النضال الحقوقي بين سرطان الإيديولوجية وبؤس السياسة

منذ 2 سنوات 5
ARTICLE AD BOX

جاء‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬الثانية‭ ‬للإعلان‭ ‬العالمي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭: ‬لكلِّ‭ ‬إنسان‭ ‬حقُّ‭ ‬التمتُّع‭ ‬بجميع‭ ‬الحقوق‭ ‬والحرِّيات‭ ‬المذكورة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان،‭ ‬دونما‭ ‬تمييز‭ ‬من‭ ‬أيِّ‭ ‬نوع،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬التمييز‭ ‬بسبب‭ ‬العنصر،‭ ‬أو‭ ‬اللون،‭ ‬أو‭ ‬الجنس،‭ ‬أو‭ ‬اللغة،‭ ‬أو‭ ‬الدِّين،‭ ‬أو‭ ‬الرأي‭ ‬سياسيًّا‭ ‬وغير‭ ‬سياسي،‭ ‬أو‭ ‬الأصل‭ ‬الوطني‭ ‬أو‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬أو‭ ‬الثروة،‭ ‬أو‭ ‬المولد،‭ ‬أو‭ ‬أيِّ‭ ‬وضع‭ ‬آخر‭. ‬وفضلاً‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬التمييزُ‭ ‬علي‭ ‬أساس‭ ‬الوضع‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬القانوني‭ ‬أو‭ ‬الدولي‭ ‬للبلد‭ ‬أو‭ ‬الإقليم‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليه‭ ‬الشخص،‭ ‬سواء‭ ‬أكانمستقلاًّ‭  ‬أو‭ ‬موضوعًا‭ ‬تحت‭ ‬الوصاية‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬متمتِّع‭ ‬بالحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬أم‭ ‬خاضعًا‭ ‬لأيِّ‭ ‬قيد‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬سيادته‭.‬

آراء أخرى

  • الديبلوماسية المغربية، في العالم تُقنع، وفي الجزائر تُفزع...

  • فى الذّكرىَ الثانيّة بعد المائة لمعركة أنوَال المَاجِدة

  • سرديات الحديث النبوي

فهذا‭ ‬الإعلان‭ ‬تحدث‭ ‬بوضوح‭ ‬كبير‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬التمييز‭ ‬في‭ ‬التمتع‭ ‬بالحقوق‭ ‬الطبيعية‭ ‬والمدنية‭ ‬والسياسية‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬كثيرة،ومن‭ ‬ضمنها‭ ‬التمييز‭ ‬بسبب‭ ‬الدين‭ (‬الإيديولوجيا‭) ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬الرأي‭ ‬السياسي‮…‬‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬الحقوق،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬التمتع‭ ‬بها،‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬عنها،‭ ‬هي‭ ‬منظومة‭ ‬واحدة‭ ‬لا‭ ‬تتجزأ،‭ ‬قد‭ ‬نختلف‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬بعض‭ ‬الحقوق‭ ‬وحقيقتها،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬الحقوق‭ ‬الطبيعية‭ ‬المشتركة،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬الخلاف،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬أيضا‭ ‬خارج‭ ‬التناول‭ ‬الانتقائي‭ ‬بسبب‭ ‬إيديولوجي‭ ‬أو‭ ‬سياسي‭.. ‬

1‭/ ‬سرطان‭ ‬الإيديولوجيا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬النضال‭ ‬الحقوقي‭ ‬الشريف‭:‬

‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تنزيل‭ ‬بعض‭ ‬مضامين‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان‭ ‬على‭ ‬الممارسة‭ ‬الحقوقية‭ ‬الواقعية‭ ‬يبدو‭ ‬بعيدا‭ ‬بعد‭ ‬المشرق‭ ‬عن‭ ‬المغرب،‭ ‬مما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الممارسة‭ ‬لم‭ ‬تتشبع‭ ‬بعد‭ ‬بالقيم‭ ‬الحقيقية‭ ‬للنضال‭ ‬الحقوقي،‭ ‬عندما‭ ‬ارتضى‭ ‬البعض‭ ‬ممن‭ ‬ينتسبون‭ ‬للحركة‭ ‬الحقوقية‭ ‬والسياسية‭ ‬تغليب‭ ‬الجانب‭ ‬الإيديولوجي‭ ‬والسياسي‭ ‬في‭ ‬معاركهم‭ ‬ونضالاتهم‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الحقوقي‭ ‬كما‭ ‬ينادي‭ ‬بذلك‭ ‬الإعلان‭ ‬العالمي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭..‬

