ARTICLE AD BOX
حينما نلجأ للقطاع “الغير مهيكل” من أجل التوظيف المهيكل!
آراء أخرى
“القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين واعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له.” الفصل 6 من الدستور
أصبحت البطالة في المغرب معضلة هيكلية وواقعاً يومياً ملموساً. فحسب آخر مذكرة للمندوبية السامية للتخطيط، انتقل معدل البطالة من 11.8% إلى 13.3% على المستوى الوطني بين سنتي 2022 و2024، ليصل عدد العاطلين إلى 1,63 مليون عاطل. وتعد فئات الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة (بنسبة 38.4%) الأكثر تضرراً تليها النساء (21.6%)، و حاملو الشهادات (19%) ، مع تسجيل نسب أعلى لدى حاملي الشهادات ذات المستوى العالي.
ومع ذلك، يبدو أن طلبات المقاولات لتشغيل كفاءات في مختلف المشاريع والاستثمارات التي يشهدها المغرب قد تزايدت في السنوات الأخيرة، وذلك رغم محدودية إمكانيات الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (ANAPEC) التي تتوفر على طاقم بشري محدود لا يتعدى 600 عون.
وأمام هذا الوضع الإشكالي، نشهد في الآونة الأخيرة طفرة في شركات الوساطة و التشغيل فالمثل العربي يقول : “مصائب قوم عند قوم فوائد“.
تتخذ هذه الوكالات أشكالاً قانونية متنوعة، لا سيما شكل شركات، أو مكاتب استشارية، أو مواقع إلكترونية، وغيرها، حيث يتمثل نشاطها الأساسي في الوساطة، أو التشغيل، أو الربط بين عرض العمل والطلب عليه. ومع ذلك، فإن 71 وكالة فقط من أصل 200 وكالة قائمة هي المرخص لها بمزاولة نشاطها وفقاً للقوانين الجاري بها العمل.
هذا الوضع يدفعنا لطرح تساؤلات حول دور الدولة التي يفترض أن تكون الضامن لاحترام القانون من طرف جميع المواطنين. و سنحاول، فيما يلي، تسليط الضوء على وضعية قطاع يعيش في “الضبابية” أمام أعين الجميع!
1. الوساطة في مجال التشغيل: ماذا يقول القانون؟
تعتبر الوساطة في مجال التشغيل، حسب المادة 476 من مدونة الشغل، خدمة “تؤديها مصالح تحدث لهذه الغاية من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالشغل. وتكون الخدمات التي تقدمها هذه المصالح لطالبي الشغل وللمشغلين مجانية”. كما يمكن لوكالات التشغيل الخصوصية (ARP) المشاركة في الوساطة بعد الحصول على رخصة من السلطة الحكومية المكلفة بالشغل. وقد عرفت المادة 477 بوضوح ماهية وكالة التشغيل الخصوصية، بأنها: “كل شخص اعتباري يقوم بنشاطه في القيام بواحدة أو أكثر من المهام التالية:
أ) التقريب بين طلبات وعروض الشغل دون أن يكون الوسيط طرفاً في علاقة الشغل التي قد تنشأ عن ذلك؛
ب) تقديم أية خدمة أخرى تتعلق بالبحث عن شغل أو تهدف إلى إدماج طالبي الشغل في الحياة المهنية؛
ت) تشغيل أجراء بهدف وضعهم مؤقتاً تحت إشارة شخص ثالث يسمى «المستعمل» يحدد مهامهم ويراقب تنفيذها.”
إن النص يحدد بشكل صريح ويعدد الأنشطة المعنية بالترخيص المسبق، وهو رد دقيق وقانوني على أولئك الذين يدعون أن نشاطهم غير معني بالترخيص بدعوى أنه مجرد موقع إلكتروني، أو أن شركات العمل المؤقت (Interim) هي وحدها المعنية بهذا الإلزام.
علاوة على ذلك، تمنع مدونة الشغل على وكالات التشغيل الخصوصية:
ممارسة أي شكل من أشكال التمييز (المادة 478).
تقاضي أي أتعاب أو مصاريف، كلياً أو جزئياً، من طالبي الشغل بشكل مباشر أو غير مباشر (المادة 480)
وبموجب المادة 484، تلتزم هذه الوكالات أيضاً بأن تبعث إلى المصالح المكلفة بالشغل، عند نهاية كل ستة أشهر، بياناً مفصلاً عن الخدمات التي قدمتها، يتضمن خاصة أسماء وعناوين المشغلين الذين طلبوا تدخلها، وكذا المعلومات الخاصة بطالبي الشغل المسجلين والذين تم تشغيلهم. كما يجب عليها مسك سجل نموذج تحدده السلطة الحكومية لتمكينها من إجراء المراقبة اللازمة.
