بنعليلو: التطور الحقيقي في مكافحة الفساد لا يُقاس بالنصوص التشريعية بل بضمان فعاليتها العملية على أرض الواقع

منذ 6 أشهر 6
ARTICLE AD BOX

بنعليلو: التطور الحقيقي في مكافحة الفساد لا يُقاس بالنصوص التشريعية بل بضمان فعاليتها العملية على أرض الواقع

محمد بنعليلو رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة

الأربعاء 29 أكتوبر 2025 | 13:57

قال محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، إن تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أظهر أن هناك مجهودا مبذولا في عدد من المجالات التي تهم منظومة النزاهة العامة بمعدلات متفاوتة. غير أن النتائج نفسها أكدت أن التحسن الكمي لا يقابله بعد تحسن نوعي في الأداء الإداري، وفي الثقة العامة بالمؤسسات. مما يعني أن الانتقال من مرحلة النصوص إلى مرحلة الأثر الملموس ما زال يتطلب جهدا جماعيا مضاعفا، وتعبئة أكبر، وانخراطا أعمقا من طرف مختلف الفاعلين العموميين.

وأكد رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في كلمته ضمن المؤتمر الإقليمي حول النزاهة العامة، المنظم اليوم الأربعاء بالرباط، أن المؤشرات تظهر أن العديد من المعايير التنظيمية في الإطار الاستراتيجي مستوفاة، لكن دون أن تصل فيها مؤشرات التنفيذ العملي إلى المبتغى المأمول، وهو ما يبرز أن التحدي اليوم لم يعد في سن القوانين ولا في صياغة الاستراتيجيات، بل في ضمان فعاليتها العملية على أرض الواقع، وقدرتها على التأثير في سلوك المؤسسات والإدارات، وفي تملك مضامينها داخل المنظومة الإدارية العمومية، وقبل هذا وذاك في تلمس المواطن لآثارها.

وتحدث بنعليلو عن عن الضعف الحاصل في إعمال بعض الأطر القانونية التي تشكل ثغرة حقيقية تهدد شفافية القرار العمومي، وتجعله عرضة للتأثيرات غير المشروعة وتضارب المصالح، مما يكشف عن فجوة مقلقة بين المعايير والممارسة، وعن حاجة ملحة إلى تطوير آليات مراقبة فعالة، وإنفاذ صارم، وتشريع زجري متناسب مع خطورة هذه الأفعال، وملاءمة تشريعية مع مقتضيات الدستور.

وأشار أن الملاحظة نفسها تتكرر في ميدان الشفافية والحق في الحصول على المعلومات، حيث إنه في مقابل مستوى مهم من الملاءمة النصية، نجد انخفاضا واضحا فيه من حيث التطبيق العملي، مما يعني أن بناء ثقافة الشفافية ما زال في بداياته، وأن النصوص تحتاج إلى من يفعلها لا إلى من يزين بها ترسانته التشريعية. فلا تزال بعض الإدارات تتعامل مع الحق في المعلومة كاستثناء، ومع النشر الاستباقي كمبادرة تطوعية لا كواجب مؤسساتي، فضلا عن عدد من النواقص التي تحد من الأثر العملي لهذا القانون وتجعل تطبيقه بعيدا عن روحه الأصلية التي تقوم على إشاعة ثقافة الانفتاح والمساءلة.

وأكد بنعليلو أن مكافحة الفساد شرط أساسي للتنمية، ولبناء العدالة الاجتماعية، وضمانا لتكافؤ الفرص، لذلك فإن المعركة ضد الفساد هي أكثر من مجرد معركة أخلاقية بل هي في جوهرها معركة من أجل سيادة القانون وكرامة المواطن، لافتا إلى أن التطور الحقيقي لا يقاس بعدد النصوص ولا بعدد المشاريع المعلنة، بل بمدى قدرتها على تغيير السلوك الإداري وترسيخ ثقافة الإنصاف والشفافية في ممارسة السلطة العمومية.

وشدد على أن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، من موقعها الدستوري لا يمكننا أن تكتفي بالإشادة بالنتائج التي أفرزها تمرين تجميع مؤشرات النزاهة العامة الذي تباشره منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، بل تعتبر أن اللحظة الراهنة تفرض قدرا أكبر من النقد الذاتي ومن الجرأة في التشخيص والتوجيه، فالإصلاح كما لا يتجسد بالمزايدات، لا يتجسد بالرضا الذاتي، وإنما بالمراجعة المستمرة والالتزام العملي والإنصات للآخر.

وخلص رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، إلى أن محاربة الفساد، هي قضية الدولة والمجتمع معا، فالدولة بمؤسساتها ملزمة بتفعيل الآليات القانونية لمحاربة هذه الظاهرة وتجريم كل مظاهرها، والمجتمع بكل مكوناته مدعو إلى رفضها وفضحها الانخراط في جهود مكافحتها، معتبرا أن المغاربة يملكون من الرصيد المؤسساتي، ومن الطاقات الوطنية، ومن الإرادة السياسية المعبر عنها في أعلى مستوى ما يؤهلهم ليكونو نموذجا إقليميا في ربط النزاهة بالتنمية، والشفافية بالثقة، والإصلاح بالمواطنة، وهذا يتطلب الشجاعة على الاعتراف بالثغرات والنواقص، وامتلاك الإرادة في تجاوزها، والمسؤولية في تحويل النتائج المحققة إلى التزام سياسي وتنفيذي حقيقي.

المصدر