الصحافة التفسيرية ورهان الجودة في الإعلام المغربي

منذ 3 سنوات 4
ARTICLE AD BOX

سامي صبير

الصحافة التفسيرية ورهان الجودة في الإعلام المغربي

الثلاثاء 28 يونيو 2022 | 13:30

يمكن اعتبار أن الرهان على الصحافة التفسيرية قد تصاعد بشكل ملحوظ أمام المؤسسات الصحفية عقب ما عرف بموجة الربيع العربي سنة 2011، كمحاولة لتجاوز الطريقة السائدة في تناول الأحداث من زاوية القصاصات الخبرية المجردة، إلى اعتماد مواد صحفية ترتكز على الجودة والعمق كاستجابة للمطلب المجتمعي المنادي بإعلام عربي بديل لا يقتصر على حقيقة الرواية الواحدة.

آراء أخرى

  • نفض الغبار عن كوكب المتقاعدين واجب إنساني ومسؤولية وطنية يا وزيرة الاقتصاد والمالية؟

  • مهزلة وهران المثيرة!

  • هرمينوطيقا انصهار الآفاق عند هانز جورج غادامير

ويقصد بالصحافة التفسيرية تجاوز تغطية الأحداث / الأخبار بشكل مجرد، إلى البحث في ماذا تعني وما هي النتائج والآثار المترتبة عليها، فهي شرح للأخبار، ومحاولة تبسيط القضايا المعقدة للجمهور، بحيث تقدم عرضا مختصا تفصيليا كافيا للموضوع وخلفياته وسياقه دون الاستفاضة في التفاصيل المملة، لتعزيز وعي الجمهور بالقضايا المعقدة، حيث يكون الصحفي مطالبا بالتدقيق والتعمق أكثر بحثا عن مصداقية المعطيات لتكوين الوعي النقدي.

فرغم الخدمات الكبيرة التي استطاع أن يقدمها التطور التكنولوجي والسرعة التي أتاحها في نشر المعلومات وبثها للجمهور وتداولها، إلا أنه ساهم من جهة أخرى في انتشار الشائعات والأخبار المنقوصة، وبالتالي أضحى لابد للصحفي من الاجتهاد في الحفاظ على الخيط الرفيع الذي يفصل بين العمل الصحفي المهني والبحث عن الإثارة السلبية في التعاطي مع القضايا، وذلك في ظل سواد رهان الربح المجرد الذي أضحى ينعكس بشكل كبير على جودة المادة الصحفية.

ويمكن أن نشير في هذا الصدد كمثال ما شهدته أحداث تغطية واقعة الطفل “ريان”، حيث أورد المجلس الوطني للصحافة في بلاغ أصدره بتاريخ الرابع من شهر فبراير الماضي، بأن التعامل مع المعلومات والمعطيات المتعلقة بعملية الإنقاذ، تمت بشكل غير مهني، من خلال كمية الأخبار الغير صحيحة التي جرى ترويجها بسبب طغيان الهاجس التجاري والتسويقي، دون التأكد من صدق المعلومات، مضيفا أنه سجل عددا من التجاوزات التي تم ارتكابها من طرف بعض الصحف الإلكترونية للربح المادي والبحث عن زيادة عدد المشاهدات.

ولعل من بين أهم الإكراهات الأساسية التي تواجه تجويد العرض الصحفي وتساهم في تسطيحه واستنساخه بمناطق شمال إفريقيا والشرق الأوسط، هي مسألة تمويل المؤسسات الإعلامية، خصوصا أمام الانتشار الكبير للصحف الإلكترونية، ليسر تأسيسها والاعتماد في تحرير موادها على مواقع التواصل الإجتماعي لتجديد محتوياتها على مدار الساعة أو اليوم، وذلك لما توفره هذه المصادر من سرعة وقلة تكلفة، وفي المقابل المزيد من النقرات والزيارات، مما يعني المزيد من مداخيل الإعلانات من شركة غوغل وفيسبوك، حيث نجد أن معظم هذه الصحف، ونقول صحفا أو مواقع إخبارية وليس مؤسسات لكون أن هيئات تحريرها وطواقمها لا تتعدى في حالات كثيرة شخص أو شخصين، -نجدها- تتداول نفس المواد وترفع رهان الربح أكثر من تحقيق الوظائف الصحفية، حيث تقتصر على الوظيفة الإخبارية المجردة ثم الترفيهية دون تجاوزها لباقي الوظائف وعلى رأسها التفسيرية.

كما يرتبط تحقيق هذا المطلب كما كان الشأن دائما، بطبيعة العلاقة التي تجمع بين السلطة والصحافة، ولأن هذه الأخيرة مثل السمكة التي لا يمكنها العيش خارج الماء فإنها لا يمكن أن تحقق وظائفها خارج بيئة تسمح لها بدعوة الجمهور إلى التحليل والنقد وممارسة حق الرقابة على السلط والمؤسسات، وتفعيل مشاركته في القضايا التي تهمه وتأثر فيه.

وقد كانت طبيعة العلاقة بين السلطة والمؤسسات الصحفية دائما تتسم بالشد والجذب، حيث تراهن مؤسسات الدولة على ضم قطاع الإعلام وجعله كأداة لتنزيل المشاريع وتوجيه الرأي العام لجهة سياسية وايديولوجية دون أخرى، وذلك رغم تناقض الأمر مع أساس الصحافة وخصوصيتها كوسيلة إعلامية جماهيرية، مهمتها جمع وتحليل الأخبار وتفسيرها، وتقديم الآراء والتحقق من مصداقيتها ونشرها للقراء، من خلال الاهتمام بالمستجدات الجارية التي تحمل قدرا من الأهمية للجمهور، وهو ما لخصه الكاتبان الأمريكيان بيل كوفاتش وتوم روزنشتيل بالقول بأن “ولاء الصحفي يكون دائما للجمهور”.

اليوم تواجه الصحافة العربية عموما والمغربية خصوصا، أكثر من أي وقت مضى في ظل المنافسة الكبيرة من جهة، ليس فقط بين المؤسسات الصحفية بل أيضا مع الصفحات على مواقع التواصل الإجتماعي، وبين مطالب تتعالى ولا يمكن تجاهلها بشأن توفير صناعة صحفية تجسد مسؤوليتها تجاه المجتمع، -تواجه- تحدي فتح المجال إلى ابتكار إخراج فني يتمشى ما التحولات الرقمية الجديدة، وهنا نورد مثال منصة الجزيرة عربي بليس AJ+ كنموذج ومنصة “كشف” و”انكفاضة” التونسيتان، إلى جانب عدة صحف، التي استطاعت بواسطة مجموعة من البرامج والأدوات الرقمية المتاحة، أن تستحضر وظيفة الصحافة التفسيرية كصحافة للعمق والجودة، ودورها في تعزيز الديمقراطية والحق في المعلومة، دون أن تسقط في فخ المادة الأكاديمية المجردة والنخبوية، كما وجدت السبيل إلى تقديم محتوى رقمي يتجاوز الأشكال التقليدية للإعلام.

فالصحافة التفسيرية تعد الأقدر الأدوات التي يمكن أن يتسلح بها الإعلام في مواجهة التضليل والاستنساخ الناتج عن الكمية الكبيرة للمعلومات والأخبار التي يتم ترويجها يوميا خصوصا على منصات التواصل الإجتماعي، حيث يكون الصحفي ملزما بالبحث في مختلف المصادر المتاحة وتعويض المواد الصحفية السطحية المبتورة السياق، بمواد أكثر عمقا وتفسيرا للأحداث.

المصدر