ARTICLE AD BOX
الحسين أربيب
اين يجد العنف السياسي مصدره؟
الخميس 13 يوليو 2023 | 09:45
إن العنف له حضانة وبيئة يترعرع فيها ويستمد منها القوة والصلابة، فالمجتمعات كلها تعمل للحد من العنف في جميع أشكاله وفي مصادره غير أنه ينفلت من دلك لأن الظلم وانعدام العدالة الاجتماعية والاقتصادية ونمو العنصرية والكراهية والتمييز العرقي والديني والاقتصادي كلها عوامل تجعل العنف يشتد في الأوساط التي تخترقها تلك العوامل المفككة للمجتمعات والدول والشعوب وتجعل منها بؤرا للتوتر والحروب العنيفة التي تقضي على الأخضر واليابس . ، ومن بين أخطر أنواع العنف على الإطلاق، العنف السياسي، لأنه مؤسس ومدعم بقوانين مما يجعل منه قوة ضاربة بالكامل تصد كل أنواع العنف الأخرى، بل وله القدرة على احتوائها ووضعها في قفص الاتهام بل وتجريمها قبل أن تسمع متهميها المحاكم وقضاتها. ويستمد العنف السياسي مصدره من كونه مقنن بقوانين أساسية أي الدساتير، لأن الدولة مند نشأتها ككيان وشخصية معنويين ارتكزت على عنصر القوة الذي نواته العنف ومنه تولد مفهوم السيادة لتخفيف من ثقل كلمة عنف ووطأتها. والعنف السياسي يترك آثارا متعددة في نفسية الممارس عليهم وعلى منفذيه من ذوي النيات الصافية والحسنة والذين لا يحملون في قلوبهم كرها او حقدا او عواطف عنصرية تجاه الأقليات أو عرق معين أو دين مما يجعب تصرفات على البوليس والجيش وكل الأجهزة الأمنية التي تعمل في مجال الأمن قد تمارس مهمها الأمنية وحماية أملاك وأرواح المواطنين بنوع من التمييز والانتقاء . . إن تقييم العنف الصادر عن أجهزة الدولة التي تجد كلها مبررات استعمالها، وكل ما يمكن الحديث عنه أو انتقاده في ذلك، هو هل هدا العنف الذي مورس على مجموعة من الأفراد أو شخص واحد، هل كان عنفا يتلاءم والعمل الذي استدعى ذلك العنف، أو تم الإفراط في استعمال القوة أكثر من اللازم ؟ . ومن المعلوم أن العنف السياسي غالبا ما يكون هو السبب الرئيسي، لاندلاع الردود العنيفة التي تقوم بها الشعوب أو الجماعات المتظاهرة لتقابل العنف الدولتي، إذن العنف السياسي هو من يولد العنف الشعبي أو الفئوي لمواجهة عنف ممأسس، ألا وهو عنف أجهزة الدولة، داك العنف المقنن بمساطر قانونية تحدد موجبات التدخل وكيفيتها وما هي الأليات المستخدمة لكل أنواع التظاهر ودرجته . . إدن في الغالب نجد أن العنف السياسي هو سبب الرد العنيف الذي تقوم به المجموعات البشرية سواء كانت منظمة كالأحزاب أو النقابات أو غير منظمة كالمجموعات العرقية أو اللإثنية او مجموعات ذات المصالح المشتركة أو حتى منظمات إرهابية تستغل الفرصة لتقوم بأعمال تخريبية ، وقد تكون هناك مجموعات يمينية او يسارية أيضا تتسلل لداخل المظاهرات لتقوم بالأعمال الهدامة ، وحرق واجهات المتاجر والسيارات وتعتدي على الأملاك العمومية والخصوصية على السواء .كما وقع في فرنسا إثر قتل الشاب القاصر “نائل” .، كما لا يستبعد في كثير من الأحيان أن تقوم أجهزة المخابرات في جل دول العالم بتعبئة “بلطجية” متخصصة في الحرق والسرقة وتنسب تلك الأعمال للجهات المنظمة لتك المظاهرات و الاحتجاجات وتكون مبررا بتدخل أجهزة الدولة الرسمية بالقمع والقوة المفرطة تجاه تلك المنظمات المطالبة بحقوقها وتضعها في موضع اتهام بتلك الممارسة العنيفة والهدامة . والعنف السياسي لا يتخذ شكلا معينا أو محددا بل له عدة أصناف وأشكال، وأن بعض الدول بمساعدة علماء النفس الاجتماعي ومتخصصين في كيفية التحكم في التجمعات البشرية وردعها وخلايا الأزمات تتدخل كلما قامت الفئات الشعبية والمهمشين اقتصاديا وسياسيا، والأقليات بالاحتجاجات او التظاهر صد الأنظمة وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية فتتخذ أساليب لترهيب وتعنيف الفئة المستهدفة من تلك الطرق لجعلها تتراجع او تلفق لها تهم مثل التآمر على البلد أو التخابر