلس الأمن أواخر الشهر نفسه، عندما دعا الرباط إلى تقديم «توضيحات وتفصيلات إضافية حول مضمون وصلاحيات الحكم الذاتي الذي تقترحه»، مؤكداً أن أي تسوية سياسية يجب أن تُترجم هذا المفهوم بشكل ملموس و«حقيقي».
ويرى مراقبون أن إدراج هذا الوصف في مشروع القرار الحالي يشكّل مؤشراً على محاولة الأمم المتحدة الدفع نحو تفعيل الصيغة المغربية للحكم الذاتي ضمن إطار سياسي واضح، يضمن ممارسة سلطات موسعة في الإقليم مع الحفاظ على سيادة المغرب ووحدة أراضيه، في توازٍ مع مبدأ تقرير المصير الذي يطالب به الطرف المقابل.
تحرك مغربي مكثف لكسب تأييد موسكو وبكين
في مواجهة هذا التوازن الدقيق، كثّف المغرب تحركاته الدبلوماسية خلال الأسابيع الأخيرة، خاصة تجاه روسيا والصين اللتين ظلتا متحفظتين في مواقفهما من مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب عام 2007.
وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة زار موسكو الأسبوع الماضي حيث التقى نظيره الروسي سيرغي لافروف، في زيارة وُصفت بأنها “مفصلية” في سياق مساعي الرباط لتليين الموقف الروسي داخل مجلس الأمن.
وخلال الزيارة، تم توقيع اتفاق جديد للصيد البحري بين المغرب وروسيا يمتد لأربع سنوات، ويُنظر إليه كمؤشر على رغبة البلدين في تعزيز التعاون الاقتصادي لخلق أرضية سياسية أكثر تقاربًا.
وجاءت التصريحات اللاحقة لوزير الخارجية الروسي لتؤكد هذا التحول، إذ قال لافروف إن بلاده “ستدعم أي حل مقبول لجميع الأطراف”، مضيفًا أن مقترح الحكم الذاتي المغربي يمكن أن يُعتبر أحد أشكال تقرير المصير إذا تم التوافق حوله تحت إشراف الأمم المتحدة.
موقف موسكو الجديد فُهم على نطاق واسع كـ”تليين غير معلن” لدعمها التقليدي للجزائر، الحليف التاريخي لروسيا في المنطقة. ويرى محللون أن البراغماتية الروسية تتجلى في رغبتها بالحفاظ على علاقات متوازنة مع الرباط في ظل التوتر مع الغرب، خاصة وأن المغرب لم ينخرط في العقوبات الغربية على موسكو، كما يلتزم بمبدأ “الصين الواحدة” في قضية تايوان، ما يمنحه رصيدًا دبلوماسيًا إيجابيًا لدى الكرملين وبكين معًا.
واشنطن وباريس ولندن: دعم ثابت للمغرب
على الجانب الآخر، تؤكد الولايات المتحدة استمرارها في دعم سيادة المغرب على الصحراء. فقد أعلن كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، في مقابلة تلفزيونية من شرم الشيخ، أن واشنطن “تستعد لافتتاح قنصلية في الصحراء قريبًا”، مشددًا على أن “هذه هي الصحراء المغربية”.
وأشار بولس إلى أن بلاده “تعوّل على القيادة الملكية المغربية لإيجاد حل دائم”، موضحًا أن القرار الجديد لمجلس الأمن “سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح نحو حل نهائي”.
الموقف الأميركي يتقاطع مع موقفي فرنسا والمملكة المتحدة، اللتين تعتبران مبادرة الحكم الذاتي المغربية “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية”.
وفي المقابل، تتبنى إسبانيا موقفًا أكثر براغماتية منذ إعلان رئيس حكومتها السابق بيدرو سانشيز دعم المقترح المغربي عام 2022، رغم محاولته لاحقًا التوفيق مع الجزائر لتخفيف التوتر الثنائي.
