ARTICLE AD BOX
عبد الحكيم الزاوي
الدولة ومأزق اندماج الجيل الديجيتالي
الخميس 15 ماي 2025 | 09:03
زمن جديد بِسيولات مغايرة قيد التشكل. ثَمَّة وجوب الآن للاقرار ب”أزمة عُسر الهضم” وِفق ما يتحدث عنها الباحثان “يان بورما” و”أفيشاي ماركليت”…يَظهر شباب الديجيتال اليوم في حالة تَحلل، ويفتقد للحماسة والرومانسية تجاه الدولة ومُؤسساتها، وللسياسة ونُظمها التقليدية، ولكل أشكال السلطة…يُنصِّب نفسه من خلف شبكات الميديا سادنًا للعهد الجديد…في هذا المفصل من التحليل، تبرز النقاشات الكبرى حول مقولات “مأزق الدولة”. هاجس الدولة أولا، فهي تحتجب كدولة العِقد الاجتماعي، وتَظهر كدولة المؤسسات الإدارية البيروقراطية…وفي هذه الحالة، يَقع الخلط بينها وبين النظام. يُلح البعض، على ضرورة إعادة توضيب المشهد، والعودة إلى دولة العِقد الإجتماعي، وليس دولة المؤسسات السلطوية التي تحيل على صور التحكم في الرقاب والعباد ومركزة السلطة وتهشيش الإنسان…
آراء أخرى
في الاقتراب من مجتمع الشباب وحدها الأرقام والمؤشرات ترتقي إلى كشف المعنى؛ المعنى الواضح يصنع في الواقع المعاش، والأرقام هي من تُعَرِّي عن حقيقة السياسات العمومية وواقع البؤس البِنيوي الذي يعتور وضعًا على وشك الانفجار يسير بالجميع نحو ترسيم سيكولوجيا الخوف، ويَجعلنا نَسكن بلدًا يُحضر نفسه عن سبق اصرار وترصد لمنعرج خطير…في نسق التدافعات، يتشوف الجميع إلى الريع، أو الاستفادة من “طاجين المخزن”، والتوصيف هنا للاقتصادي الراحل إدريس بن علي…الحاصل، محظوظون ومحرومون…
يُعيد الوضع تشكيل سؤال آني سبق وأن طرحه الفيلسوف إدغار موران: إلى أين نمضي بهذا العبث؟
“داء العطب قديم” كما صَدح بذلك السلطان مولاي عبد الحفيظ حينما واجه نفسانيات متواكلة، استنجدت بالأجنبي في لحظة تيه وجودي، وحَضَّرت البلاد لحماية أجنبية، هي بدورها دفعت نحو تشكيل هندسة سياسية واجتماعية جديدة: ثلاثة أرباع منها يعيدون تدوير البؤس والحرمان جيلاً بعد جيل، وأقلية فقط منها ترفل في النعيم، وتتقلب في الثراء…
الحاضر البئيس يتلبس بأسئلة صاخبة، وتبرز “الوعكات السياسية” و”العياء الأيديولوجي” و”الكاريزمية الجوفاء” في حالة ترهل…سَبق هنا، لروني كاليسو René Gallisot وهو بالمناسبة واحد من أهم مُشرحي منجزنا السياسي الحديث أن صاغ مقولة “التكرار” كبراديغم محايث لتاريخانية الفعل السياسي…ففي داخل الدولة الصارمة، الحديدية التي قضت بدولنة المجتمع، وبجعل السلطة تنغرس في تفاصيل الفضاء اليومي، واستبعدت الإنسان من دائرة الضوء نحو أقبية النسيان، تعليما وتثقيفا، تربية وتنشئة…وعبر مقولة “الدولة المسرح” لرائد أنثربولوجيا الأديان المقارنة كليفورد كيرتز، تكونت هذه النفسانية المغربية، العصية على الادراك والاستيعاب، والمتمردة عن مقاسات التحليل النفسي المعتادة، والمُنحلة من كل التوصيفات السوسيولوجية، التي تربت على الانهزامية والتواكل، على الخنوع والانبطاح، على الاستنجاد بالأجنبي في لحظات التيه والضياع، على الانشداد الوجداني للميثولوجيا، كلما عجز مُدركها العقلي عن تفكيك الأشياء، على التماهي مع الاستبداد السياسي، على الاستسلام الوجودي من الآخر المتفوق في لحظة عدم…تكلس واحتباس سياسي، يصنع مغربًا بلا معنى، هو الآن، أشبه بقطعة بيتزا في مائدة عرَّابي الرأسمال الأجنبي…
