الساسي: القضاء الحقيقي هو الذي يراقب المؤسسة الأمنية.. والدستور أسقط “القداسة” عن الملك لكنها بقيت حية في الواقع

منذ 1 شهر 13
ARTICLE AD BOX

الساسي: القضاء الحقيقي هو الذي يراقب المؤسسة الأمنية.. والدستور أسقط “القداسة” عن الملك لكنها بقيت حية في الواقع

محمد الساسي

نور الهدى بوعجاج

الجمعة 06 مارس 2026 | 13:14

أكد محمد الساسي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط وعضو المكتب السياسي لحزب “فدرالية اليسار الديمقراطي”، أنه إذا أردنا أن يكون القضاء مستقلاً فيجب توفير الضمانات اللازمة لذلك، حتى يمارس القضاة استقلاليتهم الفعلية وليس بالشعارات فقط.

واستهل الساسي مداخلته في الندوة التي نظمتها “فدرالية اليسار الديمقراطي” حول “إصلاح العدالة وسؤال الديمقراطية”، أمس الخميس بنادي المحامين بالرباط، بالتساؤل: هل القاضي حر تماماً في إصدار أحكامه؟ وهل القاضي، كإنسان، يمكن أن يعبر عن استقلاله دون تبعات؟ وهل المحيط والمنظومة القضائية والسياسية تجعله بمنأى عن أي مكروه متى غامر بوضع استقلاليته تحت الاختبار؟

وأشار إلى أن القاضي لا يمكنه ممارسة استقلاليته إلا إذا شعر بقدر كاف من الأمان، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن مسألة الاستقلالية ليست مطروحة في أغلب الملفات المعروضة على القضاة، لكن هناك قضايا حساسة يشعر فيها القاضي بأنها تتطلب تعاملاً حذراً، إذ ليس من الضروري أن تكون التعليمات مكتوبة، فهي تُقرأ في ملامح الحالة السياسية العامة.

وشدد الساسي على أن تناول استقلالية القضاء يستدعي الانتباه إلى العلاقة القائمة بين القاضي والمجتمع والأطراف فيه، وبين مؤسسة الحكم والمؤسسة الأمنية، موضحاً أن الرأي العام يمكن أن يمارس ضغطاً على الأحكام القضائية، خاصة في القضايا الإنسانية مثل اغتصاب الأطفال. كما نبه إلى أن القاضي قد يصبح جزءاً من مؤسسة الحكم في إطار ما يسمى بـ”الدولة العميقة”، ضارباً المثال بتركيا.

واعتبر أنه يمكن الانتقال من قضاء شجاع ومستقل في بعض اللحظات، كما حدث في التجربة المصرية، إلى قضاء تابع بعد تغير تركيبة مؤسسة الحكم، مشيراً إلى أن الأمر نفسه يصدق اليوم على تونس. وأضاف: “في المغرب، عندما أعلن الحسن الثاني أنه يتعامل مع اللاقطات الهوائية بشكل ليبرالي، لاحظنا أن المجلس الدستوري وقف ضد فكرة فرض الضريبة، لكن سنة 1984، بعد خطاب الملك الذي وجه فيه نقداً لاذعاً لـ’الخمينيين’ و’الماركسيين’، انطلقت موجة جديدة من الاعتقالات والمحاكمات”.

وأوضح الساسي أنه أثناء مداولات إصلاح منظومة العدالة في عهد الوزير مصطفى الرميد طُرحت قضية استقلالية العدالة على أنها مجرد إبعاد للقضاء عن تأثير الأحزاب السياسية، وذلك ببساطة عبر إبعاد وزير العدل عن الإشراف على النيابة العامة، متسائلاً في المقابل عن علاقة القضاء بالملكية.

