الأزمة السياسية في النيجر: ظاهرة بنيوية وتداعيات دولية

منذ 2 سنوات 4
ARTICLE AD BOX

فاجأ الانقلاب العسكري في النيجر ليلة 26 يوليوز الماضي جل المتتبعين والمراقبين والمهتمين بقضايا الساحل والصحراء وافريقيا بشكل عام، فقد كان هذا البلد بمثابة جزيرة سلام واستقرار وسط بحر هائج بالانقلابات العسكرية والتمردات السياسية، تهدده عواصف الإرهاب والحركات الإسلامية المتطرفة التي تشن غارات شبه يوميه على أطرافه وضفافه. جراء ما تعيشه كل من مالي وبوركينافسو والتشاد وليبيا والسودان، من فوضى سياسية وحروب شاملة بين تيارات عسكرية ومجموعات اثنية متصارعة فيما بينها حول السلطة والريادة.

آراء أخرى

  • نَحْنُ و حُكُومَةُ أَخْنُوش!

  • صراع الطاقة ينتقل لمنطقة الساحل والصحراء الأفريقية

  • التطبيع والمقاومة بالصمت

وإن كان عنصر المفاجأة أساسيا ومهما في إنجاح الانقلابات العسكرية، إلا أنه في حالة النيجر، وبالنظر إلى أجواء الاستقرار السياسي التي ينعم بها هذا البلد الساحلي والصحراوي في السنوات الأخيرة، والرهانات الجيواستراتيجية للدول الغربية، أوروبا وأمريكا بالخصوص، على التجربة السياسية لهذا البلد، ليكون أنموذجا للحكم المدني والانتقال الديموقراطي وسط ما تعيشه بلدان الساحل والصحراء المجاورة من اضطرابات وتحديات الأمن والاستقرار، فإن هذا الانقلاب، شكل حقيقة صدمة سياسية كبيرة للأنظمة الغربية، فرنسا وأمريكا، بالرغم من تطور أجهزتها الاستخباراتية. فالنيجر يعتبر قاعدة استراتيجية مهمة للدول الغربية، وقد قامت هذه الأخيرة، خلال السنوات الماضية، بعدة مبادرات ومشاريع مختلفة، تجلت أساسا في عقد شراكات واتفاقيات عسكرية واقتصادية وتجارية مهمة مع دولة النيجر في الدعم العسكري واللوجيستيكي من أجل مكافحة الإرهاب والجماعات المتطرفة، عن طريق التدريب والتكوين، وانشاء قواعد عسكرية، إضافة إلى المصالح الاقتصادية التي تربط فرنسا بالنيجر من خلال استغلالاليورانيومفي مناطق الشمال منذ عقود.

لذلك، سنحاول في هذه الورقة السياسية بسط أسباب هذا الانقلاب، عبر التوغل في أصوله التاريخية داخل النسق السياسي النيجيري، ورصد مسارات وامتدادات هذا الانقلاب داخليا وإقليميا ودوليا، لتشكيل صورة شاملة، تساعدنا على فهم ما يعتمل داخل هذا البلد الافريقي.

الانقلابات العسكرية في النيجر: ظاهرة بنيوية في النسق السياسي

حصل النيجر على الاستقلال يوم 3 غشت 1960 من فرنسا التي كانت تستعمر جل دول الصحراء الكبرى والساحل، وعينديوري حمانيرئيسا للدولة، باعتباره رئيسا للحزب التقدمي النيجيري PPN، الذي فرض نفسه كحزب سياسي وحيد في البلاد قبيل الاستقلال، وهيمن على جميع المؤسسات الانتخابية والعمومية، وواجه خصومه ومعارضيه بقساوة وعنف، بعد أن بسط سيطرته على جميع مناطق البلاد. وحكم الرئيسديوري حمانيبنظام الحزب الواحد، من سنة 1960 إلى سنة 1974 عشية انقلاب عسكري ضده، قاده الجنرالساني كونتشييوم 14 أبريل 1974. واعتبر ذلك أول انقلاب عسكري في النيجر، والذي جاء كنتيجة موضوعية لما يعيشه البلد من أزمات اقتصادية واجتماعية، جراء الجفاف الذي ضرب النيجر وكل بلدان الصحراء والساحل سنة 1973، وتسبب في مجاعة خطيرة، أودت بحياة الآلاف من المواطنين، وبنزوح جماعي للسكان خاصة في المناطق الصحراوية التي تغطي أكثر من 70% من مجموع مساحة البلاد. هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي سادت في النيجر مطلع عقد السبعينيات من القرن الماضي، عجلت بسقوط نظام حزب الواحد للرئيسديوري حمانيالذي احتكر السلطة والنفوذ بشكل مطلق، ومنع تأسيس الأحزاب والجمعيات، واستفرد حزبه بجميع السلط داخل الدولة، فمن بين 12 عضوا المشكلين لهيأة المكتب السياسي لحزب PPN يتولى 10 منهم مناصب رفيعة في الدولة. وبالرغم من إجراء انتخابات في موعدها على رأس كل خمس سنوات إلا أنها لا تسفر عن أية نتيجة، يبقى رئيس الحزب هو رئيس الدولة، فيما يوزع أعضاء المكتب السياسي المناصب فيما بينهم. وهذا ما جعل النيجر في السنوات الموالية للاستقلال، تغرق في الشمولية والاستبداد السياسي، وتدخل الجيش لأول مرة عن طريق الانقلاب العسكري سنة 1974. 

