ARTICLE AD BOX
يدير أكيندي
العنف متعدد الأبعاد
الأحد 20 مارس 2022 | 19:53
تميزت الأيام الماضية بتزامن حدثين متفرقين من ناحية المتدخلين والوقائع، إلا أنهما يلتقيان من حيث نوعية النتائج، وأعتقد كذلك من حيث العبر التي يجب استخلاصها.
آراء أخرى
فكلا الحدثين يجمعهما ممارسة العنف إتجاه الآخر، اتجاه الأملاك العامة والخاصة، إتجاه الوطن وضد المواطنات والمواطنين. لعل القاريء الكريم بحدسه، سيعرف اننا بصدد التلميح إلى الأحداث المأساوية التي تلت لقاءا كوريا بين فريق الجيش الملكى وفريق المغرب الفاسي،والذي عرف أحداث الشغب والعنف ، ،والتي حظيت باهتمام جميع المتتبعين، لما خلفته من صور سلبية لا تمت بصلة للروح الرياضية وأخلاقها، وتجلت بالأساس في تخريب التجهيزات الرياضية بالمركب ، والإضرار بممتلكات الغير خارجه، بل وتعدتها إلى إصابة العديد من محبي الناديين، كما تسببوا في إصابات متفاوتة الخطورة في صفوف الأمن، حيث أصيب 85 شرطيا بجروح،و إصابة 18 عنصرا من القوات المساعدة بجروح ، فضلا عن إصابة 57 من الجمهور بإصابات مختلفة، وإضرام النار في دراجة نارية وتكسير 33 سيارة تتنوع ما بين مركبات تابعة للشرطة وسيارات أخرى في ملك الخواص.
والحدث الثاني هو أصدار المجلس الأعلى للحسابات تقريره السنوي برسم سنتي 2019 و 2020، وذلك طبقا لمهامه الدستورية، لاسيما في ممارسة المراقبة العليا على المالية العمومية، وفي مجال تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة.
التقرير يكشف اختلالات بالجملة في تدبير العديد من المشاريع الكبرى والمهيكلة وكذلك الشأن بالنسبة للعديد من البرامج القطاعية. وهكذا فقد كشف المجلس الأعلى للحسابات أن أكثر من 2635 من المشاريع الكبرى والمهيكلة في كل مناطق المملكة تعرف تعترا كبيرا، بل منها من هو متوقف وأخرى لم تعطى انطلاقتها ، وتمس هذه المشاريع الجوانب الإقتصادية خاصة تلك المتعلقة بأحداث المناطق الصناعية والمراكز التجارية والأسواق النموذجية ،وتصل قيمة إجمالي هذه المشاريع إلى أكثر من 7 ملايير درهم، تم تأتي المشاريع ذات الصبغة الثقافية و التعليمية والمهنية بقيمة 4 ملايير درهم، ثم المجال الصحي ب مليار و 652 مليون درهم. والمؤسف جدا هو أن أسباب هذا الضياع تكمن في في غياب وضعف الدراسات القبلية سواء منها التقنية المالية ودراسات الجدوى والنجاعة، كما أن الارتجالية تسم هذه المشاريع حيث أن المجلس الأعلى للحسابات وقف على عدم وجود أهداف محددة ومرقمة، عدم ضبط الحاجيات، عدم حصر وتحديد الفئة من المواطنات والمواطنين المستهدفين. نعتقد أنه من المفروض فيمن أوكلت لهم مسؤولية إعداد هذه المشاريع الإلمام بتقنيات إعداد وتسيير وتتبع وتقييم أي مشروع، اللهم إذا كلف بها من لا يفقه في العلوم الإقتصادية والإجتماعية وتقنيات التسيير و التدبير أي شيء، وهذا في حده عنف وبلطجة في حق الصالح العام، أو كما يقال “إذا أسندت الأمور إلى غير أهلها فانتظر الساعة“.
إن تقرير المجلس الاعلى قد أكد وبالملموس أن العنف الممارس على المالية العمومية، وعلى برامج التنمية والاستثمار يعتبر خطرا كبيرا على مستقبل المغرب والمغاربة ، و من هنا يتضح أن العنف ليس دائما مرتبطا بممارسة القوة و التشرميل و حمل السيوف و السرقة بالعنف و الخطف، بل يكتسي طرقا أخرى تجعله أكثر فتكا بأسس التماسك الاجتماعي و الاستقرار. إن هذا النوع من العنف هو ما أشار إليه ابن خلدون، عندما تحدت عن ضرورة أن تكون الدولة رفيقة بالمواطنين من حيث توفير الخدمات الأساسية و الحكامة في صرف و تسيير المال العام، و بربط المسؤولية بالمحاسبة و بالضرب بقوة القانون على المفسدين، و استرجاع ما كسبوه بغير حق، فإذا كان الحال هكذا فإن المواطنين يصبحون عونا للدولة في كل الاوقات. و على العكس فإن المواطنين سيعشون الخوف و الذل، و بالتالي ستفسد أخلاقهم، و يلتجئون في معاملتهم إلى الكذب و المكر و الخديعة و الخذلان. وفي حالة ربط المسؤولية بالمحاسبة،فإن هيبة الدولة تصبح مصانة ومحفوظة من الجميع، وفي اعتقادي أن هذا هو المقصود من #دولة قوية ومجتمع قوي” الوارد في تقرير النموذج التنموي الجديد.