هذه المقتضيات تثير تساؤلات جوهرية حول مدى تطبيقها من طرف الوكالات المرخصة، وأيضاً تلك غير المرخصة التي تتملص من أي التزام أو شرط تنظيمي.
2. التشغيل والوساطة في المغرب: “إذا غاب الراعي، سمنت الذئاب“
في إطار مساعيها للتوظيف، تلجأ المقاولات وبعض المؤسسات العمومية إلى مكاتب ووكالات تسمى “استشارات الموارد البشرية” (Consulting RH) التي تقدم خدمات تشمل التوظيف دون تكبد عناء التحقق من مدى مطابقتها للقوانين الجاري بها العمل.
وفي الواقع، هناك أكثر من 200 وكالة ومكتب توظيف، دون احتساب المواقع المخصصة لهذه الخدمة، تمارس نشاطها دون ترخيص مسبق. والقانون، كما فُصل سابقاً، يرهن عملية الربط بين العرض والطلب بالحصول على رخصة مهما كانت الوسيلة المستخدمة، بما في ذلك المواقع الإلكترونية.
إن هدف المشرع نبيل، فبما أن فئة الباحثين عن شغل هشة وضعيفة، فقد تكون مصدراً للاغتناء أو عرضة للنصب. ولذلك وضعت “صمامات أمان”: إيداع كفالة لدى صندوق الإيداع والتدبير تعادل قيمتها 50 مرة المبلغ الإجمالي السنوي للحد الأدنى للأجر (المادة 482). وبالتالي، لا ينبغي ترك الباحثين عن شغل عرضة لوكالات تدعي ممارسة التوظيف والوساطة دون توفرها على الوسائل التي تضمن رواتب 50 أجيراً على الأقل.
وحسب الموقع الرسمي للوزارة الوصية، فإن 71 وكالة فقط هي المرخص لها، فماذا عن الـ 200 وكالة المتبقية التي تمارس نشاطها بأشكال مختلفة (مكاتب، مواقع…) دون تراخيص؟ وتجدر الإشارة إلى أن آخر تحذير صدر عن الوزارة يعود إلى دجنبر 2007، وكان يخص فقط الوكالات التي تقدم خدمات الوساطة للعمل بالخارج دون ترخيص.
أ- “لا يُعذر أحد بجهله للقانون“ : يلجأ معظم مسؤولي المؤسسات العمومية والوزارات، تحت أعين مصالح وزارة المالية والمحاسبين العموميين، إلى وكالات توظيف خاصة دون التأكد من توفرها على ترخيص، بدعوى عدم علمهم بهذا المقتضى القانوني ـ
ب- انتصار المركزية على الهوامش: بما أن التراخيص تُسلم في العاصمة من طرف المصالح المركزية للوزارة، فإن البنيات الجهوية والمحلية للوزارة تعتبر أن مراقبة ومواكبة المقاولات المعنية بالمادة 477 هي شأن مركزي، يضاف إلى ذلك غياب الإمكانيات المرصودة للمصالح المكلفة بالملف، مما يصعب مراقبة الوكالات المرخصة، أما غير المرخصة فحدث ولا حرج!
ت- وضعية شركات الحراسة: بالنسبة للشركات التي تقدم خدمات الحراسة للإدارات والشركات الخاصة، فهي مبدئياً غير معنية بالترخيص المذكور كونها تقدم “خدمة”، لكن طالما أن وحدة القياس أو الفوترة في دفاتر التحملات هي “عدد الأفراد الموضوعين رهن إشارة الزبون” بدلاً من المساحة مثلاً، فإن هذه الشركات تخضع دون شك للمادة 477 التي تتطلب ترخيصاً مسبقاً من وزارة الشغل.
ث- ترخيص المزاولة نعم، ولكن ماذا عن ترخيص اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP)؟: تلتزم الوكالات المرخصة بمعالجة المعلومات الشخصية لطالبي الشغل في احترام تام للحياة الخاصة (المادة 479)، ولكن هل تباشر هذه الوكالات (المرخصة وغير المرخصة)، نظراً لحجم المعلومات التي تطلع عليها، إجراءات الترخيص لدى CNDP التي يفرضها القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي؟
تساؤلات عديدة تستحق التفاتة خاصة من المتخصصين والسلطات العمومية لوضع حد للفوضى التي يعرفها قطاع خالق لفرص الشغل ويلعب دوراً حيوياً في تنظيم سوق العمل، وهو أمر لا يمكن لأحد إنكاره.
محمد ولد الفاضل الزهو
استشاري في قضايا التكوين و التشغيل
.jpg)
منذ 3 أشهر
4







