الصين و التموقع الاستراتيجي 

منذ 4 سنوات 12
ARTICLE AD BOX

جمال أكاديري 

الصين و التموقع الاستراتيجي 

الجمعة 11 مارس 2022 | 21:20

يتم تقديم علاقة التقارب الاستراتيجي ،  بين الصين وروسيا ، على أنها متينة  وحاسمة ،  في رسم خريطة النظام الدولي الراهن .

آراء أخرى

  • في تحليل موقف المغرب من الأزمة الأوكرانية

  • العلاقات المغربيّة-الإسبانيّة : قضايا عالقة وإكراهات مُؤرقة

  • بعض إيحاءات الحرب

لكن من وجهة معينة ، و أكثر دقة ،  فالعلاقات الصينية الروسية ، معقدة بالفعل ، ومتشابكة  وغير متكافئة .
في هذا التقارب الثنائي ، تفوق الصين على مستوى التمركز الدولي التجاري ، واضح بالفعل ، وعلى عدة مستويات،  والذي يمكن أن يزداد أكثر قوة ، إذا انقلب  الغزو المعلن على  أوكرانيا ، لغير صالح  موسكو .
فالصين ، الشريك الإقتصادي الجديد لاوكرانيا  ، في العقد الأخير  ، تعلم أن الحرب الحالية ، مهما كانت النتيجة ، ستغير في كل الأحوال  من الوضع جيو-إقتصادي السابق وتفتح آفاقا مغرية .

كل هذا ستستفيد منه الصين ، في سيناريوهات مستقبلية ، خاصة بمجالها الاستراتيجي الواسع ، في التحرك والتموقع ، و تحاول ان تجعله في منأى عن التدخلات الغربية والأممية.

مجالها الحيوي ذاك ، الذي يمتد من جزيرة  تايوان ، متقاطعا  مع مصالحها الدولية الأسيوية ، دون إغفال ، مسألة توازن القوى في الأقاليم البحرية و في المحيط الهادئ .
في هذا السياق الدولي إذن ، تستخدم الصين  حذرا وصمتا استراتيجيا ،  لموازنة وقياس إجراءات سياستها الخارجية المستقبلية ، وفقا لتطور الوضع الدولي ، وعلى ايقاع  مجريات الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية .
فهي  طريقة للاستعداد للمفاجئات المستقبلية ، وحجز مساحة للمناورة الاقتصادية ، مع العلم أن تداعيات الحرب ، والعقوبات الاقتصادية (بما في ذلك ما يتعلق باستبعاد البنوك الروسية  من نظام سويفت )  ستغير الوضع على طول آلاف الكيلومترات ، خاصة بالنسبة للنقل التجاري عبر المسالك  البرية ، وبشكل عام للتجارة مع أوكرانيا ، وروسيا ، وبيلاروسيا.

وقد يؤدي الانشغال الروسي ، بتداعيات الحرب ، إلى قيام النظام الصيني ، بالاستثمار بشكل أكبر  في مساحة النفوذ الدبلوماسي والاقتصادي والاستراتيجي لمنطقة أوراسيا (الطاقة ، والموارد الطبيعية ، والدخول في تعاون وشراكة مع الأنظمة القائمة )
لهذا يظل النظام الصيني ، مراقبا حذرا ، مستغلا الوقت الكافي لصالحه ، بعيدا عن التوترات و النزاعات ، و بحثا عن فرص التأثير الديبلوماسي و الإستثمار الناجح   .

فكأن الصين ، تغير من موقفها ببطء ، تجاه الأزمة ،  حيث يبدو موقفها أقل غموضا ، على الرغم من أن هذا ، لم يتضح بعد كاملا ، إلا أن هناك ، العديد من العوامل ، التي ستجعلها تتراجع ، عن تبني أي تأييد للغزو الروسي ،  لحرمة أراضي دولة سيادية عضو في الأمم المتحدة  ، بما في ذلك ، اعتبار حسابات مصالحها المعلنة وغير المعلنة ، والروابط الدبلوماسية والعسكرية ، التي تجمعها في اتفاقيات سابقة ، مع أوكرانيا  ، دون نسيان الاعتبارات الاستراتيجية الأخرى.

بالنسبة للصين ، تعتبر أوكرانيا بوابة أساسية ، ومركز عبور مهم ، إلى قلب الاتحاد الأوروبي .

وهي  تقيم بشكل إيجابي ، اتفاقية أوكرانيا التجارية الإقتصادية  لعام 2017 ، مع الاتحاد الأوروبي .  لهذا السبب تعتبرها السلطات الديبلوماسية الصينية ، بمثابة جسر للتواصل بين الشرق والغرب ، بدلاً من أن تكون جبهة أمامية للمنافسات الجيوسياسية ، بين أطماع روسيا وإغراءات الحلف الأطلسي .

وللصين حسابات أخرى ، تجعلها لا ترغب في أن تتأثر ، بتداعيات العقوبات  الاقتصادية الغربية المفروضة على روسيا ، والتي بدأت في إفراز نتائجها تدريجياً.

في حين ، يشير المراقبون  ، إلى أن استبعاد روسيا من  نظام سويفت ، قد يؤدي بدوره إلى تقريبها من المساعدات الصينية  ، إلا أن الصين، تسعى  بحذر، إلى عدم إظهار أي موقف في هذا الاتجاه يعين روسيا على  التهرب من آثار  العقوبات.

فتبعا ، لما جاء في آخر خبر  اقتصادي متداول ، فلقد  أوقفت بعض البنوك الصينية ، إصدار ارساليات الاعتماد لشراء السلع الروسية .  فالذي يبدو أن الجهات المالية الفاعلة في الصين، قد لا تكون في الواقع ، مهتمة بالمراهنة ، على الاقتصادات المعطوبة ، أو المهددة بالاختناق ،  وهذا ما حدث لها ، سابقا،  في حالة فنزويلا أنموذجا .

ولد الغزو الروسي لأوكرانيا ، إذن ، إجماعا غير مسبوق ، بين دول معسكر الحلف الاطلسي ، وهو أمر لا تحبذه السلطات الصينية كثيرا .  فمن الناحية  الإستراتيجية  البراغماتية ، فهي على عكس روسيا ، ترنو  إلى أن تكون هناك دول في الاتحاد أوروبي ، مستقرة ، لكن متباعدة و مشتتة في تحديد علاقاتها  الخارجية ،  داخل سوق أوروبية مشتركة كبيرة و متكاملة ، ستدعم وتستقبل خاصة  صادراتها . في غضون ذلك ، ستضطر الصين ربما إلى إعادة  النظر  في حساباتها ، إذا أرادت الحفاظ على علاقتها مع روسيا ،التي تواجه عقوبات اقتصادية قاسية  .

فإما البقاء بالقرب من روسيا ،  أو تقييم إحجامها عن الوقوف إلى جانب موسكو في الأزمة الحالية . في كلا الحالتين  هذا سيؤثر حتما ، على علاقة الصين بالاتحاد  الأوروبي ، والدول الأوروبية الموجودة على حدود النزاع ، ويمكن أن يسرع تفاقم توتر جديد على الصعيد العالمي.

المصدر