السلطة التشريعية بين وهم الاستقلالية ومنطق الترويض التشريعي

منذ 2 أشهر 11
ARTICLE AD BOX

من المفترض أن تشكل السلطة التشريعية حجر الزاوية في أي نظام دستوري ديمقراطي، باعتبارها التعبير المؤسسي عن الإرادة الشعبية، والفضاء الطبيعي لصياغة القواعد القانونية والسياسية الكفيلة بحماية الحقوق والحريات، وتنزيل الاختيارات الشعبية، وضمان توازن السلط.

آراء أخرى

  • هيئة التفتيش التربوي ورهان "الجودة الشاملة" وإنجاح الإصلاح

  • باسم "الريادة" صفقات بالملايير تخرق الدستور لشرعنة الوهم البيداغوجي

  • ورطة المجلس الأعلى للحسابات!

غير أن الممارسة التشريعية بالمغرب تكشف، في كثير من محطاتها، عن محدودية هذه الاستقلالية، وخضوع عملية إنتاج القانون والسياسة لمنطق سياسي آتٍ من خارج القبة، مما يجعل التشريع أداة ضبط وتقويض أكثر منه وسيلة تحرر وانعتاق، وتنزيل للاختيارات الشعبية.

ولا يمكن مقاربة وضعية السلطة التشريعية بالمغرب وحدود استقلاليتها دون الانطلاق من الإطار الدستوري الذي يؤطرها، والسياق السياسي الذي وُلد فيه هذا الإطار. فالدستور، باعتباره الوثيقة المرجعية العليا، لا يُختزل في نصوصه المجردة، بل يُفهم أيضاً من خلال ظروف إنتاجه، وتوازنات القوة التي حكمت صياغته، والوظائف التي أُنيطت به في لحظة سياسية دقيقة.

جاء دستور سنة 2011 في سياق إقليمي ودولي استثنائي، اتسم بتصاعد مطالب الديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية في عدد من الدول العربية، وتفاعل داخلياً مع حراك اجتماعي وسياسي غير مسبوق عُرف بـحراك 20 فبراير. وقد قُدِّم الدستور، على مستوى الخطاب الرسمي، باعتباره منعطفاً دستورياً يؤسس لمرحلة جديدة، قوامها توسيع مجال الحقوق والحريات، وتعزيز مبدأ فصل السلط، وربط ممارسة السلطة بالمحاسبة والمسؤولية، في تناغم مع المطالب الشعبية على مستوى الشارع.

غير أن هذا الطموح المعلن ظل، في كثير من جوانبه، محكوماً بسياق إنتاج الدستور وبحدود الاختيارات السياسية التي رافقت صياغته، وطريقة تعيين لجنة إفرازه بدل مطلب المجلس التأسيسي المنتخب، ما انعكس لاحقاً على طبيعة تنزيل مقتضياته وعلى مدى قدرته الفعلية على إحداث تحول ديمقراطي عميق.

رغم لغته المتقدمة، ظل الدستور في جوهره دستوراً ممنوحاً، صيغ في إطار مبادرة فوقية، وبمنطق احتواء المطالب المجتمعية أكثر من كونه تعبيراً عن تعاقد ديمقراطي فعلي بين الدولة والمجتمع. هذا المعطى التأسيسي انعكس مباشرة على طبيعة فصل السلط الذي أقره الدستور، فهو فصل مرن، غير حاسم، يسمح بتداخل واسع للاختصاصات، ويُبقي على مركزية القرار خارج المؤسسات التمثيلية، خصوصاً فيما يتعلق بالاختيارات السياسية والتشريعية الكبرى.

وبذلك، فإن الحديث عن استقلالية السلطة التشريعية لا يمكن فصله عن هذا الإطار الدستوري الذي يمنح البرلمان اختصاصات واسعة نظرياً، لكنه يُفرغها عملياً من مضمونها عبر آليات مؤسساتية وسياسية دقيقة.