نفسانية تاريخانية استدمجت القابلية للأشياء، وقضت بأن تكون على هامش التاريخ، كما ارتضت القابلية للاستعمار، وأن تعيش خارج “مداراته الحزينة”، بل وتقاذفت كعكة الإستقلال دونما إحساس بعمق اللحظة السياسية، وبمسؤولية الزمن التاريخي، وما تقتضيه من حِس وطني مرهف، ومسؤولية أخلاقية في تدبير أشد اللحظات عتمة في استوغرافيتنا التاريخية، فهل تكثف مأساتنا حاضرًا في تواكل نخبنا مع الفساد وتماهيها مع الحماية الأجنبية؟
في موضوعة الشباب وعلاقتها بسياسة الاندماج الاجتماعي يثار دومًا النقاش حول فاعلية الدولة في ردم الهوة…ما أعرضه على القارئ في هذه الورقة، انجاز خطاطة نظرية، مُستهلة بمدخل تبسيطي يبتغي تشييد أرضية تفاعلية مع قضايا الشباب ورهاناته الكبرى في واقع جِد مُتحول ومُلتبس موسوم بالمخاض الذي يسبق عملية الولادة. وهي، محاولة لكشف عوالم غير مُلتفت إليها حول واقع الشباب بالمغرب مُختزل في أرقام ومؤشرات:
على مستوى التوصيف العام، المدرسة العمومية أضحت تُلقن الجهل بالمجان، والمدرسة الخصوصية تُلقنه بمقابل…مدرسون يُلقنون الجهل ويقتلون الحياة، وأطباء مستعجلات لا يستعجلون في المستعجلات، وقضاتنا يُكيفون الحق وفق التسعيرات، ومهندسونا يغشون في البناء والدعامات، وفقهاؤنا أعلنوا الدين جلابيب وعباءات، وطلابنا يغشون في الاختبارات…ولائحة العبث المغربي طويلة وغير منتهية. علينا أن نتذكر أيضا: أن 80 بالمئة من المغاربة بلا تغطية صحية، وطبيب واحد لكل 15 ألف شخص نسمة، وسرير واحد لكل 80 ألف مريض في وضع يشبه “الطوغو وأفغانستان”، وألوف الأطفال يغادرون المدرسة كل سنة في واحدة من أعلى معدلات الهدر المدرسي بالعالم، و70 بالمئة من العائلات عاجزة عن إكمال الشهر بلا اقتراض، و95 بالمئة يجهلون سمك الكروفيت، و90 بالمئة يُصرحون بعدم القدرة على القيام بسفر كل سنة إلى منطقة ما رفقة العائلة، و4 بالمئة من الأجراء يلتهمون 60 في المائة من الكتلة الأجرية، ومغربي من أصل 100 يشتري كتابا كل 3 سنوات في واحدة من استراتيجيات الكُره المعرفي، و99 بالمائة من الأساتذة لا يقرأون، وحتى إذا قرأوا فمن أجل دراهم الترقي المهني، ورجال الدين جُرُّوا إلى خدمة الأمير، وتكنيس وتبيض أوساخ النظام…وتلفزاتنا قنوات واد حار حقيقي، ومستشفياتنا تخربيقات سوريالية، وأطفالنا لا يجدون أمامهم ولو متر واحد لممارسة طفولتهم بسبب تكالب مافيات العقار، و80 بالمئة من أحيائنا غير صالحة جزئيا أو كليا للعيش…يجري كل هذا، في مغرب يُضيِّع كل يوم 10 مليار سنتيم فقط في التهرب الضريبي، وأقل من 10 من الشركات تصرح بأرباحها الحقيقي، ورجال أعمال كبار مشغولون بالخروج إلى الأسواق الافريقية بعد بدء الشعور بنفاد إمكانيات النهب الداخلي”بقرة جَفَّ حليبها”، و99 بالمئة من نخبنا الفائقة تضع أطفالها في مدارس البعثة الفرنسية، ولا صانع قرار واحد بالمغرب يعالج نفسه بالمغرب، حيث أغلبية مثقفونا مشغولون بالحداثة “الكتابة” “الشعر” “الذات” “الهوية” “الثرات” “صناعة النجاح” “عِلم النفس المخزني” و99 من نخبنا النسائية منشغلات بالشوبينغ والحب والسعادة، حيث الأغلبية الساحقة لنسائنا منشغلات يوميا بالأيام العالمية “ديال التخمال والتسياق أو تبدال التلامط”، وأغلبية الرجال يلهثون وراء الحساب البنكي المريح، ومعظم أساتذتنا أصبحوا سماسرة نقط، نتائج، صفقات بيداغوجية، ومعظم أطبائنا جزَّارة، ومعظم محامينا قضاتنا نصَّابة…الديون المغربية الداخلية والخارجية تقارب 600 مليار درهم أي تقريبا 70 من الناتج الداخلي، و100 في 100 من القرارات التي تحسم حيواتنا لا يتخذها البرلمان ولا الحكومة ولا أي مؤسسة منتخبة…
في قراءة الأرقام يظهر صدى الانعراج…في كل تحول هناك حاجة إلى ماهدين، لا يكتفون بشرح العالم بل بتغييره، بجرأة مضاعفة، ومراجعات عميقة، تنأى بنفسها عن استعداء الغرب، ونظرية مؤامرته التي عمَّرت ردحا في الأقانيم المقدسة للتفكير…حداثة لم نصغها، دعت البعض منا إلى الاستنجاد بالأصوليات، لتحصين ذات منجرحة.
لا يمكن للديموقراطية أن تقوم في مجتمعات تنعدم فيها شروط المواطنة، وقيم العدالة الاجتماعية، ويتم فيها الخلط بين الدولة والنظام…الاضطرابات التي نعيشها هي أعراض لتضارب المصالح. سبق للأكاديمي الأردني مروان مْعَشر، يقول:”اليقظة العربية الأولى كانت يقظة نخب من دون جماهير، والربيع العربي ثورة جماهير من دون نخب”. في هذا النقاش، تثار قضية العلاقة بين السياسي والمثقف.
رجل السياسة ينطلق من الممكن، ويتحرك وفق مساحة محدودة، بينما المثقف يتشوف إلى الأفق، لا تحده موانع، ولا يخضع لتوافقات، ولا يرضخ لتسويات…هل يستقيم إذن، أن نتحدث عن تحديث للدولة والمجتمع من دون زعزعة التقاليد، من دون إثارة المياه الآسنة لغفير الناس، في وضع يتأرجح بين فسطاطين: بِنية تقليدية تخضع لإيقاع التقاليد “القَاعدة”، وبِنية عصرية”؟، ألا يمكننا أن نشاطر المؤرخ إريك هوبزباوم في القول أننا نسير في سياق عملية “استحداث التقاليد”؟
نرغب في حداثة، لكن مجتثة من النَّسغ الفكري…نريد طرقا وسكك حديدية وموانئ ومطارات، من دون جامعات، وبما يمكن أن تولد من مطارحات نقدية، في وضع يشكل فيه الحَنق على أسئلة العلوم الانسانية خيارا استراتيجيا للجميع، أَوَ لم يقل المؤرخ عبد الله العروي في هكذا سياق “يتم توظيف التقاليد أكثر من الايمان بها”…
هذه السكيزوفرينية، الآنفة من الحداثة الفكرية، هي من جعلت من الدولة تنتقل من لحظة “استحداث التقاليد” إلى “عملية الضبط”، ومن “الضبط نحو “المراقبة”، وهو ما يبرز بوضوح تام في محطات مفصلية من تاريخ المغرب الراهن، من ثورة الشباب سنة 1965 التي أعقبت قرار طرد التلاميذ من المدارس، إلى انتفاضة 1984 وغيرها…
الشباب المغربي اليوم يعيش حالة “التغريب اللا شعوري”، والتوصيف مستعار من الفيلسوف الايراني دريوش شيغان…زمن جديد يُعري عن جُرح وجودي ينهل من ممارسات الغاب الاجتماعي، وتكالب همجي تُشيعه العولمة، بما يقوم عليه من تفكيك لمحيط الحياة، والقاء بالشباب كما يقول المثل الفرنسي في ماء الحمام…
أستاذ باحث، مراكش
.jpg)
منذ 11 أشهر
5







