الغموض كاستراتيجية.. كيف تدير إيران حرب أمريكا وإسرائيل عليها؟

منذ 1 شهر 19
ARTICLE AD BOX

حسن حمورو

الغموض كاستراتيجية.. كيف تدير إيران حرب أمريكا وإسرائيل عليها؟

الخميس 05 مارس 2026 | 15:26

في قراءة أولية لطريقة تدبير إيران لحربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يبدو واضحا أن من ينظر إلى المشهد بعين تبسيطية سيقع في خطأ تقدير جوهري. فالنظام السياسي في إيران ليس بنية أحادية يتحكم فيها فرد واحد كما يروج أحيانا، بل هو نظام مركب مؤسساتيا، تتداخل فيه صلاحيات مؤسسات دستورية وأمنية وعسكرية ذات استقلال نسبي في مجالات اشتغالها.

آراء أخرى

  • "مدارس الريادة" والتلاعب في الصفقات!

  • فلسفة بول ريكور بين واقعية الحرب وغائية السلم، مقاربة سياسية ايتيقية

  • سوسيولوجيا الاتصالات والرقمنة بالمغرب

صحيح أن موقع المرشد الأعلى، الذي شغله الراحل علي خامنئي، كان يمثل قمة هرم السلطة، لكن ذلك لا يعني أنه كان يتدخل في تفاصيل كل قرار عملياتي أو تكتيكي.

فبنية القرار في إيران تقوم على تعدد مراكز التقدير، من مجلس الأمن القومي إلى القيادات العسكرية، بما فيها الحرس الثوري الإيراني، ما يمنح النظام مرونة في التحرك واستمرارية في الأداء حتى في ظل التحولات الكبرى.

من الطبيعي أن يثير رحيل المرشد، قدرا من الارتباك المؤقت داخل النخبة الحاكمة، بحكم رمزية الموقع وثقله السياسي والديني، غير أن الدستور الإيراني يتضمن آليات واضحة لسدّ الفراغ، سواء عبر مجلس الخبراء أو من خلال ترتيبات انتقالية محددة، وعليه فإن أي ارتباك محتمل سيكون زمنيا ومحدود الأثر، ولن يصل إلى حد الشلل المؤسسي، وهورما يظهره ثبات تصريحات الرئيس ووزير الخارجية والمتحدث باسم الحرس الثوري.

المثير للانتباه أن الأداء الدفاعي والهجومي لإيران، وفق ما يظهر في مسار المواجهة، لم يتأثر بشكل كبير، بل حافظ على نسق تصاعدي محسوب، بل إن تضارب تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب ووزير الحرب في الولايات المتحدة، يعكس حالة قلق متنامية من فاعلية الرد الإيراني، لأنه عندما تتحدث القيادة السياسية بلغة مطمئنة، بينما تصدر المؤسسة العسكرية إشارات تحذيرية، فإن ذلك غالبا ما يعني أن الأداء المقابل تجاوز التقديرات الأولية.

أكثر من ذلك، فإن لجوء الولايات المتحدة إلى حشد حلفائها التقليديين، سواء في الإقليم أو خارجه، يؤشر إلى أنها بدأت تستشعر كلفة الورطة التي انخرطت فيها، فالقوى العظمى لا تستنجد بالحلفاء إلا حين تدرك أن المواجهة المباشرة قد تستنزفها أكثر مما توقعت.

ويبقى عامل الغموض في آلية اتخاذ القرار داخل إيران عنصرا حاسما، هذا الغموض لا يبدو عرضا جانبيا، بل هو جزء من فلسفة إدارة الصراع، فحين لا يعرف الخصم بدقة من يقرر، ومتى يقرر، وكيف تُتخذ القرارات، يصبح هامش التوقع لديه محدودا، ويضطر إلى العمل وفق أسوأ السيناريوهات الممكنة، وهنا يتحول الغموض إلى عنصر قوة لإيران، وعنصر إرباك لأعدائها.

غير أن هذا الوضع لا يخلو من تحديات، ففي ظل فترة انتقالية محتملة، قد يبرز غياب مخاطب سياسي أو دبلوماسي واضح يمكنه إدارة قنوات التهدئة أو التفاوض، رغم أن الدستور يغطي فراغ المرشد، لكن السياسة الدولية لا تشتغل فقط بالنصوص، بل أيضا بالرموز والشخصيات والوجوه القادرة على إرسال إشارات الطمأنة أو الحزم في الوقت المناسب.

في كلمة، يبدو أن إيران تدير حربها بعقل مؤسساتي أكثر مما يُتصور، وبمنطق تراكم الخبرة في إدارة الأزمات، لكن استمرار هذا التوازن يظل رهينا بقدرتها على تحويل تعقيد بنيتها إلى مصدر قوة دائمة، لا إلى عبء في لحظة مفصلية من تاريخها السياسي.

المصدر