أولاً – فصل السلط في الدستور: مبدأ بلا ضمانات

ينص الدستور المغربي على فصل السلط وتوازنها وتعاونها، غير أن هذا التنصيص يظل، في كثير من جوانبه، أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى مبدأ مؤطر بضمانات صارمة. فالسلطة التشريعية، رغم توسيع مجال القانون، لا تمتلك الأدوات الفعلية لممارسة استقلاليتها بشكل كامل، في ظل هيمنة السلطة التنفيذية على المبادرة التشريعية، والتحكم في الزمن التشريعي، والتأثير المباشر وغير المباشر في مسار المصادقة على القوانين.

ويضاف إلى ذلك الاختلالات التي تشوب العملية الانتخابية، من استعمال المال العام والفساد، وتهميش الكفاءات، والاعتماد على الأعيان والولاء المسبق لاختيارات الدولة، وعدم حياد الجهة المشرفة في أحايين كثيرة، وهي عملية تماهت معها العديد من الأحزاب السياسية، سواء في تهميش طاقاتها أو الاعتماد على “الديناصورات الانتخابية”، إضافة إلى ما يسود منح التزكيات من بيع وشراء.

كما لم يُحصّن الدستور البرلمان من منطق التوظيف السياسي للمؤسسة التشريعية كآلية لتمرير اختيارات جاهزة، ما يجعل الاستقلالية التشريعية رهينة لتوازنات سياسية لا تعكس بالضرورة الإرادة الشعبية، بل تعيد إنتاج منطق التحكم في القرار العمومي.

مع ذلك، فإن نقد الدستور لا يعني القطيعة معه أو التقليل من أهميته القانونية، إذ رغم طابعه الممنوح واختلالاته، يظل مرجعاً أساسياً، خاصة لما يتضمنه من ضمانات دنيا تتعلق بالحقوق والحريات وسمو المواثيق الدولية وربط السلطة بالقانون.

ثانياً – الإطار الدستوري لاختصاصات السلطة التشريعية وحدود تنزيله

كرّس دستور 2011 مكانة مركزية للبرلمان، سواء من حيث توسيع مجال القانون، أو دوره في التشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية. كما أكد على سمو الدستور وربط مشروعية القوانين باحترام الحقوق والحريات الأساسية، كما هي متعارف عليها دولياً.

غير أن هذا التقدم النظري سرعان ما يصطدم بواقع تشريعي تُهيمن عليه السلطة التنفيذية، من خلال احتكار المبادرة التشريعية، أو التحكم في أجندة البرلمان، أو توظيف الانضباط الحزبي داخل الأغلبية الحكومية والبرلمانية لتمرير نصوص محددة سلفاً.

إن هذا الاختلال يعكس بنية سياسية تجعل البرلمان فضاءً محدود التأثير في الخيارات الكبرى، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقوانين تمس جوهر الحريات العامة أو العلاقة بين الدولة والمجتمع، ما يبرز حدود الاستقلالية التشريعية، ليس فقط من زاوية النص، بل من زاوية القدرة الفعلية على ممارسة الاختيار الحر والمسؤول.

ضعف الأحزاب السياسية، وهيمنة منطق الأغلبية الحكومية، وتداخل النخب السياسية والإدارية، كلها عوامل تؤدي إلى إفراغ البرلمان من دوره الرقابي والتشريعي الحقيقي، وتحويله إلى فضاء لإعادة إنتاج قرارات السلطة التنفيذية بدل مراقبتها. ومن منظور نقدي، يظل البرلمان المغربي، رغم استقلاليته الشكلية، خاضعاً لبنية السلطة الفعلية داخل الدولة، حيث يتمركز القرار السياسي في مستويات أعلى من المؤسسة التشريعية، سواء داخل الجهاز التنفيذي أو المؤسسة الملكية، مما يجعل الاستقلالية البرلمانية محدودة ومؤطرة بسقف سياسي ودستوري صارم.

