تبرير الانتهاك في خدمة الإمبريالية

منذ 3 أشهر 10
ARTICLE AD BOX

عبد الحكيم الزاوي

تبرير الانتهاك في خدمة الإمبريالية

الأحد 11 يناير 2026 | 13:16

لم يكتفي أبناء المنطقة الأفريقية بالمجازر والانتهاكات والعربدة التي وقعت على شعوبنا لزمن طويل عبر الاستعمار المباشر وغير المباشر، لكي يصيغوا لنا موقفا منحازا إلى سردية الهامش، إلا أنه يقع العكس، ومع التطور الإعلامي والتكنولوجي أصبح الجميع يعلم ويرى العربدة الأمريكية والغربية على شعوبنا، ومع ذلك نخبنا تنحاز إلى سردية الغرب، تخيلوا معي أن اغلب شعوبنا لها شهداء على طريق التحرر وتضحيات جسام على يد الاستعمار، ومع ذلك هناك من يؤيد المجازر في حق أبناء الشعب الفلسطيني أمام مرأى ومسمع العالم، والغرب بأعتى مواقعه وقنواته يبرر قتل الأطفال والنساء، وما حدث مع اليمنيين وأينما وليت وجهك ستجد أمريكا والغرب سبب المآسي والدمار لهذا فا من البلادة والغباء السياسي أن يمجّد بعض من نخبنا الانتهاك الذي وقع في فنزويلا، وأن يُقدَّم اعتقال رئيسٍ منتخبٍ واختراقُ سيادة دولةٍ كـ«انتصار للعدالة» أو «نهاية مستحقة لديكتراتور»، بينما هو في الحقيقة حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التدخلات الإمبريالية في شؤون الشعوب.

آراء أخرى

  • اختطاف "مادورو" بداية لحقبة دولية جديدة

  •  الأندلس.. بوتقة تسامــح وتلاقــح ثقافي فــريـد في تاريخ الشعوب

  • "كان المغرب" بروفة للتلفزيون لمواكبة مونديال 2030

ما جرى في كاراكاس ليس استثناءً، بل استمرار لمنطق القوة الذي يحكم علاقة المركز الرأسمالي الإمبريالي بأطرافه التابعة من عقوبات، حصار، تدخلات «قانونية» حينًا، وعسكرية فجة حينًا آخر، مرورًا بأدوات الهيمنة الاقتصادية كصندوق النقد والبنك الدولي، وانتهاءً بالاجتياح المباشر، فشعوب منطقتنا تعرف جيدًا؛ ان سيادتها تُنتهك يوميًا عبر برامج «إصلاح» مفروضة، خصخصة قسرية، ديون خانقة، وقواعد عسكرية، ثم يُطلب منها أن تصدق أن ما يحدث في فنزويلا دفاع عن «القانون الدولي» و«حقوق الإنسان».

ما يقع هناك جزء من المسار نفسه الذي ينهب هنا، وإن اختلفت اللغة والأعلام والأسماء.
الإمبريالية كمنظومة الصهيو-أمريكا وأوروبا، كتلة رأسمالية مركزية متشابكة المصالح، تختلف في التكتيك أحيانًا، لكنها تتفق على ضرورة إبقاء الأطراف في حالة تبعية وهشاشة دائمة. الإمبريالية، كما صاغها لينين، ليست مجرد نزعة عدوانية نفسية، بل مرحلة من تطور الرأسمالية حين يتداخل رأس المال المالي والاحتكاري مع جهاز الدولة العسكرية والأمنية، فتُدار الجغرافيا العالمية كشبكة مصالح لا كمجتمع دول متكافئة.

في هذا السياق، يصبح ما يفعله ترامب، أو بايدن، أو أي رئيس غربي آخر، تعبيرًا عن منطق بنيوي لا عن نزوة فردية. أن يُختطف رئيس هنا، ويُدبَّر انقلاب هناك، ويُدار حصار مدمّر هناك، هو استمرارية لوظيفة المركز، ضبط الأطراف، معاقبة كل محاولة استقلال، وضمان تدفق الموارد الخام والأرباح نحو الأعلى.

السؤال المحير والمحزن كيف يصل الأمر إلى أن «أبناء جلدتنا» أنفسهم يصفقون لهذه العربدة، ويحللون الواقع استنادًا إلى السردية الأمريكية نفسها التي تسحق شعوبهم؟ هنا يتحولون الى جزءًا من «الجهاز الأيديولوجي» للإمبريالية عن وعي او بدونه.

هذه النخب، حتى حين ترفع خطابًا يساريًا أو «حقوقيًا» أو «ديمقراطيًا»، تمارس تفكيرها داخل نفس النسق بحيث تتبنى معايير شرعية مصدرها الغرب وحده. تقبل ضمنيًا احتكار المركز لتعريف «الديمقراطية» و«الإرهاب» و«الدولة الشرعية». تقيس كل تجربة مقاومة أو تجربة يسار في الجنوب بمعايير مستوردة، متجاهلة علاقات القوة غير المتكافئة والحصار والعدوان.

من منظوري، هذا ليس مجرد خطأ أخلاقي، بل موقع طبقي، نخب متموضعة ماديًا ورمزيا داخل بنية التبعية، تستمد جزءًا من رأسمالها الرمزي والمهني من الانخراط في خطاب المركز، فتتحول إلى وسطاء أيديولوجيين في المجتمعات المحلية.

سقوط السردية الغربية لم تكون بدياته مع هذا الحدث لكنه حلقة من سلسلة طويلة واخرها ما حدث ويحدق في غزة وصولا الى فنزويلا ف حرب غزة،لا يغيّر الموضوع، بل يربط الحلقة الفنزويلية بسياق أوسع انكشاف السردية الليبرالية الغربية. النظام الذي ادّعى عقودًا أنه حارس «حقوق الإنسان» و«القانون الدولي» وقف، عيانًا بيانًا، إلى جانب إبادة جماعية ظاهرة، ووفّر لها الغطاء السياسي والعسكري والإعلامي.

هنا يتكثف الدرس الاساسي: القانون الدولي، و«قيم الأنوار»، و«حقوق الإنسان»، ليست محايدة؛ هي تُفَعَّل حين تخدم مصالح المركز، وتُعطّل أو تُفرَّغ حين تتعارض معه.

من غزة إلى بغداد إلى كاراكاس، المنطق واحد، حياة الإنسان في الأطراف رخيصة.
سيادة الدول في الجنوب مشروطة برضا المركز. كل مقاومة تُجرم، وكل تبعية تُكافأ.

في ضوء هذا، يصبح من العبث الأخلاقي والسياسي أن يُرفع شعار «ديكتاتورية مادورو» كذريعة لتبرير عدوان خارجي، بينما لا تُرفع الشعارات نفسها في وجه أنظمة تابعة تمارس قمعًا أوسع ولا تملك أي قدر من الاستقلال الاقتصادي أو السياسي.

المصدر