مع الأجنبي. وقد يظهر العنف السياسي في بعض القرارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تستهدف إما القدرة الشرائية لفئة معينة أو فرض ضريبة على شريحة اجتماعية، إما لأنها تمول او تميل لسياسة او اتجاه سياسي معين معارض للسياسة القائمة . والجدير بالذكر أن العنف السياسي يمارس بعدة أوجه وعلى مختلف المكونات الاجتماعية الحزبية والنقابية وفئات المثقفين والعناصر المعارضة للأنظمة ، وبالتالي فالعنف يصبح سياسة لتكميم الأفواه وتقليص مجال الحريات ، خاصة لما تكون الحكومات المعنية لا تراعي مطالب الفئات الاجتماعية وتتبع في سياساتها الاقتصادية نصائح صندوق النقد الدولي الذي غالبا ما تكون غير اجتماعية بل مجحفة في حق الفئات الاجتماعية الهشة . . اما العنف السياسي الدي يجذ مصدره في مكونات المجتمع ومحركاته المنظمة أحزابا ونقابات وجمعيات المجتمع المدني وتيارات سياسية غير معترف بها ، فهو عنف غالبا ما يكون كرد فعل “للعنف” الذي تقوم به الدولة سواء في شكله المباشر أو غير المباشر ، وتستغل هده العناصر أي شرارة لتتدخل بكل ما لديها لتسجل حضورها السياسي عبر العنف الذي يجد تبريره في تدخل أجهزة الدولة إما عن طرق الشرطة أو تدخل عبر قرار اقتصادي أو سياسي يحرم فئة معينة من امتيازات او يفرض عليها تكاليف ضريبية مثلا . ، وعبر التباريح عرفت اروبا وأسيا وأمريكا مثل هذه المنظمات العنيفة غير المعترف بها من قبل الدول المعنية ، مثل منطمة “ايرا”الجيش الإيرلندي الذي كان يسعى لاستقلال ايرلندا عن بريطانيا ، ومنظمة الألوية الحمراء الإيطالية التي كانت منطمة إرهابية من الأقصى اليسار كانت تهدف اغتيال البوليس والقضاة ،ومنظمة “كو كلوس كلان” التي كانت منظمة عنصرية تؤمن بالتفوق العرقي للبيض في أمريكا الشمالية فكانت تقوم على معاذاه السود . إلا انه لا يمكن مقارنة عنف المنظمات الإرهابية ب”العنف “الشعبي العفوي للدفاع عن حقوقها لأنها في الغالب تكون كرد فعل ضد التدخل العنيف للشرطة والتي غالبا ما تكون موازين القوى غير متوازنة الأمر الذي يؤدي للخروج عن السيطرة من الجانبين . والعنف السياسي هو أحد أدوات الدولة تستعمله كلما كانت في مواجهة مع قوة أخرى من داخل المجتمع وتشكل منافسة على استلام الة الحكم عن طريق استعمال العنف ، كما أن الحملات الانتخابية خاصة في دول العالم الثالث ،فغالبا ما تشهد أعمال عنف وتخريب بدعوى تزوير الانتخابات من هذا الطرف أو ذاك ، لذا تعمل كل آليات الدولة وأجهزتها لإظهار قوتها وعدم الظهور ضعيفة أمام مثل هذه التوترات التي تنشأ بفعل سياستها ، وغالبا ما تستبعد أنها هي التي أشعلت نار الصراع ، بل ترجع ذلك ل”عناصر فوضوية لا تلتزم بالقانون”. ” .والملاحظ أن العنف لازمة تتكرر في الممارسة السياسية للدول بحكم تركيبتها كما سبقت الإشارة ،لأن مرتكزاتها الدستورية في أول نشأتها كانت تعتمد القوة ، تلك القوة التي يصفها حسن صعب في كتابه “علم السياسة ” بالسلطة فكل سلطة لا يمكن لها أن تقوم وتستمر إن هي لا تتوفر على القوة ، وتلك القوة طبعا يجب أن تكون محسوبة تتأرجح بين القساوة والليونة ، أي ما يمكن وصفه بألية مضادة للصدمات ، تلك القوة التي تقوم على عنصر الرهبة والتخويف التي تجعل الفرد والجماعة التي تتظاهر او تحتج تتراجع وتهدأ ، وبذلك يمكن الحديث عن نوع من التهديد الرسمي الذي تمارسه الدول تجاه شعوبها حتى لا تخترقهم أفكارا وتيارات ثورية أو انقلابية ،وحتى تستمر الدولة متداولة أجهزتها فقط بين يديي أوليغارشية معينة دون أن تتغير ، وإن قد تقوم النخبة الحاكمة بتغيير بعض الوجوه وبعض بنود الدستور او بعض العبارات التي توحي بالتغيير والاستجابة لبعض المطالب التي كانت سببا في ردود الفعل العنيفة. واستعمال العنف يكون مبررا وحقا لما تكون القضية المدافع عنها قضية عادلة أو هي ذلك بالنسبة لأصحابها .
