ARTICLE AD BOX
المعطي منجب يرثي الصديق لحرش: لنا يا رفيق لقاء غدا.. فدرب النضال يمد اليد
الراحل الصديق لحرش
الأربعاء 15 يونيو 2022 | 10:01
الصديق لحراش الذي رحل عنا أمس هو صديق ورفيق وجار. أبدأ بتقديم أعمق التعازي لزوجته أمينة وطفليه صوفيا وحسام وكذلك لابنتي سلمى التي كانت تحبه منذ أن كانت طفلة صغيرة. لقد أحبت قصصه الجميلة ، التي غالبا ما كان يتحفها بها، وبابتسامة طفولية، في الساحة الصغيرة أمام بيتنا عندما كان يقابلها صدفة في مشوار رحلة المغادرة أو العودة اليومية إلى البيت.
الصديق، صديقي الصديق ، اليوم أنا حزين للغاية لأنني أعلم أني فقدتك إلى الأبد. لكنني أيضًا فخور جدًا لأنني كنت صديقًا ورفيقًا لك في الكفاح من أجل الحرية – القيمة التي كنت تعتز بها كثيرًا – هي ودفاعك المستميت عن حقوق الإنسان.
الصديق لحراش، مناضل أصيل من اليسار الثوري الذي اشتهر باسمه العالمي “اليسار الجديد”. كان تيارا مجتمعيا جارفا في سينيات وسبعينيات القرن الماضي انخرط فيه الشاب الصديق في فورة الثورات الشعبية التي كانت تعيش أزهى أيامها في تلك العقود الغابرة. كان حلم الشباب المغربي الثائر آنذاك إسقاط دكتاتورية الثنائي الدموي الحسن الثاني ومنفذ جرائمه الجنرال أحمد الدليمي. وكان كل سلاح أولئك الشباب اليافعين هو أفكارهم اليسارية الطوباوية وأيديهم العارية وشعاراتهم الثورية. وكان مصيرهم هو الاغتيالات والاعتقالات والتعذيب والتنكيل وسنوات طويلة من الاعتقال الانتقامي المهين لكرامة الإنسان. كانت مواجهة غير متعادلة بين دكتاتورية تجسد الشر مسلحة حتى الأسنان، والطوباوية الحالمة بعالم يسود فيع العدل وتحترم فيه كرامة الإنسان. حمل مئات الشباب الثائر شعار الثورة في وجه النظام الدكتاتوري. ومن صلب هذا الديالكتيك العنيد الذي رافق المنطق البشري ستولد الإرادة لإسقاط الظلم جسدها هؤلاء الشابات والشبان الحالمين بإسقاط نظام الاستبداد والهيمنة واستبداله بطوباوية مضادة، في نظرهم، تقوم على الحرية والمساواة والإنسانية الفعالة.
لا شك أن تلك الأفكار، عندما ننظر إليها بمقاييس اليوم، كانت مثالية للغاية بحيث لا يمكن تحقيقها ، ولكن على الأقل جعل هؤلاء الشباب الثائرون من خلال انتفاضتهم ضد نظام مسلح حتى الأسنان، من التضحية بالنفس مبدأً للحياة ، فقد أنقذوا شرف الشعب المغربي. ماذا سيقول المؤرخون عن مستقبل شعبنا إذا لم يقم رجال ونساء مثل الصديق لحراش ، وابراهام سرفاتي ، وسعيدة لمنبهي ، وعبد السلام مودن ، وعبد الرحيم خدلي ، بإلقاء أنفسهم طواعية في فم الذئب ، في تضحية جليلة ، فقط من أجل إنقاذ كبرياء شعب يئن تحت وطأة نير حديدي ساحق ومهين؟!
هؤلاء الشباب شكلوا جنود حركة إلى الأمام و23 مارس، كانوا مثل الرهبان الثوريين الحقيقيين. لم يحملوا الأسلحة في وجه بشاعة النظام الذي قمعهم، وكانوا يحلمون بعالم طوباوي لا يكون فيه الإنسان ذئبًا للإنسان. لقد تصوروا الجمهورية على أنها الطريقة الوحيدة الممكنة لاستعادة كرامة الشعب المغربي، تلك الكرامة استهزأ بها جلادو عهد الحسن الثاني، الجنرالين الدمويين محمد أفقير وأحمد الدليمي. أنا لا أقول إنهم كانوا على حق ، ولكن كان عليك أن يكون لك عمود فقري فلاذي في ذلك الوقت لتكون قادرًا على اتخاذ هذا الاختيار في واضحة النهار في الوقت الذي لم تجرأ فيه البرجوازية المزيفة والمطيعة حد الخوف، التي تثريها “فوائد” الاستقلال المنقوص، حتى على الإشارة ولو بالمرموز إلى خيار ما يسمى بالملكية البرلمانية.
