لم تعد الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين تُختزل في السفارات واللقاءات الرسمية أو في البيانات الصادرة عن وزارات الخارجية. ففي عالم أصبحت فيه وسائل الإعلام، ومراكز التفكير، والجامعات، والمنصات الرقمية، والرأي العام، أطرافاً مؤثرة في صناعة القرار، برزت الجاليات الوطنية باعتبارها أحد أهم أدوات القوة الناعمة للدول. ومن هذا المنطلق، أصبحت الجالية المغربية المقيمة بالخارج ركيزة أساسية في تعزيز الحضور الدولي للمملكة، وشريكاً استراتيجياً في الدفاع عن مصالحها العليا، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.
ولم يعد دور مغاربة العالم يقتصر على تحويلاتهم المالية، رغم أهميتها المتزايدة، بل امتد ليشمل بناء الجسور مع مجتمعات الإقامة، وتصحيح الصور النمطية، والمساهمة في توضيح الموقف المغربي داخل البرلمانات، والجامعات، ووسائل الإعلام، والجمعيات المدنية، ومراكز البحث وصنع القرار. ويواكب هذا الحضور المتنامي الدينامية الدبلوماسية التي يشهدها ملف الصحراء، والتي تُرجمت خلال السنوات الأخيرة بتزايد الاعتراف الدولي بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية هذا النزاع الإقليمي.
وقد أكدت التوجيهات الملكية، في أكثر من مناسبة، أن الجالية المغربية بالخارج لم تعد مجرد امتداد بشري للوطن، بل أصبحت رصيداً استراتيجياً وكفاءات عالمية قادرة على الإسهام في الدفاع عن المصالح العليا للمملكة، وفي مواصلة مسارها التنموي. كما حملت الرؤية الملكية دعوة واضحة إلى تعبئة كفاءات مغاربة العالم، وتشجيع استثماراتهم، وتيسير مساهمتهم في مختلف الأوراش الوطنية، بما يجعلهم فاعلاً دائماً في إشعاع المغرب على الصعيد الدولي.
وقد عززت التطورات الدبلوماسية التي شهدها ملف الصحراء خلال عامي 2025 و2026 هذا التوجه، مع استمرار اتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، وافتتاح قنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة، وتنامي الدعم الدولي للمقاربة المغربية باعتبارها الإطار الأكثر واقعية لإنهاء النزاع. وفي هذا السياق، اكتسب عمل الجالية المغربية زخماً إضافياً داخل فضاءات التأثير السياسي والإعلامي والأكاديمي.
وتتجلى أهمية هذه القوة الناعمة في أن النقاش حول قضية الصحراء لم يعد يقتصر على أروقة الأمم المتحدة، بل أصبح يدور أيضاً داخل الجامعات، ومراكز الدراسات، والبرلمانات الوطنية، ووسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي. وهنا يضطلع آلاف المغاربة المقيمين بالخارج بدور سفراء غير رسميين للمملكة، يقدمون قراءة تستند إلى المرجعيات القانونية والتاريخية، ويشرحون التحولات التي عرفها الملف، ويواجهون الروايات المغلوطة التي تروجها بعض الجهات.
ولم يعد هذا الدور حكراً على الجيل الأول من المهاجرين. فقد برز خلال السنوات الأخيرة جيل جديد من الكفاءات المغربية، المولودة أو المتعلمة في أوروبا وأمريكا الشمالية، يشغل مواقع متقدمة داخل البرلمانات، والإدارات، والجامعات، ومراكز البحث، ووسائل الإعلام، والشركات الكبرى. ويمنح هذا الحضور المغرب شبكة بشرية واسعة قادرة على بناء جسور الحوار والتأثير، انطلاقاً من معرفة دقيقة بثقافة بلدان الإقامة وآليات اشتغال مؤسساتها.
