ARTICLE AD BOX
يمكن تقديم بعض الاستراتيجيات لكيفية تعامل الحركة السياسية الصحراوية مع مقترح الحكم الذاتي المغربي، بتحويل القبول به من “نهاية” للمطالب إلى “نقطة انطلاق” لتوسيع المجال السياسي، والتي يمكن تلخيصها مؤقتاً في أربع مقترحات لتجاوز التحديات المحتملة في الحكم الذاتي، بناءً على دروس التجربة الكتالونية، مع مراعاة الفوارق السوسيوتاريخية والسياسية والسياقية، وأخذ بعين الاعتبار أنه لكي يكون مقترح الحكم الذاتي جذابًا ومستدامًا للصحراويين الذين يرون أنفسهم كـ “شعب”، يجب أن يضمن لهم أقصى درجات السلطة التقريرية في إدارة شؤونهم، بطريقة تعكس الاعتراف بخصوصيتهم وتميزهم، وأن يكون إطار الحكم الذاتي مرناً بما يكفي ليسمح لهم بتحديد شكل “تنظيمهم السياسي الداخلي” ضمن حدود السيادة.
على النحو التالي:
آراء أخرى
1. استراتيجية “ترسيخ” الإجماع الداخلي (لتجاوز الانشطار)
تعد هذه الاستراتيجية الأساس الأخلاقي والسياسي لنجاح تجربة الحكم الذاتي، وتهدف إلى تحويل الوحدة الظاهرية إلى شرعية قيادية عميقة وغير قابلة للتشكيك، على غرار ما فعله الكتالونيون باستخدام التفويض الشعبي لمواجهة مدريد. المطلوب ليس مجرد وحدة ظاهرية ومؤقتة، بل ترسيخ وتعزيز القبول بالشرعية القيادية ليصبح ممتدًا وشاملاً وغير قابل للطعن، وقد يصل إلى مستوى إصدار تفويض ديمقراطي داخلي يمنح الشرعية للحركة السياسية القائدة، بعد مرحلة طويلة من تحويل مجتمع قديم من الرعاة الرُحّل، المنظم تقليديًا في “قبائل”، إلى كيان سياسي يُعترف به دولياً كـ “شعب”.
يتم ذلك من خلال:
• توسيع الشراكة المجتمعية: تعميق دائرة المشاركة السياسية، مع التركيز بشكل خاص على فئة الشباب، والمكونات النسائية، وكل أطياف المجتمع الصحراوي (في المخيمات والداخل)، لضمان أن القرار المحلي يمثل إجماعًا حقيقيًا وغير قابل للتبديد. ألح الكتالونيون على توظيف أي مساحة ديمقراطية متاحة (انتخابات، استشارات) لتوليد تفويض شعبي قوي لصالح تجربتهم الفتية التأسيسية. كان هذا التفويض، بالنسبة للكتالونيين، هو السلاح الأخلاقي والسياسي الذي تحدوا به حتى القضاء، وبالضبط المحكمة الدستورية في مدريد.
• موائمة التدخلات السياسية مع السياق الصحراوي: ينبغي استغلال الانتخابات أو عمليات الاقتراع المحلية المتاحة لتحقيق أغلبية مطلقة، وتحويلها إلى أداة ضغط وتنديد ضد أي تراجع في صلاحيات الحكم الذاتي، بحيث يكون الهدف توليد شرعية شعبية داخلية لا يمكن للحكم المركزي إلغاؤها دون ثمن باهظ؛ ولذلك يكون الموقف الموحد بين كافة الأطراف الفاعلة في الداخل والخارج هو الدرع الأخير ضد محاولات شق الصف.
• مقاومة “الستاتيكو” (الجمود): يجب العمل بجد لتفعيل المؤسسات السياسية من خلال تعزيز الآليات الديمقراطية الداخلية والانتخابات الدورية، مما يمنح القيادة الصحراوية قوة مستمدة من القاعدة المكونة من مختلف أطياف المجتمع الصحراوي، مع العلم أن الإرادة الشعبية وحدها لا تكفي دون تحقيق مكاسب على الأرض أو في ميزان القوى.
2. استقلالية السيادة الاقتصادية الذاتية (لتجاوز التبعية)
من الضروري تجاوز الصراع الرمزي الذي يتجاوز المادة، لأن المصالح المادية أو الاقتصادية حاسمة. الوضع الجديد (الحكم الذاتي) يفرض على الصحراويين عدم التشبث بعقيدة القتال من أجل “الحرية”، لأن حرية اختيار نظام حياتهم، وقواعدهم الاجتماعية، وتنظيمهم السياسي الداخلي، لا يمكن تحقيقها في ظل صعوبات اقتصادية كبيرة.