تلك المثالية المتحمسة لم يفقدها الصديق لحرش، على الرغم من تقدم العمر وخيبات الأمل، عندما أخد العام الماضي على عاتقه تدشين مجموعة نقاش من المنتمين لذلك اليسار الحالم، تحت اسم “حاملون لحلم جميل”، وهي المجموعة التي نظمت بتوجيه وإدارة من لحراش في 20 ماي الماضي اجتماعا في الرباط لهؤلاء المناضلين الصناديد من اليسار الجديد لتكريم الرفاق الذين سقطوا وأسلحتهم في أيديهم، وليعفوني على هذه الصورة الحربية. لقد جاؤوا إلى اللقاء الأخير للصديق لحرش، من جميع أنحاء المغرب وجميع أنحاء العالم. وكان هذا آخر عمل نضالي جليل قام به لحرش ليختم مسيرة نضالية حافلة من العطاء ونكران الذات. لقد استنزف هذا العمل المضني كل طاقته، وهو الذي كان يعاني في صمت من مرض عضال. وكنت كلما التقيت به في الساحة داخل الجمع السكني حيث نسكن، أجده شاحبا متعبا منهكا ثقيل الخطى، وكلما فاتحته الحديث أحس بنبرة حزن في صوته. كان هذا يحزنني وتظهر ملامح الحزن والآسى على وجهي، فيبارد هو بمواساتي بطريقته الخاصة بالحديث عن المستقبل، وعن لقاء 20 ماي الماضي، وعن اللقاء المقبل عن المعتقلين الصحفيين توفيق بوعشرين وعمر الراضي وسليمان الريسوني وعن المدونة سعيدة العلمي, لقد كان الصديق فخورا وفرحا مثل طفل بنجاح تنفيذ اجتماع 20 ماي وبإصدار كتاب ذكريات عن المناضلين والشهداء وعائلاتهم.
انضم الصديق لحرش إلى صفوف الحزب الشيوعي في أواخر الستينيات عندما كان في العشرينات من عمره. وناضل جنبًا إلى جنب مع علي أفكير الذي يشغل حاليًا منصبا قياديا في حزب “النهج الديمقراطي”. وبعد خروجه من السجن نشط لحرش بقوة داخل المجتمع المدني، وكان عضوا نشطا في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ، وأول مدير إداري لها، وأول ما قام بتنظيم أول جامعة صيفية لهذه الجمعية عام 1996 ، وهي جامعة مكرسة لتجسيد الروابط بين حقوق الإنسان وحقوق العمال. وفي منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين انتخب لحرش عضوا داخل المجلس الإداري لـ “”الفضاء الجعوي”. وشارك إلى جانب الرفيق عبد الحميد أمين، عن الجانب المغربي، في تأسيس “التنسيق المغاربي لحقوق الإنسان”، كما شارك في تأسيس “منتدى الحقيقة والإنصاف”. كما عمل لحرش من أجل السلام الدولي داخل الأمم المتحدة إلى جانب صديقه المقرب جمال بن عمر، ولا سيما في رواندا واليمن. واثر الصديق مازال مستمر بيننا، و سوف يتألق إلى الأبد مثل النجم الأحمر في سماء المغرب الأبدية.
لا يسعني صديقي الصدّيق، وأنا اختتم هاته المقالة المتواضعة في حقك، والدموع تصعد من أعماق الروح للعينين، إلا أن أردد وأنا وحدي بالمنزل والظلام يلفه ويلف منزلك، نشيد الثورة والحرية والذي طالما رددناه معا أو إلى جانب رفاقنا في بعض المناسبات:
لنا يا رفاق لقاء غدا
سنأتي ولن نخلف الموعد
فهذي الجماهير في صفنا
ودرب النضال يمد اليد
سنشعلها ثورة في الجبال
وفي كل شبر سنبعثها
نشيدا يجدد روح النضال
نشيدا يجدد روح النضال
فلا الحسَن يخيفنا ولا السجون
وليس يهدَّمُ عزم الشعوب
طغاة النظام مضى عهدهم
وشمسهمُ آذنت بالغروب.
.jpg)
منذ 3 سنوات
3