لكن هذه الظروف الداخلية الصعبة، استبداد سياسي، ومجاعة وجفاف وفقر، واضطرابات داخلية، لا يجب أن تحجب عنا العوامل الخارجية في تنظيم انقلاب عسكري على الرئيسديوري حماني، فبالرجوع إلى تاريخ تلك الظرفية، نجد أن العامل الخارجي كان حاسما في إنجاح الانقلاب. لاسيما أنه جاء في ظل خلاف سياسي واقتصادي بين الرئيسديوري حمانيوفرنسا بسبب سعر الامتياز مقابل استغلالاليورانيومفي مناجمأرليتوأكوكانالواقعة بمنطقة أگاديز شمال النجير، حيث تنتشر مجموعات التوارگ (الطوارق). وكانت الشركة الفرنسية La SOMAIR ( La société Minière de L’Air)  قد بدأت في الاستخراج والتعدين منذ سنة 1971، وحين كان الرئيس يتفاوض مع فرنسا حول قيمة السعر، وقع عليه الانقلاب من طرف الجيش. 

هل كانت فرنسا متورطة في تنظيم الانقلاب علىديوري حمانيالذي دخل في خلاف معها حول قيمة سعر الامتياز واستغلالاليورانيوم؟ أم أن الجيش تدخل لأخذ زمام الأمور بعدما تردت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلد الذي يعاني من تأخر مزمن في التنمية، ينخره الفقر والفساد والمجاعة والجفاف.

خرج النيجر من استبداد الحزب الواحد، ودخل تحت نظامديكتاتورية العسكربقيادة الجنرال الرئيسساني كونتشيالذي حكم البلد بقبضة من حديد، ما بين 1974 إلى سنة 1987، حيث وفاته بإحدى المستشفيات في العاصمة الفرنسية باريس، ولم يختلف عهده عن سلفه في شن سياسة الترهيب والقمع وتصفية المعارضين، وقد ألقى القبض على رجالات العهد السابق، وفرض نظاما عسكريا في مجموع البلاد، ولم يسمح هو الآخر بتأسيس الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية، وعاش النيجر خلال سنوات عهده فصولا من الاضطرابات السياسية وتمرد التوارگ، الذين نزح أغلبهم إلى ليبيا وجنوب الجزائر. واشتدت سياسة الجنرال الرئيس القمعية، عقب محاولة انقلاب فاشلة سنة 1983.

وبعد وفاة الجنرالساني كونتشيخلفه رئيس حكومته، العقيدعلي سايبوالذي حكم في الفترة الممتدة ما بين 1987 و 1993، حيث انتخاب أول رئيس مدني لدولة النيجر في ظل التعددية السياسية وهو الرئيسماهامان عثمانبعد مؤتمر المصالحة الوطنية.

