ARTICLE AD BOX
محمد مونشيح
المحاماة والجامعة.. نحو "تحالف استراتيجي" لتحصين العدالة والسيادة القانونية
الجمعة 08 ماي 2026 | 12:19
لطالما كان القانون في أبهى تجلياته ثمرة لقاءٍ خلاق بين حكمة المدرج الجامعي” و”جسارة المرافعة في المحكمة”. فالمحامي والأستاذ الجامعي ليسوا مجرد أصحاب مهن، بل هم حراس لهيكل واحد، ينهلون من معين فقهي مشترك، ويذودون عن حمى الحقوق والحريات بأسلحة متكاملة: أحدهما بالبحث والتنظير، والآخر بالممارسة والتدبير.
آراء أخرى
إن النقاش الدائر اليوم حول العلاقة بين الجامعة والمحاماة، لا يجب أن يستحيل إلى جفاء أو “قطيعة”، بل هو في جوهره دعوة لاستعادة “وحدة العائلة القانونية”، فالمحامي وهو يرتدي بذلته السوداء، يحمل في مذكراته عصارة ما تلقاه في الجامعة، والأستاذ وهو يُنظّر للقواعد، يجد في قاعات المحاكم المختبر الحي لصدق نظرياته.
تأتي هذه المحاولة، لا لتبحث عن امتيازات فئوية، بل لتؤكد أن القوة الحقيقية للمغرب القانوني تكمن في “الالتحام لا في الانفصام”. إنها مبادرة مصالحة فكرية تنطلق من قناعة راسخة: أن المحامي القوي يحتاج إلى سند فقهي رصين، وأن الأستاذ الممارس يكتسب من الميدان نبض الواقع.
فحينما يلتقي العقل الأكاديمي بخبرة الميدان، لا نكون أمام منافسة على حصص، بل أمام ‘جبهة وطنية’ محصنة، قادرة على حماية السيادة القانونية للبلاد أمام تحديات العصر. إنها دعوة لنجد أنفسنا جميعاً في خندق واحد؛ خندق العلم والعدالة.
لا يمكن لطلبة القانون ولا لأساتذته أن يتحدثوا عن مهنة المحاماة دون الوقوف إجلالاً لتاريخ “البدلة السوداء” في المغرب. إنها المهنة التي لم تكتفِ بالمرافعات داخل القاعات، بل كانت رأس الحربة في مواجهة الديكتاتورية وصمام أمان الحقوق والحريات في سنوات الرصاص. من هذا المنطلق، فإن النقاش حول ولوج الأستاذ الجامعي للمهنة لا ينبغي أن يُقرأ كـ” تبخيس” لهذا التاريخ المجيد، بل كخطوة استراتيجية ل” عصرنة المقاومة القانونية” في وجه تحديات جديدة لا تقل خطورة عن سابقتها.
إن المحامي الذي واجه “تغول السلطة” في الماضي، يواجه اليوم “تغول اللوبيات” والمكاتب الدولية للاستشارة التي تهدد باختطاف السيادة القانونية للبلاد. وهنا، يبدو الأستاذ الجامعي ليس كـ”وافد غريب” يبحث عن حصة في السوق، بل كطرف في شراكة تكاملية تعزز جبهة المحامين. إن معركتنا المشتركة اليوم هي ضد “تبخيس” القانون الوطني أمام الخبرات الأجنبية، والأستاذ يمكن أن يكون حليفًا نوعيًا بما يملك من أدوات أكاديمية للمساهمة في مقارعة تلك المكاتب بالندية اللازمة.
ولعل الدستور المغربي نفسه، في فصوله المتعلقة بحق التقاضي والحق في محاكمة عادلة (الفصل 118 وما يليه)، يمنح لهذا التحالف سندًا مبدئيًا، إذ يربط العدالة بالعلم والمعرفة، ويجعل من الدفاع مؤسسة دستورية لا مجرد مهنة.