إن‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬آفات‭ ‬النضال‭ ‬الحقوقي‭ ‬أن‭ ‬يخضع‭ ‬هذا‭ ‬النضال‭ ‬لاعتبارات‭ ‬إيديولوجية،‭ ‬هذه‭ ‬الاعتبارات‭ ‬التي‭ ‬تصبح‭ ‬هي‭ ‬المحدد‭ ‬الأساسي،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬الوحيد،‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬ملف‭ ‬معين،‭ ‬والدفاع‭ ‬والترافع‭ ‬عن‭ ‬أصحابه‭ ‬حقوقيا‭ ‬وإعلاميات‭ ‬أمام‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭. ‬ففضلا‭ ‬عن‭ ‬كون‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬يضع‭ ‬أصحابه‭ ‬في‭ ‬تناقض‭ ‬تام‭ ‬مع‭ ‬الإعلان‭ ‬العالمي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يَدِينون‭ ‬به،‭ ‬ويجعلون‭ ‬منه‭ ‬مرجعيتهم‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬فإنه‭ ‬في‭ ‬الوقتنفسه‭ ‬يسائل‭ ‬ضمائرهم‭ ‬وأخلاقهم‭ ‬عنهذا‭ ‬التوجه‭ ‬الغريب،‭ ‬الذي‭ ‬يقصي‭ ‬آخرين‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الدفاع‭ ‬عنهم‭ ‬بسبب‭ ‬الاختلاف‭ ‬الإيديولوجي‭..‬

فالنضال‭ ‬الحقوقي‭ ‬في‭ ‬بعده‭ ‬الكوني‭ ‬ومضمونه‭ ‬الأخلاقي‭ ‬يتجاوز‭ ‬الاختلافات‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع،‭ ‬ولا‭ ‬يعترف‭ ‬بها،‭ ‬ولايدخلها‭ ‬في‭ ‬حساباته‭ ‬واعتباراته،‭ ‬وتركيزه‭ ‬يكون‭ ‬منصبا‭ ‬–‭ ‬حصرا‭ ‬وتحديدا‭ ‬–‭ ‬على‭ ‬الحق‭ ‬الذي‭ ‬حُرم‭ ‬منه‭ ‬الشخص،‭ ‬والانتهاك‭ ‬الذي‭ ‬تعرض‭ ‬له،‭ ‬وسبل‭ ‬الترافع‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬لونه‭ ‬أو‭ ‬جنسه‭ ‬أو‭ ‬معتقداته‭ ‬أو‭ ‬انتماءه‭ ‬السياسي‭.. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬خلده‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬في‭ ‬قولته‭ ‬الشهيرة‭: ‬متى‭ ‬استعبدتم‭ ‬الناس‭ ‬وقد‭ ‬ولدتهم‭ ‬أمهاتهم‭ ‬أحرارا،‭ ‬خطاب‭ ‬وجهه‭ ‬إلى‭ ‬مسؤول‭ ‬مسلم‭ ‬انتهك‭ ‬حق‭ ‬مواطن‭ ‬مسيحي‭ ‬قبطي‭.. ‬وأكده‭ ‬الفاروق‭ ‬أيضا‭ ‬عندما‭ ‬مر‭ ‬بسوق‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة‭ ‬و‭ ‬رأى‭  ‬شيخا‭ ‬كبيرا‭ ‬يسأل‭ ‬الناس‭ ‬حاجته‭ ‬مادًّا‭ ‬يده‭  ‬طلبا‭ ‬للمساعدة،‭ ‬وعندما‭ ‬اقترب‭ ‬منه‭ ‬سأله‭:‬