 فإلى أي حد نجح هذا المؤتمر في اخراج النيجر من آفة الانقلابات العسكرية؟

 مؤتمر المصالحة الوطنية: ورهان القطيعة

بعد انقضاء حوالي 30 سنة من زمن استقلال النيجر، تقاسمهانظام الحزب الواحدونظام العسكرفيما بينهما، تناوبا على قهر المجتمع وخنق الحريات السياسية والهيمنة على مؤسسات الدولة واستغلال موارد البلاد وثرواته الطبيعية والمنجمية، وما نتج عن ذلك من تراكم الفساد والابتزاز، والاثراء الفاحش والمذهل للنخب الحاكمة، وارتفاع البطالة وانتشار الفقر في أوساط المجتمع النيجيريوقد تزامنت هذه الأوضاع المزرية التي يعيشها النيجر، مع اندلاع ثورات التوارگ الذين عادوا من هجراتهم الجماعية في ليبيا والجزائر، وشنوا هجمات على الجيش النيجيري، في اطار حركات التمرد احتجاجا على اقصاء مناطقهم الغنية بالأورانيوممن برامج تنموية حقيقية، وطالبوا بالانفصال عن دولة النيجر، ولعل أهم انتفاضة قام بها التواگ/ الطوارق هي تمردتشين تابردانفي ماي 1990، التي اعتبرت بمثابة الشرارة الأولى لانطلاق ثورة التوارگ التي استمرت لسنوات طويلة.

 كل هذه العوامل أدت إلى تأجيج المعارضة وتعزيز خطابها، في الداخل والخارج، والتي تمكنت من عقد مؤتمر المصالحة الوطنية سنة 1991، مستفيدة من هبوب رياح الانفتاح السياسي والديموقراطي على شمال إفريقيا والصحراء والساحل مع بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي. وترأس المؤتمر الوطني المؤرخأندريه ساليفو، شاركت فيه جميع القوى الحية في البلاد وكل تمثيلات الشعب بمختلف الاثنيات، من تنظيمات سياسية ومجموعات اثنية وتنظيمات المتمردين والثوار والنخب المستقلة والأعيان وغيرها.

واتخذ المؤتمر الوطني بعض القرارات، منها تنصيب حكومة انتقالية جديدة تدبر شؤون البلاد، إلى أن يتم وضع دستور جديد وإجراء انتخابات سياسية تعددية ديموقراطية، شفافة ونزيهة، تقطع مع ممارسات نظام حزب الواحد ونظام العسكر. وقد تم فعلا وضع دستور جديد يضمن الحريات السياسية والتعددية، كما نظمت أول انتخابات رئاسية في زمن التعددية الحزبية في أبريل سنة 1993، والتي فاز بها حزبتحالف قوى التغيير، بانتخابمهامان عثمانرئيسا للجمهورية. 

غير أن روح قرارات المؤتمر الوطني للمصالحة، لم يصمد طويلا أمام نزوعات الجيش الذي ظل يتربص دائما ويتحين الفرص للهيمنة السياسية والتحكم في شؤون البلاد، وتحييد المدنيين من السياسة والرئاسة. ففي يناير 1996 تم تنفيذ انقلاب عسكري على الرئيس المنتخبمهامان عثمانبقيادة العقيدإبراهيم باري مانصاراوالذي قاد البلاد لمدة ثلاث سنوات، بعدما نظم انتخابات شابتها خروقات حسب مراقبين، وحَكم قبضته على البلاد دون اعتراف دولي به، وعاشت النيجر ظروفا اقتصادية واجتماعية قاهرة، عجلت الإطاحة بالرئيسإبراهيم مانصارابنفس الطريقة التي اعتلى بها عرش النيجر، لكن هذه المرة، تم اغتياله في ظروف غامضة بالمطار الدولي بعاصمة النيجرنياميسنة 1999، وتولى الرئاسة العقيدداوودا مالام وانكيالذي أسس مجلس الحكم العسكري الانتقالي. ونظمت الانتخابات في نفس السنة فاز بها حزبالحركة الوطنية للتنميةالذي يرأسهمامادو تانجاالذي انتخب رئيسا للجمهورية، وهو عسكري سابق، شارك في الانقلاب العسكري الأول ضدحماني ديوريسنة 1974، وشغل مناصب حكومية كثيرة، منها وزير الداخلية خلال حكم نظام العسكر. وفي أثناء مؤتمر المصالحة الوطنية سنة 1991، تفرغمامادو تانجاللسياسة بعد أن أسس حزبه الجديد آنذاك، وظل يشارك في الانتخابات الرئاسية إلى أن تمكن منها سنة 1999 واستمر رئيسا للنيجر إلى غاية 2010، بعد أن احتل الرتبة الأولى في انتخابات 2004. وبعد نهاية ولايته الثانية سنة 2009 حاول تمديدها باقتراح تعديل دستوري يسمح له باعتلاء رئاسة الجمهورية لولاية ثالثة، إلا أنه اصطدم بالمعارضة السياسية والشعبية. وحين حاول تمرير التعديل الدستوري عن طريق تنظيم الاستفتاء، سقط حكمه بانقلاب عسكري يوم 18 فبراير 2010 بقيادة العقيدسالو جيبوالذي أسس مجلسا عسكريا انتقاليا سماهالمجلس الأعلى لاستعادة الديموقراطية“.

