ARTICLE AD BOX
أكد محمد الأشعري، الكاتب ووزير الثقافة الأسبق، أن التحولات العمرانية التي تشهدها مدينة الرباط تطرح أسئلة عميقة تتجاوز الجانب الهندسي أو التخطيطي، لتلامس الذاكرة الجماعية والهوية الإنسانية للمدينة وسكانها، معتبراً أن “العمران جرح دائماً”، وأن عمليات الهدم وإعادة التهيئة التي تطال بعض الأحياء القديمة تُخلف خسائر رمزية وشعورية لا تقل قسوة عن الخسائر المادية، حيث ورد ذلك خلال لقاء حول “الرواية والزمن الراهن” ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب 2026، الجمعة 8 ماي 2026.
وتوقف الأشعري مطولاً عند ما يجري في بعض أحياء العاصمة، مستحضراً حي المحيط الذي “هُدم جزء كبير منه لتحضير مشاريع يُقال إنها ستكون عملاقة”، مضيفاً أن السلطات لا ينبغي أن تنظر إلى سكان تلك الأحياء باعتبارهم مجرد أرقام أو عوائق أمام مشاريع التحديث، لأن “حياة الناس الذين عاشوا هناك، والذين وُلد أطفالهم هناك، والذين دفنوا أحباءهم هناك، ليست مجرد تفاصيل يمكن محوها بسهولة”.
وأوضح الأشعري أن الأحياء الشعبية، رغم الفقر والعنف والهشاشة التي قد تكون طبعت بعضها، كانت أيضاً فضاءات للحب والحكايات والعلاقات الإنسانية والذكريات اليومية، قائلاً إن تلك الأزقة “كان فيها الحب، وكان فيها القصص، وكان فيها الضحى، وكان فيها أشياء كثيرة”، معتبراً أن الخطاب العمراني السائد يتعامل مع المدينة بمنطق تقني بارد يختزلها في البنايات الكبرى والمشاريع العقارية، بينما يغفل “الخسارة الشعرية” الناتجة عن اقتلاع الناس من ذاكرتهم وأمكنتهم.
وأضاف أن التاريخ الرسمي غالباً ما يُعيد إنتاج هذا النسيان الجماعي، مستحضراً الطريقة التي نُسيت بها معاناة السكان الذين هُجّروا خلال بناء مشاريع كبرى في العقود السابقة، رغم أن تلك المشاريع أصبحت لاحقاً جزءاً من الصورة الرسمية للمدينة والدولة.
الرواية والهاجس السياسي
وفي سياق حديثه عن علاقة الرواية بالزمن الراهن، كشف الأشعري أن هاجس الزمن ظل مركزياً في تجربته الأدبية منذ بداياته الأولى، مستعيداً نصه المبكر “يوم صعب”، الذي كتبه في بداية التسعينيات واعتبره لاحقاً أقرب إلى “رواية قصيرة”، موضحاً أن الناقد محمد برادة انتبه آنذاك إلى أن النص، رغم اعتماده على الاسترجاع وتداخل الأزمنة، بدا وكأنه مكتوب بالكامل في الحاضر.
وقال الأشعري إن هذه الملاحظة كانت حاسمة بالنسبة إليه، لأنها جعلته يدرك أن “زمن الكتابة هو زمن بناء الرواية”، وأن الرواية بالنسبة إليه تنطلق دائماً من “الآن”، حتى عندما تستحضر الماضي أو تستشرف المستقبل.
وأضاف أن الكتابة انطلاقاً من الزمن الراهن تمنح الرواية حيوية خاصة، لأنها ترتبط بالزمن الشخصي والجسدي والمعيش، لكن هذا الراهن نفسه يتحول أحياناً إلى عائق أمام الكتابة، خصوصاً عندما يكون الزمن “عاصفاً ومتقلباً وحاداً” كما هو الحال اليوم. وأوضح أنه يعيش منذ ثلاث سنوات “ورطة حقيقية” بسبب اشتغاله على مشروع روائي لا يستطيع الاقتراب فيه من الزمن الراهن، وهو ما جعله يكتب ببطء وصعوبة غير معتادين بالنسبة إليه، بعدما تعود على الكتابة السريعة المباشرة المنطلقة من الحاضر.
وتحدث الأشعري بتفصيل عن طريقته في الكتابة، قائلاً إنه يقضي فترات طويلة في التهيؤ للنص عبر القراءة والبحث وإنجاز تحقيقات جانبية لإغناء المادة الروائية، لكنه عندما يبدأ الكتابة فعلياً ينجز النص بسرعة كبيرة ومن دون مراجعات كثيرة، مضيفاً أن “النص الأول يكون عندي هو 90 في المائة من النص النهائي”. غير أنه أقر بأن التجربة الحالية مختلفة، لأنها تجبره على الابتعاد عن اللحظة الراهنة التي طالما شكلت مصدر طاقته الإبداعية.
وشدد الأشعري على أن الرواية لا يمكن أن تكتمل، من حيث البناء واللغة والشخصيات، من دون “هاجس سياسي”، معتبراً أن الرواية ليست مجرد تعبير سياسي، بل تحمل في ذاتها نوعاً من “الفعل السياسي”. وقال إن السياسة التي تُناقش اليوم داخل الرواية المغربية “أكثر بكثير من السياسة التي تُناقش داخل الأحزاب”، لأن الرواية أصبحت فضاء لاستحضار التحولات الاجتماعية والعمرانية والنزاعات والتناقضات العميقة التي يعيشها المجتمع المغربي.
