الرفيق الخمالي: وطنا يتوهج في جبهة الغياب

منذ 1 ساعة 2
ARTICLE AD BOX

عبد الرحيم التوراني

الرفيق الخمالي: وطنا يتوهج في جبهة الغياب

الأربعاء 01 يوليو 2026 | 13:03

أحياناً عندما يرحل أحدهم ويطويه الثرى، يتسابق كثيرون ممن عبروا في هامش حياته لادعاء صداقته، وينبشون في الذاكرة عن تفصيل عابر أو مصافحة باردة ليصنعوا منها تاريخا مشتركا… أما أنا فأصدق كل من قال يوما بملء فمه ونبضه: (كنتُ صديقا لنور الدين الخمالي)…

آراء أخرى

  • رسالة رقيقة للصحافة الرياضية

  • لننته من هذا الصخب الهوياتي!!!

  • الأمن الإسرائيلي والسلام العربي

أصدقهم جميعا دون ريبة أو تشكيك، لأنك يا نور الدين لم تكن تنتقي أصدقاءك بنرجسية النخبة، ولا بحسابات المصالح الضيقة، بل كنت تصادق الناس ببساطة الطين، وتصدقهم القول والأمل والوجع. لم تكن يوما نكرة يضيع في زحام العابرين، ولا شخصا باهتا ممن يُشار إليهم بلفظ (أحدهم) في سجلات الغياب.. كنتَ جمعهم الوفير، وتجمعهم بحبك الكاسر وبلطفك الآسر، وبوفائك الذي لا يلين وإخلاصك الأسطوري العفوي لمعنى الوفاء والصداقة النبيلة. ولأنك كذلك.. ولأن العظماء لا يغادرون إلا ليقيموا في التفاصيل، فإنك لم تمت ولن تموت، وستظل ذكراك عصية على الفناء، منيعةً على جدران النسيان السميكة.

أعود بالذاكرة إلى الوراء، إلى ذلك النبع الأول الذي سقينا منه حلمنا المشترك…

أول مرة تلاقت فيها مساراتنا وتصادمت فيها خطانا، كانت في غمرة مسيرة عمالية صاخبة، تزدحم فيها الهتافات وتلتحم السواعد. وسط تلك الأمواج البشرية المطالبة بالحق والحرية، لم يكن بمقدور أي عابر أو متأمل أن يغفل حضورك الطاغي.. كانت قامتك المديدة السامقة تشق الفضاء مثل منارة، وروحك الوثّابة تنساب بلطف وعمق في أرواح الآخرين، تملأ المكان حماسا وصخبا جميلا لا يهدأ…

وآخر مرة كحّلتُ فيها عيني برؤيتك، كانت وسط الهدير الجارف لمسيرة “عشرين فبراير” في شوارع الدار البيضاء. هناك وسط حشود الحالمين بغد أفضل، تبادلنا التحية عَرَضا في زحام الوجوه، وكانت تحيتك كعهدها دائما، أرقّ ما يكون وأجمل ما انطوت عليه الشفاه، وأكثرها قدرة على بث الدفء في القلوب المتعبة.

أمام ساحة البريد الكبرى وقبالة بنك المغرب، حيث الشوارع تختزل تاريخ المدينة ونضالها، تريثت المسيرة قليلا لالتقاط الأنفاس قبل أن تستأنف زحفها وهتافها… في تلك البرهة منحت جسدك المتعب قسطا من الراحة، فجلستَ أرضا على الرصيف العاري، متوسدا الحلم ومتأملا في وجوه الشباب الصاعد…

لم أكن أعلم حينها ولا خطر ببالي في أكثر الكوابيس سوداوية، أن هذا القلب النابض بالثورة والحب، يمكن أن يتواطأ يوما مع الأعداء، أو يستسلم لعدوانهم المباغت والبارد، فيسرقك منا على حين غرة وبدم بارد، بدعوى أن تستريح أكثر.

تليق بك الهدنة يا رفيقي، ويليق بجسدك المقاوم هذا السكون، لأنك طوال حياتك لم تترجل عن صهوة مبدأ ولم تقبل مساومة، ولم تهادن على حساب كرامة أو وطن. فالحرب من أجل العدالة لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد في جبهات أخرى، والسيف الصقيل يظل يلمع في عتمة غمده ولا يطاله الصدأ أبد الآبدين، والجمرة التي أشعلتها بدمك ونبضك لن تخبو ولن تهدأ، بل ستظل تلسع ضمائرنا كلما داهمنا خمول أو يأس.

صديقي ورفيقي نور الدين.. ها قد مرت خمس عشرة سنة كاملة على موعدنا المؤجل، على تلك الإيماءة الأخيرة، ولم تأتِ بعد. ما زلتُ حتى هذه اللحظة، وبإصرار غريب، وأنتظرك في مقهى “بلاص”، في تلك الزاوية المعتادة التي تفوح منها رائحة التبغ والذكريات. ذلك المكان الذي اخترتَه أنتَ بنفسك لقربه من بيتك ودفء ناسه، لكن يبدو أنك غيّرت فكرتك في آخر نبضة وهبتها للدنيا، ومضيتَ مسرعا صوب مكان آخر لا تصله خطانا.. صوب دار أخرى أرقى وأرحب، وأكثر إنصافا لروحك الطاهرة.

بردت قهوتي على الطاولة حتى تجمّدت، وبات الذباب يذلّ فنجاني المهجور كأنما يعلن انتصار الوقت والغياب… أما أسئلتك المعلقة في فضاء المقهى، فلا تزال تتدثر في صمت السؤال الصعب والجارح…

كيف تنطفئ هذه الجباه السمر وتُنكس السيوف قبل بلوغ النصر؟

كيف يظل هذا الوحش المفترس، وحش الرأسمالية والظلم والقهر، يغرس نابه اللامع في أحشائنا، ممعنا في لا مبالاته وغطرسته؟

هل كنا حقا نرتوي طوال تلك السنوات من نبع الوهم المغالي؟ وهل كنا، بإصرارنا الأعمى، نعيد صياغة الكروم وسيرة الدوالي على أرضٍ سبخة لا تثمر؟

اليوم حضر الرفاق كلهم.. حضروا فرادى وجماعات من كل فج عميق، يحملون في عيونهم انكسار الخيبات وبقايا الأمل المعلق. التفتُّ حولي في صدر الجلسة، فرأيت ذلك المقعد الخشبي المعهود، يتوسطنا بصمت رهيب، فلمن يا تُرى هذا الكرسي الخالي الذي يرفض الجميع الجلوس عليه؟ أطرقوا برؤوسهم وقالوا بصوت واحد مخنوق، تختلط فيه الدموع بالحرقة: هو لجميل المحيا.. للخمالي.

ستظل حاضرا في رصيف رفقتنا يا رفيق، متدفقا في وعينا كالسيل، هادرا في ساحاتنا كالشلال، وطنا حيا لا يقبل القسمة، يتوهج أبدا من صلب أجدير.. ومن جبهة أنوال الشامخة.

المصدر