وعقب ذلك تم تنظيم انتخابات سنة 2011 جاءت بمحمدو إسوفورئيسا للجمهورية، عن الحزب الديموقراطي الاشتراكي، الذي أسسه بعد مؤتمر المصالحة الوطنية وشارك في جميع الانتخابات الرئاسية التي نظمت خلال العشرين سنة، قبل أن يتمكن من الظفر بها في سنة 2011، واستمر في الحصول على العهدة الثانية في انتخابات 2016، إلى أن سلم الرئاسة لصديقه وحليفه في نفس الحزبمحمد بازومالذي ترشح في انتخابات 2021، هذا الأخير الذي تم اسقاطه بانقلاب عسكري في يوم 26 يوليوز 2023.

نستخلص مما سبق، أن الانقلابات العسكرية لم تكن ظاهرة طارئة في النسق السياسي بدولة النيجر، وإنما هي ظاهرة بنيوية راسخة داخل النسق، فالانقلابات هي نظيمة أساسية تدور حولها الحياة السياسية، فما أن تستعد الديموقراطية التمثيلية عافيتها حتى تعود إلى نقطة العودة وهي تدخل الجيش في السياسة. وإن كان المؤتمر الوطني للمصالحة قد حسم فعلا في نظامالحزب الواحدوخلق تعددية سياسية وحزبية، تتنافس على الحكم عن طريق تنظيم الانتخابات، إلا أنه لم يتمكن من وضع حد لتدخل الجيش في السياسة بواسطة الانقلابات العسكرية. هو مؤتمر نجح في احداث قطيعة للنظام الحزب الواحد، إلا أنه فشل في وضع حد لتدخل الجيش في السياسة، وظلت ظاهرة الانقلابات مستمرة، تهدد كل محاولات الدمقرطة.

فما هي الأسباب الكامنة وراء استمرار هذه الانقلابات العسكرية التي تنسف كل الجهود المبذولة لإرساء أسس نظام ديموقراطي مدني تعددي يرتكز على الحرية السياسية يؤمن بالانتخابات كوسيلة شرعية للوصول إلى السلطة؟ سنحاول مقاربة ذلك من خلال الانقلاب الأخير على نظاممحمد بازوم“. ونجملها في النقط التالية:

صراعات القرب والمسافة

في دراسة قيمة حول أزمة الديموقراطية في النيجر، طرح الانثروبولوجي الفرنسي  Jean-Pierre Olivier de Sardan مقاربة تحليلية مفيدة للغاية، لفهم جوهر الصراع السياسي المستمر في قمة الهرم السياسي بالنيجر، حيث اقترح دراسة السياسة من خلال علاقات وصراعات القرابة انطلاقا من العائلة الممتدة التي تنتشر داخل المجتمع النيجيري، حيث تشتد المنافسة بين الإخوة من الأب، على اعتبار أن النيجر تنتشر فيه ظاهرة تعدد الزوجات. وخلص الباحث إلى أن الصراعات بين الاخوة غير الأشقاء حول الإرث والوجاهة والنفوذ، انتقل إلى الحياة السياسية والحزبية، من خلال دراسة حالات كثيرة، للانشقاقات السياسية والصراعات والتحالفات. والتي سماها بصراعات القرب والمسافة. فيتحول أصدقاء اليوم إلى أعداء الغد.

وتكون الحدود بين الخصوم السياسيين، رؤساء الأحزاب وزعماء دينيين وقادة عسكريين، إما سياسية أو إثنية أو اجتماعية أو دينية

فقد لاحظ الباحث Olivier Pierre أن التحالفات السياسية في النيجر خلال السنوات الأخيرة تعاني من الهشاشة والغموض الأيديولوجي، فجميع الأحزاب تصارعت فيما بينها ثم تصالحت ثم تصارعت مرة أخرى، فالتحالف السياسي بين الأحزاب لا يحكمه أي منطق سياسي أو أيديولوجي. بالإضافة إلى أن جميع القادة والزعماء السياسيين الذين ظهروا في غضون المؤتمر الوطني للمصالحة، هم الذين يترأسون الأحزاب السياسية، جميعهم تناوبوا على ممارسة السلطة والمعارضة. كما تعاني الحياة الحزبية في النيجر من ظاهرة الانقسام والتشتت، نتجت عنها معضلة الترحال السياسي، حيث كثيرا ما تنتقل الكوادر والأطر بين الأحزاب حسب تموقعها في السلطة. 