وإذا كانت الدبلوماسية المجتمعية تمثل الوجه السياسي للقوة الناعمة المغربية، فإن بعدها الاقتصادي لا يقل أهمية. فقد أصبحت تحويلات مغاربة العالم أحد أهم أعمدة التوازنات المالية للمملكة. وتشير المعطيات الرسمية الصادرة عن مكتب الصرف إلى أن هذه التحويلات تجاوزت خمسين مليار درهم خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026، بارتفاع يقارب 9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. وتعكس هذه الأرقام متانة ارتباط الجالية بوطنها، كما تؤكد مكانتها كفاعل اقتصادي واستثماري رئيسي، وليس فقط كمصدر للعملة الصعبة.
ويمتد هذا الدور إلى الاستثمار المباشر، خاصة في الأقاليم الجنوبية، حيث يساهم رجال ونساء أعمال من أبناء الجالية في مشاريع تنموية تخلق فرص الشغل، وتعزز البنيات التحتية، وتدعم اندماج هذه الأقاليم في الدينامية الاقتصادية الوطنية. وإلى جانب ذلك، يمتلك المغرب رأسمالاً بشرياً هائلاً في الخارج، يتمثل في آلاف الباحثين والأطباء والمهندسين ورجال الأعمال والخبراء في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعلوم الإنسانية، وهو رصيد استراتيجي يتعين تعبئته بصورة أكثر نجاعة خلال السنوات المقبلة.
ولا يقتصر تأثير الجالية على السياسة والاقتصاد، بل يمتد أيضاً إلى المجال الثقافي. فقد أصبحت الثقافة إحدى أكثر أدوات التأثير فعالية في العلاقات الدولية، من خلال المهرجانات، والسينما، والأدب، والموسيقى، والفنون. ويسهم مغاربة العالم في التعريف بصورة المغرب المنفتح والمتعدد، وإبراز غنى مكوناته الحضارية، بما فيها الثقافة الحسانية باعتبارها جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية، وهو ما يعزز حضور المملكة في الفضاء الثقافي الدولي.
غير أن هذه الدينامية تواجه تحديات حقيقية. فالمعركة لم تعد تُخاض فقط عبر الخطابات السياسية، بل أيضاً عبر المنصات الرقمية، والخوارزميات، والمحتوى متعدد اللغات، حيث تنتشر الأخبار بسرعة، وتتكون الانطباعات قبل التحقق من الوقائع. لذلك أصبح الاستثمار في التواصل الرقمي الاحترافي، وتكوين كفاءات قادرة على مخاطبة الرأي العام الدولي بلغاته المختلفة، ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن العمل الدبلوماسي التقليدي.
كما يظل تعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين، داخل المغرب وخارجه، أحد الشروط الأساسية لرفع فعالية هذه الجهود. فالانتقال من المبادرات الفردية إلى رؤية مؤسساتية أكثر تكاملاً، تقوم على الشراكة بين الدولة والجمعيات والكفاءات المغربية بالخارج، من شأنه أن يضاعف أثر القوة الناعمة المغربية في مختلف فضاءات التأثير.
لقد أثبتت التحولات الدولية خلال السنوات الأخيرة أن الدفاع عن الوحدة الترابية لم يعد مسؤولية الدبلوماسية الرسمية وحدها، بل أصبح جهداً وطنياً تشارك فيه مؤسسات الدولة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والجالية المغربية المنتشرة عبر مختلف القارات. وفي عالم أصبحت فيه معارك الدول تُحسم بالصورة والرواية والتأثير بقدر ما تُحسم بالمفاوضات والاتفاقيات، لم تعد الجالية المغربية مجرد امتداد بشري للوطن، بل أصبحت أحد أهم أصوله الاستراتيجية. ويبقى الرهان اليوم هو حسن تعبئة هذا الرصيد البشري والمعرفي، وتحويله إلى قوة مستدامة تعزز مكانة المغرب، وتدافع عن وحدته الترابية، وتواكب طموحه إلى ترسيخ حضوره كقوة إقليمية منفتحة ومؤثرة في محيطها الدولي.
.jpg)
منذ 1 ساعة
2