ولتجاوز الوقوع في فخ التبعية الاقتصادية أو الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي، من المفترض تبني رؤية “اقتصاد الحكم الذاتي”، والاستفادة من تجربة كتالونيا التي لم تعتمد فقط على الهوية الثقافية واللغوية المميزة، بل راهنت على الثقل الاقتصادي الهائل للإقليم، مما جعله تحديًا وجوديًا للدولة المركزية، من خلال التركيز على:
• الاكتفاء الذاتي: بدء بناء أنماط اقتصادية صغيرة ومكتفية ذاتياً في مناطق الحكم الذاتي، تعتمد على القدرات المحلية، واستخدام جميع المقومات الاقتصادية المحتملة للأرض كعنصر تفاوضي مستقبلي. بدلاً من الشكوى من أن “الرباط تسرقنا” (كما يقولون في كتالونيا “إسبانيا تسرقنا”)، يجب أن تتحلى الهيئات المنتخبة محليًا بالسلطة الدستورية والمالية لتوظيف وتوجيه الموارد، مما يحول هذا المبدأ إلى واقع ملموس.
• عدم الارتهان للضغط الاقتصادي: يجب العمل على تنويع مصادر الدخل، وتجنب الاعتماد على مصدر واحد، حتى لا يتحول إلى ورقة ضغط سياسي لقبول تنازلات مستمرة. تجربة كتالونيا توضح مخاطر الافتقار إلى السيطرة المحلية على الثروة وتفاقم العجز المالي.
3. عدم الاكتفاء بالقوانين الوطنية والمحلية والتمسك بالقانون الدولي (لتجاوز جمود التنفيذ)
يستلزم الأمر التمسك بالقانون الدولي وتحويله إلى أداة ضغط فعالة، واعتماد مقاربة هجومية أكثر:
• استهداف مؤسسات التنفيذ: بدلاً من الاكتفاء بالحديث عن القرارات الأممية، يجب التركيز على إحراج الدول الأعضاء في مجلس الأمن والجهات المسؤولة عن المراقبة، وتوجيه الضغط نحو عقوبات أو تدابير تنفيذية محددة.
• إعادة النظر في طبيعة الشراكات الأجنبية: يجب الضغط على الشركات والقوى التي استثمرت أو ستستفيد من الموارد الطبيعية في مناطق الحكم الذاتي، لزيادة المداخيل الاقتصادية والمالية للطرف الآخر والمستفيدين، وتحويل الوضع الجديد إلى سلاح اقتصادي.
4. الحضور القوي في المنتديات الإقليمية (لتجاوز العزلة)
الرهان على ضامن وراعٍ إقليمي قوي يتمثل في سعي القيادة الصحراوية لبناء شبكة دعم واسعة. كما أن التدويل هو المفتاح للحماية، لذا يجب الإصرار على إشراك طرف دولي (الأمم المتحدة أو وسطاء دوليين) كضامن لتطبيق الحكم الذاتي وكحارس لالتزام المركز، وإلا فإن النظام المركزي سيُلغى الصلاحيات بمجرد هدوء الأوضاع.
• تحالفات إقليمية: ينبغي تجاوز الاعتماد على الداعمين التقليديين، والبحث عن محاور قوة إقليمية جديدة لها مصلحة في تفعيل توازن القوى في المنطقة (مثل دول في الاتحاد الأفريقي أو دول مؤثرة في أمريكا اللاتينية أو أوروبا)، لتشكيل كتلة دولية متنوعة الأطراف.
• وضوح شروط التفاوض مسبقاً: لتفادي “فخ المفاوضات اللانهائية”، يجب أن تحدد القيادة بوضوح شروط التفاوض والهدف النهائي (أي الحكم الذاتي؟)، ويُحدد سقف زمني واضح لفشل المفاوضات وعودة خيارات أخرى قبل الإعلان عن ذلك.
ختاما، إن المقترح ليس هدفاً بحد ذاته، بل هو أداة للتأسيس. نجاحه يتوقف على قدرة القيادة على توحيد الصف داخلياً، وتحقيق المكاسب على الأرض، وتحويل الإطار القانوني الدولي إلى سلاح ضغط هجومي لضمان التنفيذ الكامل والمرن للحقوق الممنوحة.
.jpg)
منذ 5 أشهر
8







