الرميد: مشروع قانون المسطرة الجنائية يحافظ على “الذاكرة النصية” لكنه يعاني من ارتباك في الصياغة

منذ 3 أشهر 9
ARTICLE AD BOX

الرميد: مشروع قانون المسطرة الجنائية يحافظ على “الذاكرة النصية” لكنه يعاني من ارتباك في الصياغة

عبد الحكيم الرويضي

الأحد 11 يناير 2026 | 13:20

قدّم مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات الأسبق والقيادي السابق في حزب العدالة والتنمية، قراءة نقدية معمّقة في مشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد مبرزا أن الإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بجودة النصوص، بل بمدى نزاهة ودقة الجهات التي تتولى تطبيقها، ومشددا في الوقت نفسه على أن المشروع يحمل مكاسب شكلية مهمة يقابلها اضطراب تشريعي وصياغي قد يحدّ من فعاليته العملية في تحقيق العدالة الجنائية.

واستهل الرميد مداخلته خلال الدرس الافتتاحي الذي نظمته كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة الجمعة الماضي، بالتأكيد على أن من أهم ما يُحسب للقانون الجديد، من حيث الشكل، محافظته على الإطار النصي للقانون القديم، إذ تم الإبقاء على نفس الترقيم والبنية مع إدخال تعديلات وإضافات فرعية، بخلاف ما وقع في مشروع قانون المسطرة المدنية الذي جاء بصيغة قانون جديد كلياً، معتبراً أن هذه المقاربة “تحافظ على الذاكرة النصية” الضرورية للقضاة والمحامين والأساتذة الجامعيين، كما تحافظ على الترابط القائم بين الاجتهاد القضائي والنصوص التي تأسس عليها، وهو ما يسهل استمرار العمل بالسوابق القضائية والآراء الفقهية المرتبطة بمواد بعينها، لأن تغيير الإطار النصي، بحسبه، “يجعل من الصعوبة بمكان الاستفادة من كل ذلك بالسهولة المطلوبة” .

غير أن الرميد أوضح أن هذا المكسب الشكلي لم يكتمل بسبب ما وصفه بـ“الصياغة التشريعية المرتبكة” التي طبعت عدداً من مواد المشروع، سواء من خلال تضخيم بعض المواد إلى حد أصبحت “منتفخة وممتدة” بما يشبه “قانوناً داخل القانون”، كما في المواد المتعلقة بصلاحيات وكيل الملك والوكيل العام للملك، أو عبر العشوائية في التنقيط والتفصيل التي تربك القراءة وتضعف الوضوح التشريعي، داعياً إلى إخضاع كل تشريع قبل صدوره لمراجعة لغوية وتقنية من طرف مختصين تابعين للبرلمان، لأن تداول النص بين الغرفتين مراراً “يوقع ارتباكات لغوية وصياغة غير مبررة” يمكن تفاديها بهذه المراجعة.

وفي إطار تفصيله لهذه الارتباكات، توقف الرميد عند مثال المادة “51.3” التي صيغت على الطريقة الفرنسية داخل نص عربي، معتبراً أن هذا في حد ذاته ارتباك شكلي لا مبرر له، قبل أن ينتقد بنيتها التركيبية لأنها جاءت مسبوقة بشبه جملة على خلاف الصياغة التشريعية المعهودة، مقترحاً صيغة بديلة تجعل الجملة مباشرة ودقيقة من قبيل: “يتولى المرصد الوطني للإجرام… جمع ومعالجة الإحصاءات الجنائية ودراسة وتحليل الظواهر الإجرامية واقتراح الحلول… وذلك في إطار المساهمة في رسم التوجهات السياسية الجنائية”، ومشدداً على أن استعمال عبارة “السلطة الحكومية المكلفة بالعدل” صيغة معيبة ما دام الدستور قد سمّى وزارة العدل صراحة ضمن مؤسسات الدولة.