إن العنف السياسي مع الأسف سياسة متبعة من قبل كل الأنظمة السياسية بل إن مكون الدولة كما أشرت وكما يقول علماء القانون الدستوري وعلماء السياسة وكما ينصح “ماكيافيلي “العائلة الملكية في إيطاليا خلال 16 والمؤسس للتنظير السياسي، آنذاك بان يستعمل العنف تجاه كل من يتربص بالسلطة ولوكان اقرب الأقرباء كالآباء والإخوة .إلا أنه في جميع الأحوال السياسة عامة تخترقها لحظات العنف سواء المادي أو المعنوي او الاقتصادي والنفسي أ، إن الدولة قد تخرج في لحظة من لحظات الأزمات عن خطها وعقلانيتها لما تكون الأجهزة الأمنية لتتقمص تصرفات وممارسات الأشخاص الذين يتحكمون في الأجهزة الأمنية واستصدار قرارات تتسم بالعنف ، خاصة لما تتكون تلك الأجهزة لا تستجيب لقواعد الديموقراطية في تحركاتها واستصدار قراراتها. والأخطر في الأمر هو لما يكون الرد العنيف منظما أو يتم في ظل تدخلات أجنبية أو يرتكز على مبررات عرقية أو دينية أو ترابية ، فهذا يزيد النار ، نار العنف لهيبا واشتعالا . . أي خلاصة لموضوع كهذا؟ اليس العنف يولد العنف؟ هل كان العنف يوما حلا لقضية من القضايا الشائكة؟ طبعا لا ، إذن العنف السياسي وجب أن يختفي من واجهة الدولة بل من عمقها الاستراتيجي لأنها لتستمر فلابد أن تعمل على ذلك بالتركيز على التربية والتعليم والوعي ،وليس عبر العنف والتحكم والتسلط والقمع ، فالحضارات التي استمرت طويلا كانت مبنية على السلم والإنسانية والتعاون والتوزيع العادل للخيرات وانتشار الحريات والتعايش بين الأقليات وتقبل الاختلافات في الأفكار والعقائد والاعراق . . والعنف هو عملية هدم وتنحية لأحد الطرفين المتنازعين أو لكلاهما، فلا رابح في دخول معركة العنف إذن . لذا فالسياسة العنيفة لا ينصح بها ومن الأجدى اتباع سياسة أللاعنف والتي سبق أن نادى بها المهماتا غاندي ، والذي مع ذلك قتل نتيجة السياسة العنيفة والهمجية للاستعمار البريطاني . .
آراء أخرى
أخر الأخبار
"الفيفا" سيدفع 209 ملايين دولار للأندية بعد مشاركة لاعبيها في كأس العالم
دكاترة التربية الوطنية يرفضون إطار "باحث مساعد" و"باحث مؤطر" في مشروع النظام الأساسي الجديد
"البيجيدي" يعلن تضامنه مع حامي الدين ويعتبر متابعته ذات خلفيات سياسية مفضوحة
الخطوط المغربية تطمح إلى التوفر على 200 طائرة وتغطية 143 وجهة ونقل 32 مليون مسافر عام 2037
"البيجيدي" ينتقد صعوبة التزود بالماء الشروب بالجهة الشرقية ويحذر من الإفلاس المالي والتدبيري لجماعة وجدة
المزيد من رأي
-
فؤاد بلحسن
ما وراء بوتين وزَحف بريغوجين
-
صالح أيت خزانة
اَلشَّعْبُ الْمُغَيَّبُ فِي حِسَابِ الزُّعَمَاءِ!
-
عبد المولى المروري
العفو الشامل: مصالحة وطنية من أجل المصلحة الوطنية لتفادي السكتة الدماغية
-
خالد لشهب
مابين التنوير والتزوير
-
إدريس جنداري*
فرنسا الماكرونية تعاني بعد أن أدركها سن اليأس الحضاري
-
نور الدين العوفي
الطريق إلى التنمية. الماذا، والكَيْف
المقال التالي
.jpg)
منذ 2 سنوات
5








