البوز: القضاء بالمغرب يتمترس وراء اجتهادات قديمة و لايمكن تصور استقلال العدالة دون مناخ سياسي ديمقراطي

منذ 1 شهر 10
ARTICLE AD BOX

البوز: القضاء بالمغرب يتمترس وراء اجتهادات قديمة و لايمكن تصور استقلال العدالة دون مناخ سياسي ديمقراطي

أحمد البوز أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية

نور الهدى بوعجاج

الجمعة 06 مارس 2026 | 12:18

قال أحمد البوز، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس السويسي بالرباط، إن الدستور هو الذي يحدد موقع القضاء ضمن توازن السلط، أي يحدد طبيعة القضاء كسلطة مستقلة، ويضبط العلاقة بينه وبين باقي السلطات، كما يضمن استقلاليته واستمرارية الإصلاح، ويحصن القضاة من التدخلات والضغوط، ويكفل استقرار الإصلاح وعدم خضوعه للتقلبات السياسية أو لمرجعيات وأيديولوجيات الفاعلين.

وتساءل البوز، في الندوة التي نظمتها “فدرالية اليسار” أمس الخميس بنادي المحامين بالرباط حول “إصلاح العدالة وسؤال الديمقراطية”، عن سبب استمرار الحديث عن أهمية الدستور كأساس للإصلاح القضائي رغم المستجدات التي جاء بها دستور 2011. وأكد أن هذا السؤال يستمد مشروعيته من أربعة عناصر أساسية، أولها الفجوة القائمة بين الدسترة والتفعيل، وانتقال الإشكال من مستوى النص إلى مستوى الممارسة.

واعتبر الأستاذ الجامعي أن الاجتهاد القضائي لا يزال متمترساً وراء اجتهاد قديم أثار الكثير من النقاش في قضية مزرعة عبد العزيز (قضية الشركة الفلاحية لمزرعة عبد العزيز سنة 1970)، حيث رفضت المحكمة إلغاء المرسوم الملكي المتعلق بضم الأراضي الزراعية، وعللت موقفها بأن الملك يمارس سلطاته باعتباره أمير المؤمنين، وبالتالي لا يمكن اعتباره سلطة إدارية. وأوضح أن الدستور لم يخول لأي جهة صلاحية مراقبة هذه القرارات، خاصة ما يتعلق بتحصين الظهائر الملكية من إمكانية الطعن بسبب الشطط في استعمال السلطة، ليس لأنها ذات مضمون إداري، بل لأن الجهة التي تصدرها لا يمكن الطعن في أعمالها.

وأضاف البوز، في تفصيله للفجوة بين الدسترة والتفعيل، أن هناك استمراراً للاختلالات المرتبطة ببطء المساطر وتعقيدها وبإشكالات تنفيذ الأحكام، إلى جانب محدودية الأثر الواقعي لبعض الإصلاحات المؤسساتية، مثل إحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

وأكد أن النقطة الثانية ترتبط بكون استقلال السلطة القضائية جاء في ظل توازن السلط الذي كرسه دستور 2011، والذي لم يحسم بشكل كامل في إشكالية فصل السلط، بل يمكن القول إن الدستور ترك هذا الموضوع ملتبساً. فهو يقدم فصل السلط كأساس يقوم عليه النظام السياسي والدستوري في المغرب، لكن عند قراءة الفصل الثاني تظهر درجة من الغموض أو الالتباس في هذا الجانب.

وتابع أن الدستور يتحدث عن الحكومة باعتبارها تمارس السلطة التنفيذية، في حين أن من يرأس المجلس الوزاري هو من يمارس السلطة التنفيذية فعلياً. وأضاف أن هذا الوضع جعل الحياة السياسية تدور حول مقولة مشهورة كثيراً ما يتداولها الجامعيون وسبق أن قالها الملك الحسن الثاني، وهي أن فصل السلط لا يمكن تصوره على مستوى الملك، مشدداً على أن هذه المقولة ما تزال مؤطرة للبناء الدستوري في المغرب، كما كرستها الدساتير السابقة وأيضاً الدستور الحالي.

وتحدث البوز عن استمرار بعض أشكال التداخل والتأثير غير المباشر بين السلط، إضافة إلى تعدد المتدخلين في تدبير قطاع العدالة وتعقيد هندسته المؤسساتية. وأشار إلى أن الإشكالية الثالثة تتعلق بالتحدي السياسي، لأنه لا يمكن تصور عدالة مستقلة في غياب مناخ سياسي ديمقراطي، معتبراً أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين استقلال العدالة وإصلاحها وبين المناخ السياسي الديمقراطي.

وشدد على أن استقلالية القضاء وإصلاح العدالة يرتبطان بحرية الصحافة، وباستقلالية الأحزاب السياسية، وبفعالية البرلمان، معتبراً أن هذه العناصر تشكل دعائم أساسية لاستقلال القضاء وإصلاح العدالة. كما سجل أن الإشكال الرابع يتعلق بالتحدي الثقافي، لأن إصلاح العدالة ليس فقط قضية قوانين ومؤسسات ومساطر وإجراءات، بل يتطلب أيضاً ثقافة قضائية جديدة تقوم على الجرأة في الاجتهاد، وعلى حماية الحقوق وتكريس مبدأ المساواة.

وخلص إلى أنه لجعل الدستور يخدم إصلاح العدالة في المستقبل، لا بد أولاً من تعزيز وضوح وفعالية الهندسة الدستورية للسلطة القضائية، وهو ما يرتبط أساساً بتقوية مبدأ فصل السلط وتقليص مجالات التداخل. وتساءل في هذا السياق عما إذا كان القضاء مستقلاً عن السلطة التنفيذية أم عن الحكومة فقط، معتبراً أن هنا يكمن الإشكال الكبير، لأن هناك فرقاً بين السلطة التنفيذية بالمعنى الفعلي وبين الحكومة. كما أكد الحاجة إلى التدقيق في توزيع الاختصاصات بين الفاعلين داخل المنظومة القضائية، في ظل غياب تحديد واضح للحدود بين وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، إلى جانب ضرورة توضيح الإطار المؤسساتي للسياسة الجنائية، وتحديد الجهة التي تضعها وكيف تخضع للمساءلة الديمقراطية إذا كانت النيابة العامة هي من سيشرف على تطبيقها.

المصدر