لقد علمتنا تجربة “نادي قضاة المغرب” وغيرها أن الفئات المهنية تنجح عندما تحول مطالبها من “فئوية ضيقة” إلى “معركة مبدئية” مسلحة بالمرجعيات الدستورية والحقوقية. إن انضمام الأستاذ للمحاماة سيمنح المهنة إضافة نوعية من الناحية الفقهية، مما يجعل مذكرات الدفاع وبيانات الهيئات أكثر رسوخًا، ويصعب على الدولة أو اللوبيات الالتفاف عليها. الأستاذ الجامعي لا يطمح إلى “مزاحمة” المحامي في ميدانه، بل إلى المساهمة في إثراء ذلك الميدان بما تتيحه الجامعة من عمق نظري.
إن للمحامي ما ليس للأستاذ: فطنة الميدان، وذكاء المرافعة، وقدرة التكيف مع تقلبات القضاء اليومية. وهذه الخبرات هي التي تجعل من التعاون بين الطرفين إضافة حقيقية، لا وصاية من جهة على أخرى. إن ما نطمح إليه هو مساحة حوار لا إملاء، حيث يبقى المحامي هو سيد مهنته، ويبقى الأستاذ مرجعًا علميًا يُستشار لا يُستعلَى به.
إنني أرى أن التخوف من الأستاذ الجامعي، في بعض الأحيان، هو نفسي أكثر منه شيء آخر، من “اختطاف” المهنة، وهو توجس يتبدد أمام حقائق الواقع:
• من المتوقع أن الأستاذ سيتجه بطبعه نحو “المحاماة الأكاديمية” والاستشارات الاستراتيجية الدولية، وهو مجال لا يزاحم المحامي الممارس في قضايا القضاء العام اليومية.
• إن حضور الأستاذ إلى جانب المحامي يمكن أن يُثري النقاش القانوني ويُعمق الحجج، مما يعود بالفائدة على القضايا التي يدافعان عنها معًا، ويخلق ديناميكية تكاملية بين العلم والممارسة.
وليس المغرب بدعًا في هذا النقاش؛ ففي فرنسا مثلًا، يُسمح للأساتذة الجامعيين بالانخراط في مهنة المحاماة، ويُنظر إليهم كرافعة علمية تعزز جودة الدفاع. وفي مصر، هناك تقليد طويل لانخراط أساتذة القانون في المحاماة، مما جعل بعضهم رموزًا في الدفاع عن الحقوق والحريات. هذه التجارب المقارنة تؤكد أن الجمع بين الجامعة والمحكمة ليس استثناءً، بل قاعدة في أنظمة قانونية عديدة.
يعد المغرب استثناءً في فصله الحاد بين الجامعة والمحكمة. إن الأستاذ الذي يُدرس القاضي والمحامي وسائر المهن القانونية لا يمكن أن يظل “أجنبياً” عن محراب العدالة. إن تمكينه من الولوج التلقائي هو “رد اعتبار” للتكوين الأكاديمي، و”عودة للديار”، واعتراف بأن المحاماة هي “مختبر حي” للبحث العلمي وليست مجرد إجراءات مسطرية جافة.
إننا إذ نناصر فكرة توسيع دائرة الولوج للأستاذ الجامعي، فإننا نناصر أولاً كرامة المحامي المغربي وتاريخه النضالي. إننا نريد محاماة تجمع بين “جسارة الميدان” التي سطرها المحامون عبر العقود، وبين “رصانة الجامعة” التي يمثلها الأساتذة، في علاقة تبادلية يستفيد فيها الطرفان.
إلى فرسان الميدان: الأستاذ ليس منافساً، بل هو شريك يقدم ما لديه من أدوات تحليلية، كما يكتسب من المحامي خبرة الميدان. فلنجعل من هذا الانضمام قوة دفع تعيد للمحاماة ألقها كقاطرة للفكر والحرية في مغرب القرن الواحد والعشرين، عبر تكامل لا تنافس، وتشارك لا وصاية.
.jpg)
منذ 1 ساعة
3