وأضاف: “في مرحلة سابقة شرح با حنيني علاقة القضاء بالملك، وقال إن القاضي ينوب عن الملك ويمارس وظيفته بالتفويض وليس بالأصالة، لأن القاضي الحقيقي هو الملك، أما القاضي فهو قاضٍ مفوض له أن يشخص إرادة الملك من خلال أحكامه. ولهذا لا يحق للقاضي أن يبت في مقرر إداري صادر عن الملك. وفي تفسير للملك لقضية فصل السلطات ككل، أكد بصريح العبارة أنه لا يمكن تصور فصل السلط بالنسبة للملك، بل يطبق هذا المبدأ في مستوى أدنى”.

وأكد الساسي أن فصل السلطات في مستوى أدنى هو فصل تقني وليس فصلاً للسلطات بالمعنى السياسي، والنتيجة المستخلصة أنه لا عيب في الجمع بين الحكم والتحكيم. غير أن الأمور تغيرت الآن بعض الشيء، فبعد صدور النص المتعلق بالمحاكم الإدارية، وبعد صدور الدستور الجديد، أصبحت القرارات المتخذة في المجال الإداري، سواء كانت تنظيمية أو فردية، قابلة للطعن أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة.

وتحدث عما وصفه بوقوع تطور إيجابي في عمل المحاكم الإدارية والتجارية في مرحلة من المراحل، بسبب وجود إرادة سياسية وحاجة إلى إقناع المستثمرين الأجانب بحيادية الإدارة ووجود ما يسمى بـ”الأمن القضائي”.

وتساءل: هل يمكن للقاضي أن يعارض الإرادة الملكية وينتصر لما يراه القانون وحده؟ وهل يتصور القاضي، ولو عن خطأ، أن ذلك غير مسموح له به؟ مشيراً إلى أن الملك الحسن الثاني سبق أن أكد أنه فوجئ بتساهل القضاة في أحكامهم مع عسكريين قاموا بمحاولة الانقلاب عليه، متسائلاً عن النتيجة التي أعقبت ذلك، وهي معتقل تازمامرت.

وزاد: “هل يمكن للقاضي، أمام المكانة التي يحتلها الملك في النظام السياسي، وأمام الخطاب الرسمي الذي يصف هذه المكانة ويقدم الملك كمسؤول عن كل صغيرة وكبيرة، أن يثق بأن له الحق في تبني موقف مخالف لما قد يُرى أنه يمثل توجهاً أو توصية أو طلباً للملك؟”.

وسجل الساسي أن دستور 2011 حذف “القداسة” من شخص الملك، لكن هذه القداسة ظلت حية في الواقع من خلال ممارسات مكونات الحقل السياسي والإعلامي والثقافي والديني، مؤكداً أن مبدأ استقلالية القاضي بحاجة إلى ضمانات تتيح تفعيله. وأشار إلى أن الدستور الحالي، في فصله 107، يعتبر الملك ضامناً لاستقلالية السلطة القضائية، لكنه لا يوضح كيف يضمن الملك فعلياً هذه الاستقلالية.

وشدد على أن “فدرالية اليسار” تعتبر أن إصلاح العدالة يجب أن يذهب أبعد مما وصل إليه دستور 2011، وأن يكون للقضاة حق تأسيس النقابات، لأن هذه الصيغة تمنحهم إمكانية خلق حركة تضامن تحمي استقلالهم بشكل جماعي. وأوضح أن الصعوبات التي واجهها القضاة عندما قرروا تأسيس جمعية نادي القضاة، واضطرارهم إلى عقد أول اجتماع لانتخاب هيئتها في الشارع العام، تبين أن الطريق نحو هجر التقاليد العتيقة في نظرة السلطة إلى القضاة لا يزال طويلاً، كما أن الصورة التي يقدمها النظام الأساسي للقضاة لشخص القاضي تظل بدورها مشدودة إلى تلك التقاليد.

وخلص الساسي في ختام مداخلته إلى أن الأصل هو أن يراقب القضاء المؤسسة الأمنية، غير أنه في البلدان التي تتمتع فيها هذه المؤسسة بنفوذ وسطوة كبيرين، تصبح هي من يراقب القضاة، بحيث يضطر القاضي إلى أن يضرب لها ألف حساب، فيساير منطقها ويزكي نشاطها ويصوب أفعالها ويتغاضى عن أخطائها.

المصدر