الزلايجية.. محاولة لتأصيل المفهوم

منذ 6 أشهر 10
ARTICLE AD BOX

قبل ما يزيد عن أربع سنوات كنت نشرت مقطعا على اليوتوب أحاول فيه التأصيل لألفاظ بدلالات قريبة من داخل التداول السياسي المغربي مثل: الحركة الأمازيغية، والموريون، والزلايجية…ولم أكن أظن أني بذلك كنت أؤصل لمفهوم سيصبح فيما بعد من أكثر المفاهيم تداولا اليوم. ثم لما طفا المفهوم في السّجال السياسيّ، وشاع بين العامّة والخاصّة استعماله، ورأيت من ادّعى أن اللفظ ظهر فقط مع وصول المغرب لنصف نهائي كأس العالم، قلت لابد أن أكتب في الموضوع لعلي أسهم مع ثلة آخرين في التأصيل للمفهوم.

آراء أخرى

  • جيل "زد"

  • بين الأرض والسيادة: جوهر الأزمة الروسية الأوكرانية في ظل المبادرات الدبلوماسية الجديدة

  • وجدة: حين يصبح الحبر مغاربياً

وما دفعني ثانيا إلى محاولتي هاته؛ هو أني فقط في بداية هذا الموسم الدراسي كان يصل إلى مسمعي من التلاميذ من يستعمل اللفظ نبزاً ولمزاً لِمن يُظهر شيئا من الحب للوطن والوطنيّة.

إنني أجدني مدفوعا إلى محاولة التأصيل للمفهوم وإلى محاولة حصره؛ حتى لا يختلط الحابل بالنابل، وحتى تمتاز الألفاظ بعضها من بعض. فالملكي مثلا ليس هو العّياش. والعيّاش ليس هو الزلايجيّ. والحركيّ الأمازيغيّ ليس هو الحركيّ المُوريّ.. وإن ظهر أنها ألفاظ مترادفة؛ فإن الحقيقة هي أنها متقاربة ومتداخلة وليست تصل إلى حد الترادف.

فتاعياشت مثلا هو حديث عن سلوك قديم، وإن كان اللّفظ جديدا. وليس بالضرورة يرتبط بالمغرب، فهو سلوك غريزي دافعه الخوف والطّمع، وقد يتخذ في كثير من الأحيان بهرجة للإفلات من العقاب بمحاولة الجهر بالولاء. لكنه يبقى سلوكا غريزيا تجاه كل صاحب مَنح، ومَنع، وبَطش. وليس بالضرورة أن يرتبط بشخص الملك.

أما الانتصار للملكية فليس بالضرورة أن يكون دافعه الغريزة، ولا يكون، ولا يجد الملكيّ نفسه مضطرا للبهرجة، ولا لترديد عبارات الولاء؛ على الطريقة البهلوانية التي تميز عادة سلوك العيّاش. فالملكيّ ليس ولاؤه لشخص الملك بقدر ما يكون ولاؤه للملكية. فنظرته تعود وتصدر من وعيه وتبريره للدور الذي يمكن أن تلعبه الملكية في عملية الاستمرار والاستقرار.

لنحاول الآن الحديث عن الزلايجية ونقول: إن الذين حاولوا تحديد المفهوم فعلوا ذلك بنظر بسيط؛ بجعله دالاً على تلك الفئة من المواطنين المغاربة الذين يَضيع وقتهم وجَهدهم في الدفاع عن الهُوية الثقافية المغربية، مُدعيـن تميـّزها، ومُحذّرين من سرقتها من طرف جيرانهم في الجزائر الشقيقة. ومنهم من تجاوز هذا المعنى الظاهر بزيادة أنها تلك الفئة التي تنظر بعين القداسة والإكبار لشخصيات مخزنية مثل السيد فوزي لقجع، والسيد بوريطة، والسيد عبد اللطيف الحمّ{وشي وغيرهم من المُعيـّنين. وهناك من زاد على ذلك بجعلها الفئة التي تحتفي بالمُنجز، وتنظر بعين الريبة إلى كل من يرفع شعار النقض والتبخيس لتوجهات الدولة التي لا يجوز فيها النقد.

قلت: وهذه كلّها منطلقات سليمة صحيحة، لكنها وصف لما هو ظاهر، أو هو وصف للنتائج دون الخوض في الأصول والأسباب. وهو ما نحاول أن نقوم به في هذه المحاولة التي أرجو أن تُتخذ مقدّمة إلى الخوض في هذا المفهوم، وفي غيره من المفاهيم التي تؤثث الفضاء السياسي المغربي.