وفي حالة الانقلاب الأخير في النجير، فإنمحمد بازومالذي انقلب عليه قائد الحرس الرئاسي، الجنرالعبدالرحمان تيانيوالذي كان يشغل نفس المنصب لدى الرئيس السابقمحمدو ايسوفو، ويقول المتتبعون للشأن الداخلي في النيجر، أن الجنرالعبدالرحمان تيانيظل قريبا جدا للرئيس السابق، فيما توثرت علاقته بالرئيسمحمد بازومالذي بدأ في سن تغييرات داخل محيطه القريب داخل القصر الرئاسي، وكان يستهدف تصفية تركة صديقه وحليفه في الحزبايسوفووتعيين شخصيات عسكرية ومدنية قريبة منه موالية له. وهو ما لم يرق للرئيس السابقمحمدو ايسوفووبعض العناصر الموالية له داخل الحرس الرئاسي الذي خطط ونفذ الانقلاب. 

ولفهم حيثيات انقلاب 26 يوليوز الماضي في النيجر، لابد من تحليل علاقات وشبكات المصالح الاقتصادية والسياسية بين ثلاث شخصيات، كانت تجمعها مصالح مشتركة، وهي الرئيس السابقمحمدو إيسوفوالذي تولى رئاسة الجمهورية من سنة 2011 إلى 2021 في ولايتين متتاليتين، وترك منصب رئاسة الجمهورية لصديقه ولحليفه السياسيمحمد بازومالذي كان يرأس الحزب الديموقراطي الاشتراكي، (وهو حزب محمدو ايسوفو). والشخصية الثانية هيمحمد بازومالذي أطيح به بالانقلاب العسكري،بازومكان قريبا جدا منايسوفوإلى درجة أن المحللين المتخصصين في تتبع شؤون النيجر، كانوا يعتقدون أنبازومالذي حاز على المرتبة الأولى في انتخابات 2021 بدعم كبير منايسوفولن يكون إلا قفازا سياسيا في يدايسوفووالدليل على ذلك عحزبازومعن تشكيل حكومته إلا بعد مرور ستة أشهر عن الانتخابات، لأنه وجد مشكلات كثيرة مع سلفه الرئيسايسوفو“. وبعدما بدأ الرئيسبازومفي استعادة سيطرته وفرض شخصيته السياسية كرئيس الدولة، اصطدم مع حليفه السابق الذي كان يراهن على ممارسة السلطة والبقاء في الحكم عن طريق الوكالة. ولابد من الإشارة إلى الانتماء القبلي والاثني للرئيس بازوم الذي ينتمي إلى القبائل العربية التي تمثل الأقلية في النيجر، لا تتجاوز نسبة 1% من مجموع سكان النيجر، عكس اثنيةمحمدو إيسوفوالذي ينتمي إلى الهاوسا التي تمثل الأغلبية، تتجاوز 50% من مجموع السكان.

أما الشخصية الثالثة هي الجنرالعبدالرحمان تياني، (ينتمي إلى الهاوسا مثل الرئيس ايسوفو) الذي خطط ونفذ الانقلاب، كان يعيش في الظل طيلة عشر سنوات التي قضاهاإيسوفوفي الحكم، لكن الخلافات التي برزت بين هذا الأخير والرئيسبازوم، جعلته ينسل من ظلال جدران القصر الرئاسي ويخرج إلى الشمس، ويقتحم مسرح الأحداث الساخنة داخل القصر، وبرز في الواجهة كرجل قوي يقود المرحلة الجديدة في النيجر، عن طريق تزعم انقلاب عسكري على رئيس منتخب، تحت ذريعةاستعادة الأمن والاستقراروهذه هي ذريعة العسكر دائما.