من‭ ‬أنت‭ ‬يا‭ ‬شيخ‭ ‬؟‭ ‬فقال‭ ‬الشيخ‭ ‬الكبير‭ : ‬أنا‭ ‬يهودى‭ ‬عجوز‭ ‬أسال‭ ‬الناس‭ ‬الصدقة‭ ‬لأفي‭  ‬لكم‭  ‬بالجزية‭ .. ‬و‭ ‬لأنفق‭ ‬الباقى‭ ‬على‭ ‬عيالي‭.. ‬فقال‭ ‬عمر‭ ‬الخليفة‭  ‬متألما‭ :  ‬ما‭ ‬أنصفناك‭ ‬يا‭ ‬شيخ‭  .. ‬أخذنا‭ ‬منك‭ ‬الجزية‭ ‬شابا‭ ‬ثم‭ ‬ضيعناك‭  ‬شيخا‭ .. ‬و‭ ‬أمسك‭ ‬الخليفة‭ ‬عمر‭ ‬بيد‭ ‬ذلك‭ ‬اليهودى‭ ‬إلى‭ ‬بيته‭ ‬و‭ ‬أطعمه‭ ‬مما‭ ‬يأكل‭ .. ‬وأرسل‭ ‬إلى‭ ‬خازن‭ ‬بيت‭ ‬المال‭ ‬وقال‭ ‬له‭ : ‬افرض‭ ‬لهذا‭ ‬و‭ ‬أمثاله‭ ‬ما‭ ‬يغنيه‭ ‬و‭ ‬يغنى‭ ‬عياله‭ ..  ‬فخصص‭ ‬له‭ ‬راتبا‭ ‬شهريا‭ ‬يكفيه‭ ‬و‭ ‬يكفى‭ ‬عياله‭ ‬من‭  ‬بيت‭ ‬مال‭ ‬المسلمين‭ ‬و‭ ‬أوقف‭ ‬عنه‭ ‬الجزية‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭ ..‬

‭ ‬إن‭ ‬هذين‭ ‬الموقفين‭ ‬العظيمين‭ ‬يعطيان‭ ‬المثل‭ ‬الأعلى‭ ‬في‭ ‬إعطاء‭ ‬الأسبقية‭ ‬والأحقية‭ ‬للحقوق‭ ‬الطبيعية‭ ‬المشتركة‭ ‬والأساسية،‭ ‬مع‭ ‬إلغاء‭ ‬الانتماء‭ ‬الديني‭ ‬والإعراض‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬انتصارا‭ ‬للمشترك‭ ‬الإنساني،‭ ‬وليس‭ ‬العكس،‭ ‬فالموقف‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بالحقوق‭ ‬المدنية،‭ ‬والثاني‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بالحقوق‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭.. ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬المشترك

الإنساني‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الحقوق‭ ‬الطبيعيةوالأساسية‭ ‬أمر‭ ‬مقدس‭ ‬ومقدم‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬آخر،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬المعنىالإنساني‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭..‬

‭ ‬وكما‭ ‬سبق‭ ‬الذكر،‭ ‬إن‭ ‬العوالق‭ ‬الإيديولوجية‭ ‬التي‭ ‬تتسرب‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬الحقوقي،‭ ‬تفرغه‭ ‬من‭ ‬محتواه‭ ‬الأخلاقي‭ ‬ومضمونه‭ ‬الإنساني‭ ‬وبعده‭ ‬النضالي‭ ‬الحق،‭ ‬وتزرع‭ ‬في‭ ‬أحشائه‭ ‬وأوصله‭ ‬سرطان‭ ‬الإيديولوجية،‭ ‬الذي‭ ‬تلوث‭ ‬العمل‭ ‬بكل‭ ‬أوساخه‭ ‬الظاهرة‭ ‬والخفية،‭ ‬فتصيب‭ ‬أصحابه‭ ‬بعمى‭ ‬البصر‭ ‬والبصيرة،‭ ‬وقساوة‭ ‬القلب،‭ ‬ولا‭ ‬مانع‭ ‬حينئذ‭ ‬أن‭ ‬يتحالف‭ ‬هؤلاء«المناضلون‮»‬‭ ‬مع‭ ‬الجلادين‭ ‬ضد‭ ‬أحد‭ ‬ضحايا‭ ‬انتهاكات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬التوجه‭ ‬الديني‭ ‬أو‭ ‬الإيديولوجي‭ ‬المخالف،لينتهي‭ ‬به كل‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬سقوط‭ ‬أخلاقي‭ ‬مريع‭ ‬بعد‭ ‬سيطرة‭ ‬هذا‭ ‬السرطان‭ ‬على‭ ‬أدمغتهم،‭ ‬واستقراره‭ ‬في‭ ‬ضمائرهم،ليسقطوا‭ ‬–‭ ‬أخيرا‭ ‬–‭ ‬صرعا‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭ ‬الكامل‭ ‬لضمائرهم‭.. ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬النهاية‭ ‬المأساوية‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬أضحى‭ ‬مصادما ومخاصما‭ ‬للنضال‭ ‬الحقوقي‭ ‬الشريف‭ ‬والنزيه،‭ ‬ومعاديا‭ ‬للقيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬النبيلة‭ ‬والمشتركة‭ ..‬‬