لقد كنت كتبت من قبل إنني تطرقت للمفهوم أثناء حديثي عن الحركة الأمازيغية، وعن التيـّار الموري؛ وهذا يعني أن اللفظ لابد له أصول وتقاطعات تعود إلى ما سبق، وليس مجرد احتفاء بالثقافة والمنجز، وادعاء التميـّز، وإلباس المعيّن لباس القَداسة.

إنني لن أكون مبالغا إن أنا ادعيت أن أصول المفهوم تعود إلى حركة قديمة، وبالضبط في العام 2008 سمّت نفسها: “حركة لكل الدمقراطيين”. والذين يهتمون بالشأن السياسي المغربي يعرفون أنها حركة كان أنشأها المستشار الملكي السيد فؤاد عالي الهمة. وقد كان هدفها المعلن والخفي :احتفاء وجمع. احتفاءٌ بتدجين القوى الوطنية والانتصار عليها فيما سمّي بأحزاب الكتلة. وهي جمعٌ من جهة محاولتها ضم الشتات والفُلول بعضه إلى بعض؛ فُلول كل شيء؛ في حزب يُراد له أن يكون حزب الدولة؛ يتم إعداده لانتخابات شكلية. هذا الحزب كان هو ‘حزب الأصالة والمعاصرة’.

لقد كانت هذه هي الّنية بادئ الأمر. لكن الحزب رغم أنه ورث سر الحركة إلا أنه فشل في تمثل مشروعها لسبين اثنين:

الأول : هو إفصاحه عن نـّيته في محاربة المد الإسلامي في بيئة لا يفرق فيها المواطن إلا نادرا بين الإسلاميّ والمسلم. وهو ما جعل حزب العدالة والتنمية يشنّع هذا الهدف لصالحه، ويرفع شعار المظلومية، وينصّب نفسه مدافعا عن الهُـوية الإسلامية التي جاء الحزب لتقويضها بحسب ادعائه.

الثاني: رياح الانتفاضة العربية؛ والتي نجح الحزب الإسلامي في توجيهها لمصلحته؛ حين رفع المحتجون مطلب إسقاط السيّـد فؤاد عالي الهمة باعتباره رمزا من رموز الفساد؛ وهو ما استجاب له الملك لحظيا، وهو ما أضر بالحزب الذي تحول إلى حزب منبوذ جماهيريا.

ويمكن أن نضيف سببا ثالثا: وهو أن حزب الأصالة والمعاصرة رغم أنه جمع من كل فن طرب، ومن كل ثوب طرف، -كما يقال- إلا أنه وجد نفسه في نهاية الأمر بروح شبه يسارية؛ وربما عرّف نفسه في بعض الأحيان بذلك حين كان يُسأل عن مرجعيـّته، وليدفعَ عنه تهمة الـلّقاطة. وهذه نقطة حادت بالحزب عن مشروع الحركة التي كانت تريد حزبا بروح مخزنية، وبهوية مغربية بعيدة عن ما يأتي من الخارج؛ وما يُتخذ عادة وقودا للنضال والممانعة من الأفكار القومية، والاشتراكية، والحركية الإسلامية.

ولعل هذه هي الأسباب التي اجتمعت فدفعت المخزن إلى البحث عن حزب يقوم بهذه المهمة، فعقد الاختيار على السيد عزيز آخنوش الذي كان واحدا من مؤسسي حركة لكل الدمقراطيين، وهو الرجل وارث السر الاقتصاديّ المخزنيّ، والذي لا يُحسن غير لغة المال بغير تاريخ نضاليّ، وهو الرجل القادر على تدجين وجر التيار الأمازيغي المتصاعد إلى الانخراط في أهداف الحركة. فانطلق قطار الأحرار مدفوعا بفلول الحركة الأمازيغية يعدهم ويعدون بسطاء القوم بالجنّة والنّعيم المُقيم؛ وهو ما يفسر أن غالب الزلايجية إن أنت أطلت النظر في أمرهم وجدتهم من أصول أمازيغية، أو كانوا فاعلين في الحركة الأمازيغية، قبل أن يلتقمهم حزب الأحرار فيما سُمّي ب مشروع تامغرابيت.

وحتى الذين لا تعود أصولهم إلى الأمازيغ لابد أن يسجلوا ذلك الاعتراف الذي يقول: نحن كلنا أمازيغ ومن ليس أمازيغيا باللسان فهو أمازيغي بالأرض.

السؤال الذي نطرحه ونحن في نصف الطريق هو: لماذا نقول وندعي إن لفظ الزلايجية أقدم من لفظ تامغرابيت؟

تأويل ذلك هو ما كنت تحدثت عنه من قبل. فحركة لكل الدمقراطيين هي التي روّجت بادئ الأمر لما أصبح يُعرف بمشروع تامغرابيت مع حزب الأحرار. وما أزال أذكر كيف كان بعض الشباب في أيام سجالات غُرف البالتوك يفتخر بالزليج المغربي حتى أطلق عليهم بعض الظرفاء لقب الزلايجية، والذي سيكون فيما بعد مشروعا صريحا تحت مسمى تامغرابيت.