في جانب آخر، يمكننا القول أن مظاهر العنف المغلف بالفساد يضر كثيرا بالتنمية الاجتماعية، من حيث تأثيره في تعميق ظاهرتَي الفقر والبطالة، والحد من الإنفاق الحكومي على التعليم والصحية وخلق فرص العمل . فالفساد يعمل على تدمير القدرة الشرائية، ويرسخ عملية عدم تكافؤ الفرص، ويمنع وصول الأموال من المركز إلى القاعدة. وبناء عليه، فهو يمس بشدة الطبقات الضعيفة في المجتمع، ويمنع الأفراد من الترقي الاجتماعي وبالتالي تقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية مقابل العمل،ويعرقل وصول الأفراد إلى منظومة تعليم جيد،ونتذكر هنا جميعنا نزيف المخطط الاستعجالي للتربية والتعليم والتكوين والذي تبخرت خلاله أكثر من 34 مليار درهم، وحصولهم على نظام صحي فاعل،وفي هذا السياق أشار تقرير المجلس الأعلى للحسابات إلى أنه خلال العشر سنوات الماضية 2010\2019 تمت اظافة 854 سرير فقط إلى الطاقة الاستيعابية بمستشفيات المملكة، علما بأن المبرمج كان هو 3168سرير، فقد إنتقل العدد من 21832 سنة 2010 إلى 22686 سنة 2019. فهل بهذه الوتيرة سيتم إنجاح ورش الحماية الاجتماعية؟؟؟ وشغل لائق ، فيتسبب في إسقاطهم في حالة من الفقر المتعدد الابعاد.وكسر كرامتهم ،
هكذا يلاحظ أن ا لعنف أصبح حاضر على جل الواجهات وفي جل القطاعات… يرتبط بحياة الناس في الشوارع والبيوتات و المعامل و المدارس و المستشفيات و الادارات العمومية و الاحزاب السياسية وحتى بعض جمعيات المجتمع المدني .أعتقد أن المشكلة ليست في وجود حالات العنف في حد ذاته فهو موجود منذ خلق الانسان. وإنما الخطر في ازدياد ممارسة العنف وفي تنوع تمظهراته واتساع رقعة مرتكبيه ليشمل أشخاصا عاديين، ومسؤولين بل ومؤسسات.
إن العنف الذي نحن بصدده هو كل ما من شأنه أن يمس بحق من الحقوق الاساسية للإنسان أي كل ما يحط من كرامة الإنسان وهو ما يسميه بييربورديو Pierre Bourdieu بالعنف الرمزي وهو كل أشكال العنف الغير فيزيائي. هذا العنف له تداعيات كثيرة بل وخطيرة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وبالتالي فإنه يصبح مهددا للعقد الاجتماعي لان ضحاياه غالبا ما يكونون من الطبقات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة وهي التي تشكل الاغلبية من المواطنين.
خلاصة القول إن العنف أنواع وأشكال، إلا أن أشد أنواع العنف خطرا وفتكا بالمجتمعات وتماسكها ورقيها، هو ما سبقت الاشارة إليه أعلاه، وإن لم نقف جميعا ضدها، ونحاول زجرها بالقانون والردع،وربط المسؤولية بالمحاسبة، وعدم الإفلات من العقاب، وجعل السكوت مشاركة، وجعل القضاء يسحب المسكوب بغير حق.
فكما هناك منحرفون يحملون السيوف يقطعون الطرقات ويسلبون المواطنين أرزاقهم، هناك مسؤولون يستنزفون المال العام لصالحهم، يغتنون على حساب قوت الشعب،ولعل ما نشرته بعض الصحف من كون ثروة جمركي يحاكم أمام محكمة جرائم الأموال بالرباط تفوق مليار، في حين أن راتبه لا يتعدى 3600 درهم.
يوزعونالمناصبعلىذويالقربىدوناعتبارللكفاءةوالنزاهة وهم بالتالي من يؤدي بفسادهم إلى بروز فئة المشرملين.
وحتى نكون حازمين ومنطقيين مع أنفسنا فإنه يجب على كل من يطالب بانزال أقصى العقوبات بمحدثي أعمال العنف عقب مبارة الجيش الملكى وفريق المغرب الفاسي، فإنه يجدر بنا كذلك بالمطالبة بمتابعة كل من تبت تورطه في نهب المال العام، أو تسبب في تعطيل إنجاز المشاريع التنموية.
خبير في التنمية الدامجة، فاعل جمعوي.
.jpg)
منذ 4 سنوات
6