فتحليل صراعات القرب والمسافة، بين هذه الشخصيات الثلاثة وامتداداتها داخل الجيش والإدارة والاستخبارات والأحزاب السياسية والقبائل والمجموعات الإثنية، يساعدنا كثيرا في فهم بعض خبايا الانقلاب

فقدان الثقة في الأحزاب والحنين إلى العسكر  

إن ما عرجنا عليه من تأزم الوضع السياسي والحزبي في النيجر، وفساد النخبة السياسية، وترهل الأحزاب وعدم قدرتها على الدفاع عن المواطنين وقضاياهم العادلة والمشروعة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية وإصلاح التعليم وتعميمه وتوفير الخدمات الصحية، إضافة إلى الانقسامات والصراعات المتتالية بين الفرقاء السياسيين، وهشاشة التحالفات، وما نتج عن ذلك من حرمان واقصاء لفئات واسعة من الشعب الذي تعيش أغلبيته الساحقة تحت عتبة الفقر.. واستفحال الفساد الإداري والابتزاز السياسي وانتشار الرشوة في النيجر، والاغتناء السريع والفاحش للزعماء السياسيين وموظفي الدولة.. كل هذه العوامل وأخرى ساهمت في انهيار بنيان الثقة في الأحزاب السياسية والحكومات المتعاقبة التي تشكلها، لدى الشعب النيجيري، فلم يعد خطاب الأحزاب وكلام السياسيين يغري المجتمع، ولم يعد ينصت له أحد.

 وأمام هذه الهوة التي تتمدد مع مرور الوقت، بين الأحزاب السياسية والمجتمع، بين الحكومة التي يشكلها السياسيين والشعب، هذا الأخير يلجأ إلى العسكر، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، كطوق النجاة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي يعاني منها شعب النيجر بكل مكوناته. 

وتوالي فشل الحكومات المتعاقبة على حكم النيجر، والصراعات المستمرة بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة لها، أدى إلى نفور الشعب من السياسة والسياسيين وتولد له شعور الحنين إلى حكم الجيش، وعادة ما يتذكر النيجيريون عهد حكم الجنرالسيني كونتشيالذي حكم النيجر بقبضة من حديد. 

ومن بين تجليات الازمة السياسية في النيجر وعقم خطاب الأحزاب، انتشار تيارات الإسلام الراديكالي المتطرف، التي تتبنى العنف والإرهاب لمواجهة الدولة وحلفائها في النيجر، وهذا ما يفسر نشاط التيارات الجهادية في بلدان الساحل والصحراء، والتي بدأت عملها الإرهابي في المنطقة منذ سنة 2012، ووجدت في النيجر التربة الخصبة للتنامي والانتشار. فهذا التقدم المذهل للايديولوجية السلفية الجهادية، توجد معظم أسبابه فيفساد العمل السياسي والحكومي، الأمر الذي جعل الشعب يبحث عن بدائل راديكالية متطرفة وعنيفة لمواجهة النظام الحزبي والسياسي.

التدخل الخارجي في شؤون النيجر والوافد الجديد

التدخل الخارجي عامل أساسي وبنيوي في قيام الانقلابات العسكرية في بلدان الصحراء والساحل، ومن بينها النيجر، فقد أشرنا أعلاه، إلى أن أول انقلاب عسكري وقع ضد الرئيسديوري حمانيسنة 1974، قاده الجنرالسيني كونتشي، جاء في سياق وجود خلاف سياسي واقتصادي بين الرئيسحمانيوفرنسا حول سعر استغلالاليورانيوم“. فتدخل فرنسا في النيجر تاريخي، منذ أن كان هذا الأخير مستعمرة فرنسية، واستمر التدخل بعد الاستقلال سنة 1960، وتجلى أساسا في استغلال فرنسا لأكبر احتياطي عالمي لليورانيوم في شمال النيجر، فظلت الشركات الفرنسية هي المحتكرة له، في الاستخراج والتعدين والتصنيع والتصدير منذ عقود. 