لقد اتخذ مشروع تامغرابيت وجها غلب عليه الطّابع الأمازيغيّ، هذا الطّابع هو الذي سيكون له ما بعده في رسم ملامح المشروع. لكن رغم هذا الاختراق الناعم والفتح المبين – كما يصفه بعضهم – إلا أن نشطاء الحركة الأمازيغية الأصوليين لم يرضوا على المشروع ولا على التسمية التي رأوا فيها انحرافا خطيرا من جهة الإبقاء على اللفظ العربي والتخلي عن لفظ تامازيرت الأمازيغي. وليس هذا وحسب، بل إنهم رأوا أن مشروع تامغرابيت كما خطّطت له حركة لكل الدمقراطيين لا يرى في الأمازيغية الهُوية الوحيدة كما تراها الحركة، ولكنه في أصله يرى الأمازيغية رافدا فقط من الروافد المتعددة كما تُردّد الوثائق الرسمية.

ورغم ما يُظهره النشطاء من فُلول الحركة الأمازيغية داخل مشروع تامغرابيت من الولاء والإكبار للشخصيات المخزنية، ومن العداء للحركة الإسلامية، إلا أن جهات من داخل المخزن نفسه تراقب الوضع بريبة شديدة؛ خاصة في ذلك التحالف الخفي والمعلن بين فلول الحركة الأمازيغية ونشطاء الحركة اليهودية؛ والتي لم تعد تكتفي بما تم الاتفاق عليه من الحرب على التيار الإسلامي الحركي، بل تعدى الأمر إلى محاولة استهداف الإسلام نفسه وامتداده وجذوره في تاريخ المغرب؛ وبمحاولة ربط الملكية بغير جذورها وما قامت عليه بادئ الأمر فيما يسمى بالحركة المورية.

إذن؛ فالزلايجية لفظ يطلق من باب اللمز والنبز، لكن الأصل هو تامغرابيت التي أراد واضعوها بادئ الأمر جعلها معبّرة عن الهُوية المغربية الجامعة، وفي محاولة لاحتواء المد الأمازيغي المتصاعد، قبل أن تنحرف عن مقاصدها وتتحول إلى موجة مفارقة لتوجه المخزن نفسه بعد أن ظهرت مفارقة لوجدان فئة كثيرة من المغاربة.

إن هذا التمازج سيؤدي إلى نتيجة مميزة لسلوك الزلايجي يمكن تلخيصها في ست نقط رئيسة:

أولا: وهم الخصوصية، والتميز، والتفوق الحضاري والثقافي، مع محاولة فصل كل ذلك عن صِلاته المشرقية.

ثانيا: معاداة الوعي الإسلامي الحركي والتبشير بالإسلام المغربي الثقافي المتماهي مع المصالح المخزنية.

ثالثا: معاداة كل حركة احتجاجية واعية، وكل رمز أو زعيم يخرج من رحم الاحتجاج. والدعوة إلى جعل الإرادة المخزنية والرقابة المخزنية هي الحاسمة والتي لا تقبل المساءلة. والرضى بما قسمه المخزن من التفاوتات المجالية، مع تنزيه المخزن عن المسؤولية وحتى بتحميل البشر والشجر والحجر المسؤولية.

رابعا: توجيه النقد لكل ما هو منتخب ممن يدعي انتسابه للقواعد الشعبية من أحزاب، ونقابات، وتنسيقيات، والإيمان بمنطق انتظار المنّ، والمِنح المخزنية؛ ومن تمة الانتصار لكل ما هو مُعين أو تكنوقراط بغير تاريخ نضالي.

خامسا: معاداة الجزائر والإفراط في ذكرها، والحط من رموزها وتاريخها، وجعل المعركة معها أسمى المعارك.

سادسا: الانتصار للأطروحة الصهيونية ومعاداة القضية الفلسطينية.

وعلى الرغم من كل هذا؛ فلا يمكن القول إن الزلايجيّ هو المخزنيّ ولا حتى الناطق بلسانه. فتزلايجيت أو تامغرابيت هي مشروع من المشاريع، ووقود من وُقُد الروح المخزنية اللّحظية؛ والتي تتجاوزها المصالح المخزنية المتقلبة، والتي تجعل الزلايجي خارج السياق مصابا بخيبات أمل؛ حين كان يحسب أن جبّته تتسع للروح المخزنية المتقلبة.

المصدر