ARTICLE AD BOX
توفيق بوعشرين
التشهير جريمة… والصمت شراكة
الخميس 26 فبراير 2026 | 13:29
أمس، أُصبتُ بصدمة قوية وأنا أطالع تدوينة لمشهِّر يُدعى ياسين حياني ، يعتدي فيها على كرامة امرأة حرّة اسمها بشرى الخونشافي، زوجة زميلنا حميد المهداوي، ويمسّ شرفها وسمعتها، وهي في رحلة علاج من المرض اللعين، بينما زوجها مقيم بين أروقة المحاكم، وكتيبة الإعدام الرمزي تنهشه صباح مساء، كما تفعل معي ومع غيري من الحقوقيين والصحافيين المستقلين، الموضوعين على قوائم القتل السوداء…
آراء أخرى
لم أتذكر شيء يساعد على فهم هذه البربرية سوى جملة لألبير كامو «إهانة الإنسان هي بداية كل طغيان.
هل أقول مرة أخرى إنني أتضامن مع السيدة الفاضلة والشجاعة بشرى؟
هل أقول مرة أخرى إنني أدين عصابة التشهير وآكلي لحوم البشر، التي تعيث في الفضاء الرقمي إجرامًا وإسفافًا، تحت حماية كاملة من جهات إنفاذ القانون، التي تتفرج على حفلة الدم هذه وتعتبرها «سياسة ردع عمومية» في اتجاه كل صاحب صوت نقدي، أو رأي لا يدفن رأسه مع رؤوس القطيع؟
الأدوات التي تُوظَّف في حرب التشهير، والسبّ، والقذف، والنيل من الكرامة الإنسانية، تبقى أدوات.
وأنا، في كثير من الأحيان، أتعاطف مع هشاشتها النفسية، وإعاقتها الإنسانية، واضطرارها للعمل اليومي في ورشة سلخ جلود البشر، لكي تحصل على ما تسدّ به رمقها، وتروي عطشها. لأن هؤلاء الذكور والإناث — ولا أقول الرجال والنساء — بلا مواهب، ولا حرفة، ولا كرامة، ولا أنفة للخروج إلى سوق العمل لكسب الرزق أو للترقي الاجتماعي بطرق مشروعة. ولهذا يقبلون على بيع ماء وجوههم، ووجوههن، وكتابة أسمائهم وأسمائهن في سجل العار هذا…
مشكلتي الحقيقية ليست مع هذه الأدوات، بل مع المهندسين الذين ركّبوا هذه الآلة القاتلة، وجمعوا مرتزقتها من وسط صحافي معطوب، ووسط جامعي لا يملك من قيم الجامعة وتقاليدها إلا الاسم، مضافًا إليهم طيف من الطفيليات التي لا تعيش إلا في القذارة. شحنوا الجميع في عربات السُّخرة، ودفعوهم إلى خطوط النار الأمامية، كمرتزقة بلا قضية، ولا شرف، ولا حتى أخلاق حرب… لإطلاق النار على كل من يتحرك، بل وإطلاق النار حتى على سيارات الإسعاف التي تنقل الضحايا إلى المستشفيات!
استعمال التشهير والاغتيال المعنوي كسلاح سياسي يشبه لعبة الروليت الروسية لا تعرف متى تخرج الرصاصة من المسدس ولا اتجاه من ! عندما يرى الفرقاء ان التشهير السياسي اصبح مشروعا ومحميا ومعتمدا كسياسة عمومية وله موسسات ورموز وقنوات ومواقع وشراكات فان الإقبال عليه سيزداد واعتماده سلاح دمار شامل سيصبح من تقاليد حياتنا السياسية والاجتماعية !
حتى في الحروب هناك أخلاق وحدود وضوابط فهل من أخلاق الخصومة أن تطلقوا النار، أيها الجبناء، على سيدة فاضلة تصارع المرض بصمت بين أبنائها و أفراد عائلتها، وفي شهر رمضان الكريم؟ أين الجمعيات النسائية أين ذلك المسخ المسمى (جمعية الدفاع عن الضحايا )
منأيطينةتشكلهؤلاءالبشر؟ومنأيعقيدةوثقافةولدكلهذاالافتراس؟
من أجل ماذا ؟ مال ،نفوذ، سلطة ،حصانة، هيبة ، تغول …لكنبأيثمن؟
قال تعالى ( كل من عليها فان يبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) سورةالرحمان
حقًّا، الانحطاط امتحان لم يسبق لأحد أن فشل فيه. لكن الانحطاط والتوحش عاقبتهما وخيمة. فالحياة عجلة تدور وتدور، ولا أحد يعرف أين ستتوقف.
مشكلتي الثانية مع صمت المثقفين، والفنانين، والمحامين، وجلّ الصحافيين، والسياسيين، والبرلمانيين، وزعماء الأحزاب، والنقابات، والجمعيات، ونخبة المجتمع، التي تكتفي بالصمت ومراقبة المشهد عن بُعد. وأقصى ما تفعله هو الاكتفاء بأضعف الإيمان (الاستنكار القلبي) ، والانشغال بشؤون الحياة الخاصة، إلى أن تجد نفسها عالقة في مخالب التشهير يومًا ما…
لا تفهم هذه النخبة أن حرية وكرامة وأمن وحقوق اي مواطن تبقى ناقصة ومهددة مادام هناك اخرون لا يتمتعون بها !
لهؤلاء، أُهدي هذه الأبيات الشعرية للقس Martin Niemöller ، التي كثيرًا ما استُخدمت للتعبير عن المسؤولية الأخلاقية تجاه المظلومين، حتى حين لا يشبهوننا:
– عندما جاء النازيون لأخذ الشيوعيين، صمتُ — فأنا لستُ شيوعيًا.
– وعندما سجنوا الديمقراطيين الاجتماعيين، صمتُ — فأنا لستُ ديمقراطيًا اجتماعيًا.
– وعندما أخذوا النقابيين، لم أقل شيئًا — فأنا لستُ نقابيًا.
– وعندما جاؤوا لأخذي في النهاية،
– لم يبقَ أحدٌ ليقول شيئًا.
.jpg)
منذ 2 أشهر
10







