الهزيمة والظلم وحدود الموضوعية

منذ 3 أشهر 14
ARTICLE AD BOX

سعيدة الكامل

الهزيمة والظلم وحدود الموضوعية

الأربعاء 21 يناير 2026 | 21:32

هناك متربصون كثيرون ينتعشون في فضاء الغضب والتوتر. لا تهمهم الحقيقة ولا الإنصاف، بقدر ما تهمهم الفتنة، ومزيد من تفكيك الشعوب، واستعداء بعضها بعضا، وإضعاف الدول، وجعلها رهينة لمن يعتقدون أنهم “أصحاب قوة لا تُقهر”. وقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى الحطب الأسهل لإشعال هذه النيران.

آراء أخرى

  • تحليل استراتيجي للتهديدات المتبادلة بين أمريكا وإيران

  • هل يمكن سحب الكأس من السينغال؟

  • تلفزيونيات رمضان بأي حال ستعود؟

وليس توخي الحذر من الوقوع في أجندات مسمومة أمرا يسيرا، لأن ماكينات التضليل وصناعة الكراهية أكبر من مشاعرنا ومصالحنا، بل وأحيانا من قدرتنا على التمييز والحساب. وفي خضم ذلك كله، تظل الحقيقة هي الضحية الأولى، إذ قد تُقيَّد حتى القناعة المبنية على الوقائع، خشية تغذية أجندات تنتظر أول خيط دخان للفتنة، أو تجنبا للوصم السهل لكل من يجرؤ على الجهر بها.

ومن هذا المنطلق، لا بد من القول إن المنتخب المغربي، ومع كل الملاحظات المرتبطة بمباراة النهائي، تعرض لظلم واضح على أرضه. فالأرض لم تكن عامل قوة، بل نجح المدرب السنغالي في تحويلها إلى ورقة ضغط وابتزاز معنوي. لقد جرى شحن الجمهور قبل المباراة وأثناءها، سواء على أرض الملعب أو عبر التلميحات المستفزة للمدرب وطاقمه التقني، فتحولت لوحة احتفالية راقصة إلى مشاهد عنف ومحاولات اقتحام للملعب. كان المشهد صادما، وسببه شحن وتحريض تجاوزا حدود المنافسة الرياضية.

هذا الضغط لم يكن موجها لفريق منافس فحسب، بل اتخذ طابعا يتجاوز كرة القدم إلى الضغط على بلد بأكمله، وهو فرق جوهري بين ضغط كروي مشروع وسلوك غير أخلاقي يفسد روح التظاهرات الرياضية. لذلك فإن إنكار أو تبخيس حجم ما جرى، مهما حسنت النوايا، يظل ظلما للحقيقة، وظلما للبلد المنظم وللمغاربة الذين كانوا يتطلعون إلى فرح جماعي وانتصار رمزي جامع. فالهزيمة واردة، لكنها لا تكون قاسية حين يحضر الشرف، والموضوعية تقتضي تسمية الظلم ظلما أيا كانت الجهة المتضررة.

غير أن هذا كله لا يبرر، بأي حال، العنصرية تجاه المهاجرين أو غيرهم. فالعنصرية نار تحرق حاملها قبل أن تصيب من تُوجَّه إليه. وفي المقابل، لا يجوز أيضا السكوت عن أي عنصرية ضد المغاربة، سواء في السنغال أو داخل المغرب، لأن الصمت عنها يفضي إلى ظلم مضاعف وإلى إذلال جماعي.

أما ما يطفو أحيانا من خطاب انعزالي، فهو في الغالب رد فعل نفسي لوجدان جماعي شعر بالصدمة والخذلان، وسرعان ما يخبو إذا لم تحتوه خلفيات سياسية خبيثة. لكنه يتحول إلى خطاب مسموم حين تتلاعب به أيادٍ تسعى فعلا إلى خلق عزلة للمغرب. وقد ضخم هذا الشعور سلوك معزول لبعض المدربين، كما ضخمته وسائل التواصل الاجتماعي، وربما ساهمت المبالغة في الترحيب في رفع سقف التوقعات، ثم في الإحباط اللاحق، وهو أمر مفهوم إنسانيا في حدوده النفسية.

أما السبيل إلى التعامل مع ذلك، فيكمن في استحضار قاعدة بسيطة: كل شيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده. ينبغي الخروج من إرادة الإبهار ونيل الرضى بشكل مبالغ فيه، والاكتفاء بأداء الواجب وفق ما تمليه القيم. كما يجب التمييز بين سلوك الدولة وسلوك الأفراد؛ فالدولة تحكمها مصلحة رابح–رابح بمنطق الاستثمار الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي، بينما ينبغي أن تحكم العلاقات بين الأفراد والجماعات القيم الإنسانية الخالصة، بما فيها ما يعتريها من غضب أو إحباط عابر.

لم يكن المغرب يوما بلدا معزولا، ولا المغاربة شعبا منغلقا. والجهل بالتاريخ وحده قد يجعل البعض يصدق أوهاما يراد غرسها عمدا. بل إن من أسباب التحامل على المغرب قدرته التاريخية على الانفتاح على مكونات حضارية متعددة، أحيانا متنافرة، وامتلاكها داخل هوية جامعة قادرة على تحويل التنوع إلى عنصر ترابط وانتماء.

ولا ينفي ذلك الخصوصية أو التميز، كما لا يعني بالضرورة خطابا متعاليا أو شوفينيا، ما دام منضبطا للحذر والنزاهة الفكرية. فكل هوية متميزة بذاتها، وإلا لكان العالم بهوية واحدة نمطية. ولا ينبغي أن يُحاكم الاعتزاز بالانتماء بوصفه عيبا أو خطيئة؛ فذلك من أعطاب إيديولوجيات شوهت مفهوم الانتماء، أو رهنته بتصورات مستوردة أو ضيقة.

وليس مطلوبا أن يكون الوطن كاملا أو مثاليا كي يعتز به أبناؤه. فالشعور بالانتماء هو في حد ذاته محرك للتغيير نحو الأفضل، ولا يتعارض إطلاقا مع تعزيز الانتماء الإنساني المشترك بين الشعوب. غير أن هناك من أعد خزانة جاهزة من الكليشيهات والمغالطات لإغلاق باب النقاش العقلاني، ووأد أي تفكير جاد يحترم اختلاف الأفكار ويناقشها دون شخصنة.

ويقال إن “طريق جهنم مفروش بالنيات الحسنة”، وغالبا ما يُستعمل هذا القول للدوس على تلك النيات، فيما يُترك من يصنعون الفتنة ويعدون حطبها في هناء ونعيم.

المصدر