ARTICLE AD BOX
“الغارديان”: لا مساعدات تُجدي في غزة ما دام القصف مستمرا.. آخر أشكال الإغاثة هي القوة
الأربعاء 28 ماي 2025 | 10:50
بشكل صريح اكدت صحيفة “الغارديان” أن التدخل العسكري بات ضرورة إنسانية عاجلة لوقف الإبادة الجماعية الجارية في غزة، محذرة من أن التصريحات الدولية التي تهدد باتخاذ “إجراءات ملموسة” تظل غير كافية، ما دامت غير محددة وغير فعالة على الأرض، مشددة على أن أطفال غزة “لا يمكنهم أن يأكلوا التصريحات”، في إشارة إلى عبثية المواقف الدولية غير المقرونة بخطوات حقيقية.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى تصريح للأمين العام للشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة بتاريخ 20 ماي، قال فيه إن 14 ألف رضيع مهددون بالموت ما لم يُرفع الحصار فورا. يأتي ذلك بعد يوم واحد من تصريح مثير للصدمة أدلى به عضو الكنيست السابق موشيه فيغلين، قال فيه: “كل طفل في غزة هو العدو”. وفي الوقت نفسه، يواصل مسؤولون غربيون في بريطانيا وفرنسا التلويح بتدابير غامضة وغير واضحة لوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، وهو ما وصفه المقال بأنه غير كاف إطلاقا في ظل مجازر تُرتكب بشكل علني وممنهج.
بحسب الغارديان، فإن تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في الأسبوع الماضي تُظهر بوضوح النية المبيتة لمواصلة التدمير: “نحن ندمر كل شيء في غزة، والعالم لا يوقفنا”، قالها بوضوح. وعليه، تتابع الصحيفة، فإن ما يجب قوله الآن، من دون أي تردد أو اعتذار، هو أن التدخل العسكري ليس فقط مبررا، بل هو واجب، وضرورة إنسانية وتأخّر كثيرا.
ودعت إلى فرض منطقة حظر جوي حول غزة لمنع استمرار القصف الجوي، بالإضافة إلى تشكيل تحالف دولي لفتح ممر إنساني آمن يهدف إلى أمرين: أولا، إنهاء مشروع الاستيطان الإسرائيلي الذي يهدف إلى السيطرة على 65 بالمائة من أراضي غزة؛ وثانيا، السماح بتوزيع فوري للمساعدات الإنسانية. وأكدت الصحيفة أن الهدف من التدخل العسكري يجب ألا يكون مجرد وقف القتل مؤقتا، بل حماية حق الفلسطينيين في الوجود بكرامة، وبسيادة كاملة وغير مشروطة على أرضهم ومستقبلهم.
ونقلت الصحيفة عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي تصريحات تعزز منطق الإبادة، حيث جاء أن إسرائيل، بناء على توصية من جيشها، ستسمح بدخول “كمية أساسية من الطعام” إلى جنوب غزة، ليس بدافع الرحمة، ولا لإنقاذ الأرواح، بل لمنع المجاعة من عرقلة الاجتياح البري المرتقب، ولتفريغ المنطقة تمهيدا لـ”معارك عنيفة”. وتؤكد الغارديان أن هذه السياسة تمثل استخداما للمساعدات الغذائية كأداة في عملية تطهير عرقي: الغذاء ليس إغاثة، بل وسيلة للترحيل؛ والتغذية تُستخدم كأداة للتهجير.
ونقلت الغارديان عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قوله إن الضغوط الدولية، حتى من الحلفاء مثل أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي المؤيدين لإسرائيل، أجبرته على تقديم مظهر “زائف” من الإنسانية، لتجنب انتشار صور المجاعة. وقال نتنياهو: “أصدقاؤنا الأعزاء في العالم – من أعضاء مجلس الشيوخ الذين أعرفهم كمؤيدين أقوياء لإسرائيل – حذرونا من أنهم لا يستطيعون الاستمرار في دعمنا إذا ظهرت صور مجاعة جماعية”. وقالت الصحيفة البريطانية إن إسرائيل تدرك أن عملية الإبادة الجماعية لا يمكن أن تستمر إلا إذا سمح العالم بذلك تحت غطاء خادع من “المساعدات الإنسانية”.
وذكرت الغارديان بخطاب نتنياهو في 28 أكتوبر 2023، الذي دعا فيه إلى إبادة سكان غزة باعتبارهم “شعبا شريرا”، قائلا إن إسرائيل “ملتزمة بإزالة هذا الشر من العالم”. وكان ذلك في بداية حملة عسكرية أُطلق عليها “عملية مركبات جدعون”، حملت رمزية توراتية تصور القصف وكأنه طوفان مقدّس. وأشارت الصحيفة إلى أن منشورات إسرائيلية وُزعت على سكان غزة تظهر مياه البحر وهي تبتلع المباني، مع نجمة داوود المتوهجة كسلاح. كل هذه الرموز تصفها الصحيفة بأنها “إبادة جماعية مُمسرحة على هيئة نبوءة دينية”، مؤكدة أن هذا الجنون لم يواجه بأي تدخل دولي حقيقي حتى الآن.