كما استعرض الرميد أمثلة أخرى على الاضطراب التشريعي، من بينها ما ورد في فصول تسليم المطلوبين، حيث لاحظ أن بعض الصياغات جاءت بصيغة “لا يوافق على التسليم” دون اعتماد الصيغة الاستثنائية الدقيقة، إضافة إلى تضارب الصلاحيات بين المواد المتعلقة بوضع الوسائل التقنية لتحديد مواقع المشتبه فيهم، إذ أسندت هذه الصلاحيات في مادة إلى الوكيل العام للملك وقاضي التحقيق، ثم أضيف وكيل الملك في مادة لاحقة، وهو ما وصفه بـ“اضطراب كبير” يستدعي إما التصحيح التشريعي أو انتظار الاجتهاد القضائي لتفسير هذا التناقض غير المبرر، خصوصاً وأن المادتين متجاورتان وتعالجان الموضوع نفسه.

وفي السياق ذاته، انتقد منح وكيل الملك صلاحيات في مجال التسليم إلى دول أجنبية بموجب المادة 737-1، معتبراً أن التسليم “علاقة بين دول” تدخل فيها السلطات السيادية ووزارات الخارجية والعدل والداخلية ورئاسة الحكومة، وأن القانون القديم لم يكن يمنحه إلا صلاحية الاستعجال في الاعتقال وفق المادة 726، بينما الحالات العادية للتسليم ينبغي أن تمر عبر القنوات الدبلوماسية وتعليمات رئيس النيابة العامة، معتبراً أن مساواة المشروع الجديد بين حالة الاستعجال والحالات العادية يشكل إخلالاً بالضوابط المؤطرة لهذا المجال.

بعد ذلك انتقل الرميد إلى المكاسب الموضوعية، فاعتبر أن من أهمها إدخال الاحتياط اللازم في التعامل مع الوشايات، إذ أوجب المشروع على وكيل الملك (المادة 40) والوكيل العام للملك (المادة 49) القيام بالتحريات اللازمة للتأكد من جدية الوشايات قبل مباشرة الأبحاث، بخلاف الشكايات التي يتحمل أصحابها المسؤولية القانونية، مؤكداً أن هذا القيد يمنع استعمال الوشايات المجهولة للإضرار بسمعة الناس، ومذكّراً بأنه حين كان مسؤولاً عن السياسة الجنائية بين 2012 و2017 أصدر تعليمات في هذا الاتجاه، ومثمّناً إدراج هذا التوجه “الحمائي لسمعة الناس وراحتهم وهنائهم” في نص تشريعي صريح.

كما أبرز مكسب إقرار آلية التظلّم من قرار الحفظ، التي تتيح الطعن في قرار وكيل الملك أو نائبه أمام الوكيل العام، والطعن في قرار الوكيل العام أو نائبه أمام الوكيل العام رئيس النيابة العامة، معتبراً أن هذا المقتضى سيجعل النيابة العامة أكثر تأنياً ودقة قبل اتخاذ قرارات الحفظ، ويمكن المشتكي من الاطلاع على موقف أعلى سلطة في النيابة العامة، مؤكداً في الوقت نفسه أن هذه القرارات لا تُطعن فيها أمام القضاء الإداري لأنها جزء من مساطر جنائية محددة حصراً في القانون.

ومن بين أبرز المكاسب التي توقف عندها الرميد أيضاً، الإلغاء التلقائي لبرقيات البحث متى زال مبررها، بعدما منحت المادتان 40 و49 للنيابة العامة صلاحية الأمر بنشرها في حالات محددة، وأوجبت في المقابل إلغاءها تلقائيا أو بطلب ذي مصلحة بمجرد إلقاء القبض أو تقادم الجريمة أو العقوبة، مع إشعار الشرطة القضائية بذلك، معتبرا أن هذا المقتضى “يرفع العبء ويزيل العنت عن كثير من المواطنين” الذين ظلت البرقيات “مسلطة على أعناقهم لسنين” ويتعرضون بسببها للابتزاز والمضايقات، ومشيراً إلى منشوره سنة 2013 في الموضوع، وإلى دورية رئيس النيابة العامة التي أدت إلى “إلغاء أكثر من 70 ألف برقية بحث” قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ.

المصدر