فرنسا من جهتها تُعدّ الراعي الأوروبي الأبرز للموقف المغربي داخل المجلس، إذ يرى مراقبون أن باريس، الساعية لاستعادة نفوذها في إفريقيا، تعتبر دعم الرباط عنصرًا أساسيا لاستقرار شمال وغرب إفريقيا، في ظل تصاعد الحضور الروسي عبر “فاغنر” في دول الساحل.
الجزائر والبوليساريو: تشكيك وتمسك بـ”الاستفتاء”
في المقابل، رفضت الجزائر وجبهة البوليساريو أي صيغة تدمج بين الحكم الذاتي وتقرير المصير، معتبرتين أنها “محاولة لتفريغ المبدأ الأممي من مضمونه”.
ففي بيان صدر عن وزارة الخارجية الجزائرية، أكدت الجزائر أن “أي حل لا ينص صراحة على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره عبر استفتاء حر ونزيه يبقى مرفوضًا”.
وأضاف البيان أن الجزائر “تتابع بقلق محاولات بعض الأطراف الالتفاف على الشرعية الدولية”، في إشارة إلى الموقفين الأميركي والفرنسي.
أما جبهة البوليساريو، فقد وصفت مشروع القرار بأنه “خطير ومتناقض”، وقالت في بيان إن “الحديث عن حكم ذاتي داخل المغرب يتنافى مع روح قرارات الأمم المتحدة التي تنص على تمكين الشعب الصحراوي من اختيار مستقبله بحرية”، مشيرة إلى أن إدراج “حق تقرير المصير” في الفقرة نفسها مع “الحكم الذاتي” يُعدّ “انتصارًا جزئيًا” لفكرة الاستفتاء، لكنه “غامض ومفتوح على التأويل”.
وساطة سعودية محتملة لإذابة الجليد بين الرباط والجزائر
في نفس الاتجاه يأتي اللقاء الذي جمع الملك محمد السادس بالأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز آل سعود، وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء السعودي، كمبعوث خاص من العاهل السعودي الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، في سياق إقليمي متحرك يثير تساؤلات حول احتمال وجود مبادرة وساطة سعودية تهدف إلى تليين المواقف بين المغرب والجزائر.
ويعزز هذا الطرح استقبال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لسفير المملكة العربية السعودية في الجزائر قبل أيام، في خطوة رآها مراقبون مؤشراً على تحرك دبلوماسي هادئ تسعى من خلاله الرياض إلى تقريب وجهات النظر بين البلدين الجارين، بعد سنوات من القطيعة الدبلوماسية.
وتكتسب احتمالات الوساطة السعودية زخماً متزايداً في ظل مساعٍ أمريكية موازية لدفع الجزائر نحو الانخراط في تسوية سياسية للنزاع حول الصحراء، الذي يظل جوهر الخلاف بين الرباط والجزائر. فالأخيرة تواصل دعم جبهة “البوليساريو” والطرح الانفصالي، بينما يتمسك المغرب بمقترح الحكم الذاتي الموسّع الذي قدّمه سنة 2007 باعتباره “الحل الواقعي والوحيد القابل للتطبيق”، وفق ما تؤكد الرباط في مختلف المحافل الدولية.
في انتظار التصويت
قبيل جلسة التصويت المنتظرة، تتجه الأنظار إلى موقفي روسيا والصين اللتين تمتنعان عادة عن التصويت في القضايا الخلافية، ما يُرجّح أن يمر القرار بأغلبية مريحة.
غير أن الغموض الذي يكتنف الفقرة الثالثة من مشروع القرار الأممي بخصوص الصحراء يبقي الباب مفتوحًا أمام تفسيرات متناقضة قد تُؤجل الحسم النهائي مرة أخرى.
لكن الجديد في القرار – وفق مراقبين – هو أنه يفرض مهلة زمنية للمفاوضات، ما قد يجعل عام 2026 عامًا فاصلاً في هذا النزاع الذي طال نصف قرن بين طموحات السيادة المغربية ومطالب تقرير المصير.
.jpg)
منذ 6 أشهر
3