وفي مشهد مؤلم وصفته الغارديان، تقول: نحن الآن نحسب عدد القتلى ثم نشكك فيه. نشاهد أكثر من 61,700 إنسان يُبادون فيما يجادل العالم حول شاحنات الغذاء. وتضيف: لقد جربنا العرائض. كتبنا الرسائل. نظمنا الاحتجاجات السلمية. قدمنا الأدلة. تابعنا اتفاقيات جنيف تُتلى كما لو كانت أدعية، في حين تُنتهك بنودها كلها. انتظرنا محكمة الجنايات الدولية لتتحرك، بينما تسارع الولايات المتحدة إلى إرسال المزيد من الأسلحة إلى الحدود. رأينا قوافل الغذاء تُقصف، وعمال الإغاثة يُعدمون، والرضع يتضورون جوعا. وتخلص الصحيفة إلى القول: نحن لسنا متطرفين، نحن فقط لسنا مستعدين للموت بأدب.
وأشارت الغارديان إلى أن التدخل العسكري ليس خيالا استعماريا مستوردا من الغرب، بل هو آلية مضمنة في بنية القانون الدولي ذاته. فالمادة الأولى من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية تُلزم الدول ليس فقط بمعاقبة الجريمة، بل بمنعها. كما أن مبدأ “المسؤولية عن الحماية” (R2P) الذي تبنته الأمم المتحدة في 2005، ينص على أن الدول مُلزمة بالتدخل عندما يفشل بلد ما بوضوح في حماية شعبه، أو – كما في الحالة الفلسطينية – عندما يسعى بنشاط إلى تدميره.
وقدمت سوابق لذلك التدخل، منها تدخل حلف الناتو في كوسوفو عام 1999 بعد مجازر وتهديد بالتطهير العرقي، وتدخل قوة متعددة الجنسيات في تيمور الشرقية لوقف فظائع ارتكبتها ميليشيات مدعومة من الجيش الإندونيسي، وكذلك القرار 1973 الصادر عن مجلس الأمن الذي سمح بتدخل عسكري في ليبيا لحماية المدنيين. وفي كل تلك الحالات، تعترف الصحيفة بأن القوة كانت الوسيلة الوحيدة الممكنة للحماية، وأن السيادة لا يمكن أن تكون غطاء للذبح، وأن التأخير يعني المزيد من القبور.
وتسأل كاتب المقال عن لماذا لم يحدث الشيء ذاته الآن؟ لماذا لا يُطبق هذا على الفلسطينيين؟ هل السبب أن القنابل مكتوب عليها “صنع في أمريكا”؟ ثم أكد أن لا أحد يطالب باحتلال جديد، ولا بتدخل لأجل النفط أو الديمقراطية أو الرايات. ما يُطلب هو البقاء، هو النجاة.
وخلص الغارديان إلى أن التدخل العسكري ليس عنفا، بل ما يوقف العنف، و ليس فشلا في القانون، بل تجسيده. وهو آخر نوع من أنواع المساعدة لم تستطع إسرائيل قصفه أو حظره أو تحويله إلى أداة حرب. أما إسقاط الأرز من الطائرات على الحفر فهو ليس إغاثة، وفقا للصحيفة فإن الإغاثة هي إزالة سبب الجوع، وهي فتح المعابر لا تصويرها، وهي تأمين ممرات لسيارات الإسعاف، بحيث لا تضطر للكذب بشأن وجهتها لتفادي القصف.
وفي ختام المقال، تقول الغارديان إن اللغة الدبلوماسية، حين تستمر رغم المجازر، تبدأ في الظهور كنوع من التواطؤ. وإذا كان من يكتبون القوانين لن يطبقوها، فإن علينا أن نستنتج ما كان الفلسطينيون يعرفونه دائما: القانون الدولي وهم، ولم يُخلق لهم. وتصف الصحيفة مشاهد مروعة عاشها الفلسطينيون: آباء يحملون أشلاء أبنائهم في أكياس، أطفالا تحت الأنقاض يهمسون: “تعالوا خذوني”، وأطباء يجرون عمليات ببقايا أدوات المطبخ. وتختم بالقول: إذا كان هناك أي قيمة لا تزال لكلمة “إنساني”، فعلى العالم أن يتصرف بناء عليها، بالتالي فإن آخر أشكال المساعدة التي تبقت هي القوة، لأن غزة لم تعد تحتمل الانتظار.
.jpg)
منذ 11 أشهر
10