ثالثاً – التشريع كآلية للضبط والتحكم على حساب حماية الحقوق

يتجلى من أبرز سمات التشريع الحالي أنه تشريع وظيفي، يُنتج استجابة لحاجيات الدولة في الضبط والتحكم أكثر من كونه استجابة لحاجيات المواطنين في الحماية وتأمين الحريات.

ويتضح ذلك في النصوص التي تُمرر خلال فترات التوتر الاجتماعي أو التحول السياسي، إذ يلاحظ ميل متزايد نحو توسيع نطاق التجريم، وتشديد القيود على حرية التعبير والتنظيم والاحتجاج، مقابل تراجع المبادرات التشريعية ذات الطابع الاجتماعي والحقوقي.

يصبح القانون أداة لإعادة إنتاج اختلال ميزان القوة بين السلطة والمجتمع، في تعارض صريح مع فلسفة الدستور وروحه، بدل أن يكون تعبيراً عن الإرادة العامة.

رابعاً – ترويض المشرّع وإفراغ النقاش العمومي من مضمونه

يمتد منطق التشريع إلى منهج إنتاجه، إذ غالباً ما تُعتمد مساطر تشريعية تتسم بالاستعجال، مع تقليص هامش النقاش البرلماني، وتهميش المقاربة التشاركية، وإقصاء الفاعلين المدنيين والحقوقيين من بلورة النصوص.

كما يُلاحظ توظيف الأغلبية البرلمانية كأداة عددية لتمرير مشاريع قوانين مثيرة للجدل، دون مراعاة التوافق المجتمعي أو الحاجة المجتمعية أو رأي المجتمع المدني.

هذا الوضع يؤدي إلى ترويض المشرّع، وتحويله من فاعل دستوري مستقل إلى وسيط شكلي لشرعنة قرارات جاهزة، ما يُفرغ العمل البرلماني من بعده السياسي والتمثيلي، ويُضعف ثقة المواطنين في المؤسسة التشريعية، ويشجع على العزوف الانتخابي أو الممارسة السياسية الرسمية باعتبارها عاجزة عن الدفاع عن مصالحهم.

خامساً – تعارض التشريع مع الدستور والمواثيق الدولية

أخطر ما في هذا المسار هو تعارضه الصريح مع الالتزامات الدستورية والدولية للمغرب. فالدستور ينص على سمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها على التشريع الوطني، وضرورة ملاءمة القوانين الداخلية مع هذه الاتفاقيات، واحترام الديمقراطية التشاركية، وحماية الحقوق والحريات، وعدم المساس بجوهرها.

غير أن عدداً من القوانين المنتجة تُقوّض هذه المبادئ، عبر توسيع غير مبرر للقيود، أو صياغات فضفاضة تسمح بتأويلات تمس الأمن القانوني، أو عبر شرعنة تدخلات تتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، خاصة ما ورد في العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

الخلاصة

إن الحديث عن استقلالية السلطة التشريعية في المغرب يظل ناقصاً ما لم يُربط بسؤال أعمق: أي دستور نريد؟ وأي تشريع ننتج؟ فبدون تفعيل حقيقي لفصل السلط، وبدون احترام فعلي للدستور كمرجع ملزم، سيظل البرلمان مؤسسة محدودة الأثر، وسيظل التشريع أداة لتكريس الاختلال بدل معالجته.

ومع ذلك، يبقى الدستور، رغم محدوديته، أرضية لا بد من التمسك بها، ليس باعتباره سقفاً نهائياً، بل باعتباره حداً أدنى يمكن تجويده شكلاً ومضموناً، والانطلاق منه للدفاع عن استقلالية السلطة التشريعية والحقوق والحريات، في أفق دولة قانون حقيقية، لا دولة قانون مُفرغة من مضمونها.

ـ محامي بهيئة المحاميين بالدار البيضاء.

المصدر