وبعد انتشار الإرهاب في السنوات الأخيرة، ازداد حجم التدخل الأجنبي في النيجر وبلدان الساحل بكثرة، واتخذ ابعادا أخرى، فلم تعد الدول الأجنبية تقتصر على التحكم الاقتصادي باستغلال الموارد المنجمية والمعدنية، بل انتقلت إلى التدخل العسكري المباشر تحت ذريعة محاربة الإرهاب وتيارات الدينية المتطرفة، بعد أن اختارت التنظيمات الإرهابية الصحراء الكبرى لتكون منطلق أعمالها التخريبية والجهاد من أجل قيامدولة الخلافة والشريعة“. وقد أنزلت فرنسا وأمريكا وبعض حلفائهما جيوشها وعتادها الحربي في منطقة الساحل والصحراء منذ سنة 2012. لكن مع توالي السنوات، اتضح أن التدخل الأجنبي مهما بلغ دعمه وانزاله العسكري واللوجيستيكي الكثيف، لم يكن مجديا، ولم يحقق أهدافه على المستوى الميداني، حيث تزايدت قوة الحركات والتنظيمات الجهادية في عنفها وارهابها.

 وبالرغم من فشل الدول الغربية فرنسا وأمريكا تحديدا، في القضاء على التيارات الجهادية المتطرفة في كل من مالي والنيجر وبوركينافاسو، إلا أنها لاتزال تتشبث بوجودها في المنطقة. واختارت هذه القوى الغربية أرض النيجر لتكون قاعدة خلفية واستراتيجية لما تسميه الخطة الأممية لمحاربة الإرهاب في بلدان الساحل والصحراء، فعملت أمريكا على بناء قاعدة عسكرية للطائرات بدون طيار في منطقة أگاديز شمال النيجر، فيما عززت فرنسا وجودها العسكري في البلد بإنشاء ثلاث قواعد عسكرية. 

غير أن هذا التدخل الأوروبي والأمريكي في الساحل والصحراء، لم يخلق مقاومة شعبية داخل بلدان الساحل فحسب، وإنما أيضا، خلق منافسا له في الاستحواذ والتحكم في بلدان الصحراء والساحل الغنية بالذهب والمعادن والطاقة واليورانيوم، إنه الخصم التاريخي والايديولوجي والتاريخي، للغرب، إنه القطب الشرقي الذي تتزعمه روسيا، هذه القوة الزاحفة التي تسعى هي الأخرى وضع أقدامها على خريطة بلدان الساحل والصحراء، وهي تدري صعوبة جغرافيتها العنيدة، فإنها ابتدعت لها القوات المناسبة لاختراقها، إنها عصاباتفاغنر، وهي المجموعات العسكرية الروسية المتدربة على اختراق النزاعات العسكرية في العالم، وظهرت في افريقيا، كآلية ناجعة لتثبيت الوجود الروسي، في دعم الانقلابات العسكرية، وحسم المعارك الميدانية، ومواجهة الوجود الفرنسي والأوروبي والأمريكي في افريقيا. 

نجحتفاغنرالروسية في مالي، بشكل هائل وسريع، وطردت فرنسا في هذا البلد الغني بالذهب والأكثر تمزقا وفقرا في العالم، ثم فيبوركينافاسوالذي أضحى يمثل الأنموذج الناجح والناصع للاختراق الروسي لإفريقيا. فكيف يمكن للنيجر أن يكون استثنائيا، أمام صعودخطاب قومي إفريقي جديديقوده جيل جديد من شباب الجيش، عماده محاربة فرنسا التي عمرت في المنطقة أكثر من قرن ونصف، وحلفائها الغربيين، ثم الاعتماد على التحالف مع روسيا الوافد الجديد إلى إفريقيا. وإن كانت فرنسا قد استعمرت واحتلت افريقيا بجيوشها خلال نهاية القرن التاسع عشر، فإن روسيا بمرتزقتهافاغنر، تمكنت اليوم من طردها في أغلب مستعمراتها القديمة، وما النيجر، إلا القلعة الأخيرة التي سقطت تحت أقدام جيوش الروس.

وما تحالف مالي وبوركينافسو، حيث يحكم العسكر، مع انقلابيي النيجر، في مواجهة أي تدخل عسكري للغرب عبر حلفائه التقليديين في منظمةإيكواس، إلا قرع طبول الحرب بين روسيا والغرب على ضفاف ساحل الصحراء. 

مجمل القول، قد يبدو انقلاب 26 يوليوز 2023، في النجير، ناتج بالأساس عن الصراعات الصغيرة والقريبة بين أطراف النظام السياسي في النيجر وحاشيته داخل الحرس الرئاسي داخل القصر، إلا أن امتداداته عميقة ومتشعبة، تظهر المستويات والأبعاد التي يتخذها الصراع العالمي الجديد. 

باحث في تاريخ الصحراء والساحل

المصدر