2‭/ ‬ بؤس‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬النضال‭ ‬الحقوقي‭ ‬النزيه‭:‬

‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬النضال‭ ‬الحقوقي‭ ‬مع‭ ‬سرطان‭ ‬الإيديولوجيا،‭ ‬فإنه‭ ‬ليس‭ ‬بأحسن‭ ‬حال‭ ‬مع‭ ‬بؤس‭ ‬السياسة‭ ‬وحساباتها‭ ‬الهشة‭.. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬السياسي،‭ ‬والحزبي‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬يضع‭ ‬في‭ ‬الاعتبارات‭ ‬والحسابات‭ ‬السياسية

توازنات‭ ‬وقراءاتلها‭ ‬ارتباط‭ ‬مباشر‭ ‬بوضع‭ ‬الحزب‭ ‬ومكانته‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭.. ‬فيدخل‭ ‬عنصر‭ ‬الربح‭ ‬والخسارة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬النخاسة‭ ‬السياسية‭.. ‬ويستحضر‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬والمواقع‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بالدولة،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يجعل‭ ‬القضية‭ ‬الحقوقية‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬السياسيبين‭ ‬الإهمال‭ ‬والاهتمام،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬سيجنيه‭ ‬ذلك‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬حزبه‭ ‬من‭ ‬أرباح،‭ ‬أو‭ ‬يصيبه‭ ‬من‭ ‬خسائر،‭ ‬وبتعبير‭ ‬أدق،‭ ‬أن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لسعر‭ ‬أسهم‭ ‬القضية‭ ‬الحقوقية‭ ‬تُعرف‭ ‬في‭ ‬بورصة‭ ‬السياسة‭ ‬ومزاداتها‭ ‬العلنية‭ ‬والسرية‭.. ‬فتارة‭ ‬تعرض‭ ‬هذه‭ ‬الأسهم‭ ‬للبيع،‭ ‬وتارة‭ ‬تعرض‭ ‬للمزايدة‭.. ‬وتارة‭ ‬أخرى،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الأخطر،‭ ‬لا‭ ‬يلتفت‭ ‬إليها‭ ‬أحد‭.. ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬جسامة‭ ‬انتهاكات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭.. ‬لأن‭ ‬قيمة‭ ‬‮«‬السهم‭ ‬الحقوقي‮»‬‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬الكساد‭ ‬السياسي‭ ‬والتضخم‭ ‬السلطوي‭ ‬لا‭ ‬تساوي‭ ‬شيئا‭ ‬في‭ ‬بورصة‭ ‬السياسة‭ ..‬

‭ ‬فالأكيد،‭ ‬والمؤسف‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬انتهاكات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬يغلب‭ ‬عليه‭ ‬البعد‭ ‬البراغماتي‭ ‬أحيانا،‭ ‬والانتماء‭ ‬الحزبي‭ ‬غالبا‭.. ‬والقرب‭ ‬من‭ ‬القيادة‭ ‬تأكيدًا‭.. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬بلا‭ ‬نبل‭ ‬يؤطره،‭ ‬ولانزاهة‭ ‬يعتصم‭ ‬بها،‭ ‬ولا‭ ‬أخلاق‭ ‬يفتخر‭ ‬بها‭..‬

‭ ‬إن‭ ‬خضوع‭ ‬النضال‭ ‬الحقوقي‭ ‬لحسابات‭ ‬السياسة‭ ‬والانتماء‭ ‬الحزبي‭ ‬يسقط‭ ‬أقنعة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأحزاب‭ ‬والزعماءالسياسيين،‭ ‬ويكشف‭ ‬عن‭ ‬وجوههم‭ ‬الحقيقية،‭ ‬عندما‭ ‬يصمتون‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬الانتهاكات‭ ‬التي‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬مواطنون‭ ‬أو‭ ‬مناضلون‭ ‬أو‭ ‬صحافيون‭ ‬من‭ ‬عامة‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬لون‭ ‬سياسي‭ ‬يميزهم،‭ ‬ولا‭ ‬انتماء‭ ‬حزبي‭ ‬يحصنهم،‭ ‬ويبتلع‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬ألسنتهم‭ ‬أمام‭ ‬السلطوية‭ ‬والتضخم‭ ‬الأمني،‭ ‬ولا‭ ‬تطول‭ ‬وتتمدد‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬ولهم‭ ‬ولا‭ ‬قوة‭ ‬من‭ ‬السياسيين‭ ‬أو‭ ‬المثقفين‭ ‬أو‭ ‬الإعلاميين‮…‬،ويقتصر‭ ‬دفاعهم‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يقاسمهم‭ ‬التوجه‭ ‬السياسي،‭ ‬أو‭ ‬يظهرون‭ ‬شراستهم‭ ‬النضالية‭ ‬وبلاغتهم‭ ‬الكلامية‭ ‬لفائدة‭ ‬منيشاركهم‭ ‬الانتماء‭ ‬الحزبي،‭  ‬فتَظْهَر‭ ‬هذه‭ ‬الوجوه‭ ‬أحيانا‭ ‬قاتمة‭ ‬بلون‭ ‬الخيانة،‭ ‬و‭ ‬أحيانا‭ ‬أخرى‭ ‬تظهر‭ ‬شاحبة‭ ‬بلون‭ ‬الجبن‭..‬

