البقالي.. إرحل.. امجاهد.. إرحل

منذ 4 أشهر 16
ARTICLE AD BOX

عبد الرحيم التوراني

البقالي.. إرحل.. امجاهد.. إرحل

الأحد 30 نوفمبر 2025 | 13:08

في زمن يتسارع فيه الزمن نحو الهاوية، ويُصبح الإنسان مجرد عنوان لفشل جماعي، يبرز مشهد يُذكرنا بمسرحيات العبث التي كتبها بيكيت أو يونسكو، حيث يتخبط الشخصيات في دوامة من التناقضات دون أن تجد مخرجاً. هكذا يبدو اليوم قطاع الصحافة المغربية، تحت إدارة اللجنة المؤقتة لتسيير المهنة، التي تحولت إلى مسرح للصراعات الداخلية والأخطاء التراكمية. وعنوان هذا المشهد الدرامي ليس سوى عبد الله البقالي ويونس امجاهد، اللذين باتا رمزاً للبيروقراطية القاتلة، والتي تُدير قطاعاً يُفترض أن يكون صوت الحقيقة والحرية.

آراء أخرى

  • البحث التربوي التدخلي.. المنهجية التحويلية لتجويد الممارسات الصفية

  • فوضى الديموقراطية في دولة يَتحكّم فيها الإعلام

  • محمد شكري: من القرية الرّيفيّة بني شيكرالمغمُورة إلى حاضرة طنجة المشهُورة

البقالي: الضحية أم الجلاد الذاتي؟

عبد الله البقالي، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، لم يعد مجرد مسؤول؛ أصبح هو المسؤول عن فوضى نظام “الخاص” الفاشل، الذي أُطلق ليُنقذ الصحافة من الانهيار المالي، لكنه أغرقها في مستنقع من الديون والفضائح. في الأسابيع الأخيرة، أثيرت ضجة كبيرة حول قصة “الغرام وشقة باريس”، تلك القصة التي لم يوضحها البقالي، مما جعله هدفاً للانتقادات الشعبية والمهنية. وفجأة، يصدر بلاغاً يبدو انتحارياً، يلقي فيه اللوم على زملائه، وكأنه يقول: “أنا بريء، وهم المسؤولون!”.

لكن، هل هذا البلاغ محاولة يائسة للتنصل، أم اعترافاً ضمنياً بفشل شامل؟ البقالي، الذي كان يُروج لنظامه كـ”حلاً سحرياً”، يجد نفسه اليوم عارياً من المساندة، وحيداً أمام مجتمع الصحفيين الذي يصرخ: “إرحل!”. فالنظام الذي أشرف عليه لم ينتج إلا الفوضى: تأخير في الدفعات، شكاوى من الصحفيين، وتراجع في مصداقية المهنة. وكأن البقالي، بأوهامه عن السيطرة، أصبح جلاداً لذاته، يُلقي أخطاءه في أحضان الآخرين ليُنقذ ما تبقى من سمعته.

امجاهد: المنقذ الذي يُلقي بالعبء؟

أما يونس امجاهد، رئيس اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر، فقد قرر أن يُلعب دور “المنقذ المتأخر”. بعد أن ساهم في بناء هذا النظام الخاص، ها هو اليوم يُلقي أخطاءه في حضن البقالي، تاركاً إياه يواجه القضاء والرأي العام وحده. هل هذا تنصلاً من الورطة، أم محاولة لتقديم قربان على مذبح الجهات العليا ليُنال رضاها ويُنقذ نفسه؟

المشهد يُذكر بالسخرية السوداء: امجاهد، الذي كان يُدير اللجنة بـ”يد من حديد”، يتراجع الآن ويُبرئ نفسه، بينما يُحمّل البقالي مسؤولية الانهيار. لكن الحقيقة أوضح: الاثنان شريكان في الجريمة، و”النظام الخاص” الذي صنعاه معاً أصبح عبئاً ثقيلاً يجرّ القطاع نحو الهاوية. يونس امجاهد، الذي يُفترض أنه “مُجاهد” في سبيل الإصلاح، بات اليوم يُواجه صرخة الشارع: “إرحل!”. فالوقت حان لإبعاد أمراء البيروقراطية عن مقاليد السلطة، قبل أن تُغرق السفينة الجميع.

مسرحية العبث: من يُنقذ الصحافة؟

هذا المشهد ليس فردياً؛ إنه انعكاس لأزمة أعمق في المغرب: سيطرة الدولة على الإعلام، وتحويل الصحافة إلى أداة للسياسات الاقتصادية الفاشلة. النظام الخاص، الذي أُطلق في 2023 ليُعوض الصحف عن خسائر الإعلانات، تحول إلى مصدر للفساد والتبعية. الصحفيون يعانون من التأخيرات، والقطاع يفقد مصداقيته يوماً بعد يوم. وفي الوسط، البقالي وامجاهد يتخبطان في صراعهم الداخلي، كأنهما في مسرحية حيث لا يوجد بطل، ولا نهاية سعيدة.

السؤال الآن: هل يُدرك الاثنان أن الرحيل هو الخلاص الوحيد؟ أم سيستمران في إلقاء اللوم على بعضهما، حتى يُغرق الجميع؟ مجتمع الصحفيين، والشعب المغربي، يصرخان اليوم بصوت واحد: “البقالي.. إرحل.. امجاهد.. إرحل!”. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ إلا برحيل رموز الفشل، وبناء نظام يُعيد للصحافة استقلاليتها وكرامتها.

 16 يوليو 2018

المصدر