وفي هذا السياق، انتقد الأشعري ما سماه “عدم تصفية الحساب مع الذاكرة الجماعية”، معتبراً أن المغرب لم يحسم بعد علاقته بما يُعرف بـ“سنوات الرصاص”، بدليل أن مظاهر ذلك الزمن “تعود إلى الظهور في هذه المؤسسة أو تلك، وفي هذا السلوك أو ذاك”. وأوضح أن المجتمعات التي لا تواجه ذاكرتها النقدية تظل أسيرة أشكال قديمة من السلطة والعنف، داعياً إلى مساءلة المسلمات والحقائق الجاهزة بدل التعامل معها كوقائع أبدية غير قابلة للنقاش.
التناقضات كمادة أساسية للرواية
كما توقف الروائي المغربي عند التناقضات الاجتماعية الحادة التي يعيشها المغرب اليوم، قائلاً إن البلاد تعرف من جهة شعوراً واسعاً بالظلم الاجتماعي والفقر، خاصة خلال السنوات الأخيرة، لكنها تعرف في الوقت نفسه شعوراً عاماً بأن “الأمور تتحسن بطريقة ما”، بسبب توسع البنيات التحتية والمشاريع الكبرى والقطار فائق السرعة والمنشآت الحديثة.
وأضاف أن هذه المفارقة تخلق وضعاً معقداً يعيش فيه الناس بين الإحساس بالفخر بما تحقق وبين الإحساس العميق بالإقصاء، موضحاً أن المواطن قد يرى “علامات الثراء الفاحش” في المدن الكبرى، ثم ينتقل ليشاهد مناطق ما تزال تعيش البؤس والهشاشة، كما حدث بعد زلزال الحوز، حيث ظهرت الهوة الكبيرة بين المغرب الحديث والمغرب المهمش.
واعتبر الأشعري أن هذه التناقضات هي المادة الأساسية للرواية وللتفكير النقدي، لأنها تكشف بلداً “يسير بسرعتين”، مستحضراً خطاب الملك الذي تحدث فيه عن هذا التفاوت. وأضاف أن استمرار هذا الوضع قد يقود إلى انفجارات اجتماعية، لأن الناس الذين يعيشون الفقر والتهميش لن يظلوا إلى ما لا نهاية مقتنعين فقط بصورة التقدم العمراني والواجهات الحديثة.
“السلطة تتحول بسرعة خارقة”
وفي حديثه عن السلطة، قال الأشعري إن السلطة في العالم العربي أصبحت أكثر تعقيداً وقدرة على التحول والتكيف، وهو ما يفرض إعادة النظر في الأدوات الفكرية والنقدية المستعملة لفهمها. وأوضح أن السلطة اليوم “تتحول بسرعة خارقة”، وأن الأدوات القديمة لم تعد كافية لفهم آليات اشتغالها الجديدة، داعياً إلى “إعادة النظر في الأدوات” التي يتم بها تحليل الواقع السياسي والاجتماعي.
وعاد الأشعري إلى تجربته الشخصية خلال سبعينيات القرن الماضي، موضحاً أنه عاش آنذاك وضعية “ملتبسة” بين العمل السياسي والكتابة الشعرية، داخل فضاء كانت فيه السياسة متداخلة بقوة مع الالتزام الحزبي والنقابي والثقافي. لكنه شدد على إيمانه العميق باستقلالية الأدب، معتبراً أن تحويل الأدب إلى مجرد نسخة من الخطاب السياسي يسيء إلى الاثنين معاً، لأنه “لا ينتج سياسة جيدة ولا أدباً جيداً”.
وأكد أن ما يهمه في الرواية ليس الدفاع عن الأفكار الإيديولوجية الجاهزة، بل التقاط “الجمال الإنساني والتحولات البسيطة”، مشيراً إلى أن الإنسان قد يكتشف في لحظة متأخرة أن التفاصيل الصغيرة والهامشية في حياته كانت أهم من “القضايا الكبرى والشعارات الكبرى” التي استهلكت سنوات طويلة من عمره. وأضاف أن الرواية الحقيقية هي التي تستطيع أن تلتقط هذه التفاصيل الإنسانية الدقيقة، وأن تسخر أحياناً من الخطابات الكبرى بدل الخضوع لها.
وفي الجزء الأخير من مداخلته، أشاد الأشعري بالدور الذي لعبته الحركة التشكيلية المغربية خلال سبعينيات القرن الماضي، معتبراً أن الفنون التشكيلية كانت بمثابة “القنبلة التي انفجرت في المشهد الثقافي المغربي”، لأنها أدخلت حساسية جديدة تجاه الجمال والفضاء البصري والمدينة.
وقال إن الفنانين التشكيليين كانوا أول من انتبه إلى العلاقة الجديدة بين الإنسان والمدينة والجدران والفضاءات العمومية، وإنهم خرجوا بالفن إلى الشارع والساحات العامة بدل الاكتفاء بقاعات العرض المغلقة، في محاولة لإعادة تشكيل الذوق العام وبناء حساسية بصرية جديدة داخل المجتمع المغربي.
.jpg)
منذ 1 ساعة
2