فالسياسة‭ ‬عندما‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬عورتها‭ ‬فرارا‭ ‬من‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬المنتَهَكة،‭ ‬وعندما‭ ‬تسفر‭ ‬عن‭ ‬بؤسها‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬ظهرها‭ ‬لمناضلين‭ ‬قدموا‭ ‬حريتهم‭ ‬وسمعتهم‭ ‬فداء‭ ‬للوطن‭ ‬ودفاعا‭ ‬عن‭ ‬الحرية‭ ‬والكرامة،‭ ‬فلا‭ ‬يملك‭ ‬أصحاب‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬إلا‭ ‬أحد‭ ‬الوجهين،‭ ‬إما‭ ‬وجها‭ ‬قاتما‭ ‬بلون‭ ‬الخيانة،‭ ‬أو‭ ‬وجها‭ ‬شاحبا‭ ‬بلون‭ ‬الجبن،‭ ‬ولا‭ ‬أجد‭ ‬لهم‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ذكرت‭ ..‬ولن‭ ‬يمسح‭ ‬وجوههم‭ ‬عار‭ ‬الخيانة‭ ‬أو‭ ‬شنار‭ ‬الجبن‭ ‬إلا‭ ‬تناول‭ ‬قضية‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬بما‭ ‬يقتضيه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬نبل‭ ‬ونزاهة‭ ‬و‭ ‬موضوعية‭ ‬وشجاعة،‭ ‬دون‭ ‬خضوع‭ ‬لحسابات‭ ‬هشة،‭ ‬أو‭ ‬توافقات‭ ‬بئيسة،‭ ‬أو‭ ‬حزبية‭ ‬ضيقة،‭ ‬وإني‭ ‬لأستغرب‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬الظلم‭ ‬يهتز‭ ‬له‭ ‬عرش‭ ‬الرحمان،‭ ‬ولايحرك‭ ‬ضمير‭ ‬إنسان‭..‬

إن‭ ‬السكوت‭ ‬عن‭ ‬الظلم‭ ‬مشاركة‭ ‬فيه،‭ ‬وعدم‭ ‬إنكاره‭ ‬مساهمة‭ ‬فيه،‭ ‬وتجاهله‭ ‬تمكين‭ ‬له،‭ ‬والمساومة‭ ‬فيه‭ ‬إعلاء‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬ورفع‭ ‬منقيمته‭.. ‬فهل‭ ‬يقبل‭ ‬السياسي‭ ‬النزيه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬حاله،‭ ‬وذلك‭ ‬مبلغه‭ ‬من‭ ‬العمل؟

لا‭ ‬شيء‭ ‬يقضي‭ ‬على‭ ‬النضال‭ ‬الحقوقي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سرطان‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬وبؤس‭ ‬السياسة،‭ ‬فرغم‭ ‬اختلاف‭ ‬مجالاتهما،‭ ‬فإنهما‭ ‬شركاء‭ ‬في‭ ‬تدنيس‭ ‬العمل‭ ‬الحقوقي‭ ‬والإجهاز‭ ‬عليه،‭ ‬ولن‭ ‬يسلما‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التهمة‭ ‬القذرة‭ ‬إلا‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬الصواب،‭ ‬ويتخلص‭ ‬كل‭ ‬جانب‭ ‬مما‭ ‬علق‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬معيقات‭ ‬النضال‭ ‬الحقوقي‭ ‬الشريف‭ ‬والنزيه‭..‬

المصدر